القيادة تعزي رئيس بنغلاديش في وفاة رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    بذل أكثر من نصف مليون ساعة عمل تطوّعي في المسجد النبوي خلال العام 2025م    سباق بين إنتر ويوفنتوس لضم كانسيلو    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    الأفواج الأمنية تُحبط تهريب ( 37,200) قرص خاضع لتتظيم التداول الطبي بجازان    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    القيادة تهنئ الرئيس غي بارميلان بمناسبة انتخابه رئيسًا للاتحاد السويسري    سبعة معارض فنية تعيد قراءة الحرفة بمشاركة أكثر من 100 فنان وفنانة    البلديات والإسكان تبدأ إصدار أكثر من 60 ألف فاتورة لرسوم الأراضي البيضاء في الرياض    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    وزير الداخلية السوري يحذر «فلول النظام البائد» من نشر الفوضى    زيلينسكي يناقش مع ترمب تواجد «قوات أميركية»    التحول الديموغرافي.. التحديات والحلول    فنزويلا تبدأ خفض إنتاج النفط وسط الحصار الأميركي.. والصين تتضرر    ارتفاع السوق    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    الرياضة.. من رعاية الهواية لصناعة اقتصادية    الخيبري: الاتفاق استغل فرصتين    رونالدو أعلى اللاعبين دخلاً في العالم    المملكة أكبر مستورد عربي للأغذية والمشروبات بقيمة 6.6 مليارات دولار    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    «الأزيرق».. الشتاء يطرق الأبواب    احذروا من أخطار الفحم    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    من التخطيط إلى التنفيذ.. «إكسبو 2030 الرياض» ترسي مشاريع البنية التحتية والمرافق الأساسية    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    تعزيز البحث العلمي في المجال الإسعافي    الجوائز الثقافية.. رافد أساسي لتطوير الحراك الثقافي    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    المنتدى السعودي للإعلام 2026 يطلق ثاني لقاءات مبادرة "ضوء" في القصيم لاكتشاف الريف والاقتصاد المحلي    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    زوّجوه يعقل    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    24 شركة تفوز برخص للكشف عن 172 موقعا تعدينيا    المملكة تستعد لانطلاق النسخة السابعة من رالي داكار    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    التدريب التقني يطلق ورشة عن بعد لتعزيز العمل التطوعي    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    20 عيادة تمريضية متخصصة يطلقها تجمع جازان الصحي    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    فلما اشتد ساعده رماني    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    مسحوق ثوري يوقف النزيف الحاد في ثانية    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلاقات الاجتماعية في الخرمة.. بين ما هو موروث، وما هو مستجد أو متغير
جَنْيُ الكَرْمَة من الكلام على محافظة الخُرْمَة6/5
نشر في الجزيرة يوم 22 - 05 - 2002

إعداد :حمّاد بن حامد السالمي - سعد بن عبدالعزيز الخرجي
من اللافت للأنظار في محافظة الخرمة، تلك الألفة التي تجمع بين الناس، حتى لا تكاد ترى واحداً يمشي بمفرده، او يجلس وحيداً حتى الدور صممت بشكل يوحي بأن الناس يلتقون بأعداد كبيرة، فمجالس الضيوف والضيافة، تحتل المساحة الأكبر من المباني السكنية، وأنت حين تحل بهذه المحافظة على انها كبرت واتسعت وضجت بالحركة، إلا انهم يكتشفون بسرعة أنك «ضيف».. فيتسابقون الى دعوتك، بل يتوافدون على مضيفك لدعوتك الى دورهم.
وفي مسجد الملك عبدالعزيز حديث البناء، الجميل في مظهره ومخبره، أتينا متأخرين، فصلينا جماعة لوحدنا بعد انقضاء جماعة العشاء، ولكن هناك من كان يرقبنا وينتظرنا حتى فرغنا من الصلاة ليدعونا الى داره. إنه كرم أبناء الخرمة الدال على تحابيهم فيما بينهم، وهو الذي جعلهم يحبون الآخرين ويألفونهم فيحبهم الآخرون.
إن ظاهرة التآلف الاجتماعي في الخرمة جعلتنا نبحث في جذور مثل هذا المجتمع ونخصص هذه الحلقة من الخرمة، للبحث في العلاقات الاجتماعية في هذا الوادي الأخضر.
