جاء الخبر بعد صلاة الفجر مباشرة ولكنه لم يصل الى عمشا إلا بعد الظهر عندما اتضح لها ان الترتيبات التي تجرى أمامها كانت للصلاة على ميت، دون أن تحدد قالت: ماتت؟ فقال لها زوجها: الله يرحمها، تناثر الخبر في الرياض في وقت قياسي، فشعر كثير من ابناء العسيلة ان موازين القوة سوف تتغير، ولن تجد عمشا بعد اليوم من يضبط سلوكها العدواني، كانت حسينة رحمها الله هي الوجه الدبلوماسي في حياة عمشا وآل عمشا، لولاها ربما اعدمت عمشا منذ زمن طويل، فعمشا يبدو ان بصيرتها تأخذ من اسمها الكثير، فهي لا تعرف كيف تتفاوض او تتفاهم في اللحظة التي يظهر فيها أي اعتراض لوجهة نظرها، تلجأ على الفور الى العنف، ولكن الذين شهدوا الايام الاخيرة لعمشا في العسيلة اشادوا بسلوكها وبإحساسها بالمسؤولية، تبين للجميع ان عمشا لم تكن عمشا وانما كانت توظف الامور بصورتها الصحيحة، كانت خالتها حسينة بالنسبة لها الوجه المسالم والحكيم في حياتها، وقد تبيَّن هذا بعد وفاتها، حيث بدأت عمشا تغيِّر من سلوكها وتستنفد الحلول الدبلوماسية قبل اللجوء الى القوة، ربما كان للعمر دور، فعندما ماتت خالتها حسينة كانت عمشا قد بلغت الخمسين. اتصلت عمشا بكل مربي الحمام في الرياض وجمعت منهم حمام المرحومة والديون التي في ذممهم، كما سددت كل مديونيات حسينة، بل ذهبت بنفسها الى سوق الحمام وأعلنت ان كل من له مطالب على حسينة يتقدم بها على الفور لتسديدها، لم تكن تدقق او تشكك في احد كانت تريد ان تسدد ديون حسينة بروح التسامح التي عرفت بها حسينة نفسها، مع أنها كانت تعرف ان ولد سكيا كذاب، وربما كان هو المديون لحسينة عندما قال لها إنه يطلبها اربعين ريالا، أعطته المبلغ وقالت له اذا كنت كذاباً فستنال عقابك في الدنيا والآخرة. انزوت عمشا في بيتها، وعلى مدى سنوات لم تستخدم قبضتها الفولاذية إلا مرتين، مرة عندما اشتكى لها ولدها ناصر بأن ولد سكيا اعتدى عليه، سألت كل من في الحارة وعندما تأكدت ان ناصر كان صادقا في دعواه ذهبت في احدى العصريات الى سوق الحمام وانتزعت ولد سكيا من بين اقفاص الحمام المتراصة هو وبعض الاشقياء من امثاله، وأخرجته على الفور من زحمة السوق وهي تجره بعد ان طوت شماغه على رقبته فانقاد لها كما تنقاد الخرفان الصغيرة للقصاصيب، وبطشت به حتى ان تجار الحمام ظنوا ان عمشا جاءت لقتل ولد سكيا، وقد فسرت الضربة القاسية التي تلقاها ولد سكيا بأسباب ثلاثة: الاول انه ضرب ولدها وهذا هو السبب المعلن، والثاني انها كانت تعرف انه كان يكذب عندما ادعى انه يطلب حسينة اربعين ريالاً، اما السبب الثالث فيعود الى ان عمشا تحتقر والده سكيا لأسباب اخلاقية. اما الحادثة الثانية فقد كانت مع «فرقنا» او البائع المتجول في احد الايام حوالي الساعة الخامسة ظهرا بتوقيت ايام عمشا او الساعة الحادية عشرة بتوقيتنا الحالي، سمعت عمشا نداء «فرقنا» وكانت في حاجة لبعض الاقمشة الجديدة لمناسبة عائلية، أوقفته وأخذت تتفاوض