وهنا أيضاً، اعطينا القوس باريها، وباريها في هذا الميدان، هو الأستاذ الباحث الأديب، سعود بن عبدالله بن نغيمش السبيعي، نترككم معه، ونتركه معكم، ومع هذه السطور المضيئة.
العلاقات الاجتماعية
في الوادي الأخضر
المقدمة: ان محافظة الخرمة بلد المليون نخلة، تكسوها المزارع حلة خضراء قشيبة منها واحات خضراء جميلة ذات تربة خصبة ومياه متوفرة على ضفتي وادي سبيع عندما يمتد من وادي تربة الذي تمر به سيوله أثناء انحدارها في أودية الحجاز وأعالي مرتفعات الجنوب.
انها تحتضن هذا الوادي ويحتضنها متبادلين علاقات العطاء والوفاء. تؤنسه بضجيجها العذب الذي يحلو له وتشرفه ببطولات أهلها وحميد سجاياهم وتشنف آذانه بالأذان من على سطوح مساجدهم وصلواتهم وتسبيحهم. وتضرعهم بالدعاء الى الله ان يغدق على أرضه المطر ودقاً ومدراراً ليروي أشجاره الباسقة وينبت اعشابه ويسيل مجراه، أما هو فيمدها بالغذاء الجسدي والروحي ويعطر أنفاسها بعليل هوائه الناعس البارد حاملاً روائح الزهور وعبير الاقحوان وعطور الليمون الفواح وعليل زِبْرِج رمثه توزعه سعفات جريد تخيله بهفهفتها المتمايلة مع كل نسمة هواء والمتعانقة بفارهة طولها مع العمائر وكأنها تحاول ان تطُلّ مع نوافذها لترى الجمال وتبادل التحايا انها لوحة فنية رائعة قوامها الأشجار والنخيل المتداخلة مع العمائر والفلل الجميلة ذات الألوان البيضاء الزاهية متداخلة بعضها مع بعض يكسو أرضيتها خضار البرسيم والذرة والنخيل والنباتات العشبية كنبات الشتيل والحُواء والفتون والغُريراء مُحاطة بأشجار السلم والسمر والدوح الذي تتفنن على مسافة الحمامة زهوّاً وتغريداً كل ذلك يمتد على ضفتي وادي سبيع مكوناً محافظة الخرمة على مسافة لا تقل عن مائة كيلومتر تقريباً من واحة الغريف الغناء جنوباً الى واحة الحجيف ذات العروق الرملية بمحاذاة عرق سبيع شمالاً.
ومن هذه الطبيعة الجغرافية الخلابة نطل على شرائح المجتمع في محافظة الخرمة لنتعرف على علاقاتهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم الطيبة كطيبة أرضهم المؤثرة في نفوسهم لتكون تربة خصبة تتقبل زرع الفضائل والخصال الحميدة النابعة من الدين السمح والعادات والتقاليد التي خلفها الآباء والأجداد لهم ليخرج ثمرها محبة وتواصلاً وتماسكا ينتج عنه مجتمع متكافل متعاضد.
مقومات العلاقات الاجتماعية
1- نظام الدين الإسلامي وتعاليمه.
2- الطفرة المادية.
3- العولمة الفكرية.
4- التعليم.
5- النهضات العمرانية.
6- القيم والعادات والتقاليد الموروثة.
كل هذه المؤثرات كان لها التأثير البالغ في اختلاف نمط الحياة والوضع الاجتماعي في محافظة الخرمة اسوة بغيرها من مجتمعنا السعودي الأصيل عن غيره.
كان المجتمع يعيش في حياة هادئة بسيطة، لم تكن معقدة ولم تختلط بمنغصات الحضارة ولا ما هو مستورد من افكار. كانت الحياة بسيطة وطيبة في نفس الوقت تستمد طيبتها من جمال طبيعتها ونفوس أهلها بما تُمليه عليهم شريعتهم السمحة وعاداتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة المتوارثة عن الآباء والأجداد. كان الحب والوئام والتعاون والاخلاص ديدن الجميع ورثوا العادات العربية الطيبة التي أقرها الإسلام وهذبهم دينهم الحنيف وجمعتهم حياة القربة السامية صافية كصفاء معدنهم العربي الأصيل.
ولكي نصف العلاقات الاجتماعية في الخرمة فلا بد من المرور على جميع نواحي الحياة والعادات والتقاليد وتأثير هذه الأسس عليها وما هي المستحدثات في تلك المقومات وما هي الركائز التي اندثرت والموروثات التي انقرضت من كل ناحية من نواحي الحياة ولابد لنا اذا اردنا معرفة ذلك أن نرتب النواحي والعادات التي سنتكلم عنها على النحو التالي:
أسس الحياة الاجتماعية
العبادة، العلم، الأعمال، المصالح والدوائر الحكومية، الطعام والشراب، وسائل النقل والطرق، الزراعة، التجارة، الرعي، وسائل الاتصالات.
العادات والتقاليد
والعلاقات الإنسانية
التكافل الاجتماعي، الجوار، الكرم والضيافة، الاحتفال بالأعياد، اللباس، الفنون الشعبية، الأشعار، الألعاب الرياضية، اللهجات وغيرها.
العلم ومراحل التعليم
في محافظة الخرمة
خطت محافظة الخرمة في التعليم خطوات كبيرة حيث توجد المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بنين وبنات وتوجد كلية تربية للبنات بالخرمة وقد واصل أبناء محافظة الخرمة دراساتهم الجامعية والعليا فمنهم الأطباء والمهندسون والضباط برتب عالية والمعلمون، وقد ساهموا في نهضة بلادهم في جميع المجالات وفي شتى نواحي الحياة ورغم ذلك فإنه مع تزايد اعداد الطلاب والطالبات في المخططات الجديدة على اثر هجرة سكان البادية وكثرة المواليد ورجوع المتقاعدين مازالت المحافظة في حاجة ماسة لزيادة المدارس في جميع مراحلها وكذلك في حاجة الى كلية تربية للبنين وفي حاجة للكليات التقنية والمهنية حتى يستطيع الطالب ان ينهل من التعليم داخل محافظته ليساهم كغيره ممن سبقوه في مجالات الحياة متكلاً على نفسه بعد الله بدل ان نرى نسبة العاطلين تزيد على المتعلمين.
التعليم في محافظة
الخرمة سابقاً
كان التعليم قبل الستينيات الهجرية مقتصراً على التعليم في الكتاتيب ويتعلم الطالب القراءة والكتابة والقرآن الكريم والتوحيد والفقه فقط وذلك بتلقيه حلقات الدرس إما في المسجد وإما في بيت «المطوع» أي المعلم كما يرويه لنا الآباء وكانت وسيلة الدراسة اللواح توزع على الطلاب ويكتب عليها المطوع حروف الهجاء وهكذا تبدأ الدراسة ثم تطور التعليم بافتتاح أول مدرسة بالخرمة قبل قيام وزارة المعارف بالاشراف على التعليم حيث كان بدلاً منها إدارة التربية والتعليم وقد بدأت الدراسة بالمدرسة السعودية عام 1370ه ثم توالى افتتاح المدارس وكان من ضمنها معهد المعلمين الابتدائي الذي استبدل بمتوسطة عام 1382ه، هذا في مجال تدريس البنين.
أما مدارس البنات فكانت أول مدرسة أهلية قام بافتتاحها أحد أعيان البلد وهو الشيخ محمد بن يوسف التويم وقد جاءه معارضة من بعض المواطنين غير المتعلمين وتوالى بعد ذلك فتح المدارس الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية للبنات ثم أخيراً تم افتتاح كلية التربية للبنات وقد خدمت محافظة الخرمة وما جاورها علماً بأن كل محافظة من المحافظات المجاورة للخرمة في حاجة ماسة لكلية تربية مماثلة.
الدوائر الحكومية والمكاتب الخدمية بالمحافظة
يوجد بمحافظة الخرمة الآن العديد من الدوائر الحكومية التي تؤدي مهامها بشكل ممتاز للمواطنين وكذلك البنوك والمؤسسات والمعارض والشركات والورش المهنية وان كان هناك الاحتياج لبعض الدوائر مثل الضمان الاجتماعي ورفع مركز الاشراف التربوي الى إدارة التعليم وافتتاح بعض المراكز التابعة للمحافظة واستقلال المرور عن إدارة الشرطة، ورغم ذلك فإن الدولة جادة في أخذ ذلك بعين الاعتبار مما اتضح من مراجعة المواطنين للمسؤولين المعنيين كل في اختصاصه.