معه عند الباب وعندما لاحظت ان الرجل يقف تحت لهيب الشمس رقَّ قلبها، ودعته للدخول في المجبب فأخطأ «فرقنا» الفهم وترجم الدعوة بغرائزه لا بأخلاقه، من سوء حظه لم تفقد عمشا سرعة البديهة التي وسمتها طوال ايام شبابها، بحادثة فرقنا برهنت عمشا ان الحكمة التي يكتسبها الانسان بعد تجارب السنين لا تتعارض أبدا مع سرعة البديهة والمبادرة، ما ان جرأ المسكين ومد يده ناحية عمشا حتى كانت كف عمشا اسبق الى وجهه من يده الى صدرها، كان المتر في يده، وهو سيم بطول متر يقيس به الاقمشة لزبائنه وقبل ان يستعيد احساسه بالواقع كانت عمشا قد انتزعت السيم من يده وتراجعت قليلا عنه وضربته على رأسه، ولكنه مال عن مرمى السيم فجاءت الضربة على كتفه، صرخ واندفع ناحية الباب، ولكن عمشا كانت اسبق منه اذ لشطته بين كتفيه، صرخ صرحة أخرى أخرجت الجيران، ومن حسن حظ الرجل ان صادف في تلك اللحظة مرور ابو عبدالمحسن المؤذن لم يحتج ابو عبدالمحسن الى تفكير ليعرف ما الذي يجري فصرخ في عمشا: «طالبك اياه يا أم ناصر طالبك اياه هالمرة يا أم ناصر» كان فرقنا يضع يديه على قمة رأسه فاستغلت الوضع لكي تنهي المعركة بضربة حاسمة قبل ان تتوقف اكراما لأبو عبدالمحسن انزلت ضربة بالجهة الحادة من السيم على يد فرقنا تلك اليد التي حاولت الاعتداء عليها فتحطمت اصابعه الاربع، فسقطت يده من فوق رأسه بعدما اغمي عليه فرفسته عدة رفسات لتلقي به خارج بيتها. وبكل اقتضاب شرحت لأبو عبدالمحسن الاسباب فقال: «مقديه يا ام ناصر يستاهل». كان جيران عمشا قد خرجوا من منازلهم ورشوا «فرقنا» بالماء وعندما استيقظ أفهموه ان العسيلة تتعذره من الآن الى يوم الدين حفاظا على ما تبقى له من حياة. بعد هاتين الحادثتين لم تسجل احداث اخرى، باسم عمشا، وقد فكرت كثيرا ان أخبر عمشا بما حدث لقدرها ولكني وجدت ان تخلي عمشا عن العنف الفوضوي لا يعني أن عمشا تخلت عن العنف المشروع، وخشيت ان تكون حادثة القِدر ما زالت راسبة في قاع وجدانها العنيف وأن اكون انا وابنها ناصر ضحيتين لاحقاد قديمة، فحسب تقديري فعمشا يمكن ان تتسامح مع اي شيء إلا مع سارق قدرها. في ذلك اليوم المشؤوم لاحظنا أنا وناصر قطوة جميلة رومية ساقطة في ركية السيل وقررنا إخراجها فأحضرنا سطلا وربطناه بحبل ودلدلنا الحبل لعل القطوة تقفز فيه فنسحبها الى الخارج، ولكن القطوة لم تستجب فتفتق ذهننا عن فكرة جهنمية وهي ان نضع في السطل قطعة لحمة وقبل ان نتناقش أو نبحث عن السبيل لتحضير اللحمة، قفز ناصر وهو يقول: ابوي اليوم جايب لحم، ولا أعرف ما الذي حدث فبعد حوالي عشر دقائق عاد ناصر يحمل بين يديه قدراً ضخماً تتأجج في داخله رائحة كشنة وقطعة لحمة تكفي لعرس قطاوة وليس لقطوة رومية واحدة من شدة فرحي لم أسأله كيف جاء باللحمة اخذنا اللحمة ووضعناها في السطل ودلدلناه. لا تسألوني هل اخرجنا القطوة أم لا، أما بالنسبة للقدر فقد رميناه في الركية، اذ هذا ما جرى لقدر عمشا والله المستعان.