العمل حاضراً وماضياً
الأعمال التي يمارسها السكان هنا إما ان تكون حكومية مدنية أو عسكرية او تكون مهنية او تجارية او زراعية أو رعي أو معمارية او ما يماثلها في جميع أنحاء مملكتنا الرشيدة والكل يكدح من اجل لقمة العيش وخدمة الوطن ولكن كم هم الذين لا يستطيعون ان يكدحوا ولا يجدون ما يعملون به وتقوم الدولة برعاية بعضهم سواء من تنطبق عليهم شروط الضمان الاجتماعي او الاعانات المقطوعةوكذلك للجمعية الخيرية دور طيب وهي في حاجة للدعم حتى تمد يد العون لمن هم في حاجة الله ثم في حاجتها.
أما العمل سابقاً قبل الطفرة المادية وقبل استقرار الدولة فلم يكن مصدر الرزق يعتمد فيه المواطنون على الوظيفة بدرجة اولى بل ان الاكثرية يمتهنون الزراعة والرعي والمهن الحرفية قبل كل شيء حتى ان التجارة تعتبر مصدراً محصوراً على اقلية وقد يمسي أحدهم لا يملك شيئاً ويهيئ الله له رزقه في ليلته او في صباح اليوم التالي.
الطرق ووسائل النقل
توجد بمحافظة الخرمة الشوارع الفسيحة المعبدة والمنارة والمزروعة بالأشجار والنخيل وزهور الزينة.
وكذلك الطرق الداخلية التي تربط قراها بمخططاتها مثل طريق الغريف/ الخرمة ممتداً الى تربة، وطريق الدغمية ابو جميرة الواصل لقرية غثاه، وغيرهما العديد من شبكات الطرق الداخلية.. والخرمة تقع في موقع جغرافي متوسط بين العديد من المدن والمحافظات والمراكز ترتبط معها جميعاً بطرق رئيسية مثل الطريق الذي يربطها بمحافظة تربة متجها الى خط الطائف الجنوب وطريق الخرمة رنية بيشة خميس مشيط متصلا بخط وادي الدواسر والسليل وتتصل بخط الطائف/ الرياض/ المنطقة الشرقية. أما وسائل النقل بالخرمة فهي السيارات فقط وفي حاجة الى مطار محلي يخدم سكانها وما جاورها من المحافظات لوسطية موقعها. وكانوا يستخدمون قديماً الجمال والخيول للركوب وحمل الأثقال وينتقلون الى جميع أنحاء الجزيرة على ظهور الجمال وقد يسافرون عليها قديماً الى الأقطار الأخرى.
الزراعة والمحصولات الزراعية
ان محافظة الخرمة بلد زراعي منذ زمن قديم لوجود المياه المتوفرة والتربة الخصبة ويشكل النخيل الجزء الأكبر من محصولاتها الزراعية. وتزرع في الخرمة جميع أنواع الخضار وبعض الحمضيات وبعض الفاكهة مثل الرمان والعنب والتين وشجر الموز.
والواحات الزراعية بالخرمة كثيرة ومترابطة وتمتد على ضفتي وادي سبيع لمسافة لا تقل عن مائة كيلو متر تقريباً من الغريف جنوباً على حدود فضاء تربة الى الحجيف وابو مروة شمالاً على مشارف عرق سبيع. والإنتاج الزراعي يفي بحاجة المحافظة ويصدر منه الكثير الى مناطق المملكة وخاصة التمور وبعض الخضار وكانت الغريف سلة خضار الطائف رغم وفرة زراعة الخضار بالطائف.
التجارة
تزدهر الحركة التجارية بمحافظة الخرمة ازدهاراً جيداً لعدة عوامل منها:
1- تحيط بها المحافظات والمراكز والقرى والهجر ومناهل البادية من كل جانب وبمسافات قليلة.
حيث تبعد عنها محافظة رنية وقراها ومناهلها بمائة وثلاثين كيلومتراً فقط من الناحية الشرقية.
أما الناحية الغربية فيحدها فضا مركز المويه ومران ودغيجة وام الدوم ومركز رضوان بمسافات لا تتعدى ابعدها المائة وعشرون كيلومتراً.
أما الجنوب فلا تبعد عنها محافظة تربة سوى ثمانين كيلومتراً فقط ومن جهة الشمال فيبعد عنها مركز المويه بأقل من ثمانين كيلومتراً كذلك، لذلك يعتبر مركزها وسطياً.
2- غنية بمحاصيلها الزراعية وعلى رأسها التمور وتعتبر بلد المليون نخلة وكذلك الخضار والفواكه لخصوبة التربة ووفرة المياه حيث يوجد بها العديد من اسواق بيع التمور.
3- يوجد بها اسواق كبيرة لبيع المواشي ويرتادها تجار الماشية من المحافظات والمناطق المجاورة خاصة اصحاب المطابخ والمطاعم الكبيرة في جدة ومكة والطائف زيادة على غيرها من مربي وبائعي الماشية من تجار المنطقة.
4- هناك العديد من الأسواق الحديثة لبيع وشراء المستلزمات الضرورية والكمالية وكذلك العديد من محلات بيع المواد الغذائية بالجملة والمفرد.
5- يوجد العديد من معارض بيع وشراء السيارات الحديثة والمستعملة.
كل ذلك جعل محافظة الخرمة بلداً تجارياً أسواقه دائمة الحركة في البيع والشراء وساعد التجار على استيراد جميع السلع التي يحتاجها المستهلك.
المصانع والحرف اليدوية: هناك بعض المصانع مثل مصانع الموبيليا ومصانع الطوب ومصانع تنك التمور والمخارط وورش السيارات والالكترونيات وورش الأبواب والشبابيك، أما الحرف اليدوية فهي الآن بأيدي العمالة الأجنبية اما المحلية فقد انقرضت بوفاة بعض أصحابها وترك الآخرون لها لمنافسة الوافدة الرديئة والرخيصة.
العلاقات والروابط الاجتماعية
يسود التعاون والتكافل والتعاضد بين سكان محافظة الخرمة تشدهم اواصر القربى وحسن الجوار وتربطهم روابط الإسلام وتعاليمه محافظين على عادات الآباء والأجداد والتقاليد العربية الحميدة.
تحكمهم حياة القرية القديمة مع كثرة أعداد سكان المحافظة الآن وانتشار المخططات السكنية وتغير ظروف الحياة. غير ان عاداتهم وتقاليدهم وترابطهم وصلات القربى بينهم لم تتغير نقية وأصيلة مثل معدنهم يعطفون على الصغير ويحترمون الكبير ويساعدون المحتاج ويكرمون الضيف.
ان مباهج الحضارة وزخارفها وان اخذوا بها لم تنسهم ما غرسه في نفوسهم دينهم الحنيف وما عودوهم عليه الآباء والاجداد من العلاقات الانسانية الطيبة فيما بينهم وتجاه من وفد عليهم.
كانوا سابقاً يتساعدون في بناء المنزل لأي منهم ويجذون النخل لأي منهم ويحفرون الآبار يداً واحدة صغيرهم وكبيرهم، ويحتفلون ويتعاونون في فرح احدهم ويتألمون ويحزنون لوفاة بعضهم.
ولنأخذ بعض الملامح الاجتماعية في محافظة الخرمة.
- مراسيم الزواج:
يبدأ الزواج بالخطبة بعد الاختيار ولا يرى الخاطب خطيبته إلا بعد القران وبعد ذلك يحدد وقت الزواج والمهر وقد اتفق عدد من قبائل محافظة الخرمة على تحديد المهر بحيث لا يتجاوز خمسة وأربعين ألفاً ثم تبدأ ليلة الفرح التي يشارك فيها أعداد كبيرة من الأقرباء والجيران وغيرهم من المدعوين.
وتكون ليلة الفرح في احد قصور الأفراح. وقليل من يحيون ليلة الفرح في منازلهم او استراحاتهم الخاصة وهؤلاء يعتبرون ان ذلك بسبب عدم البذخ والإسراف، وفي منتصف هذه الليلة يأخذ الزوج عروسه الى شقة او بيت الزوجية وغالباً يقضي بعضهم شهر العسل في أنحاء ربوع مملكتنا الحبيبة.. وأحياناً يصاحب ليلة الفرح مساجلات شعرية للرجال عن طريق شعراء الردية «المحاورة» والنساء يقمن باحياء هذه الليلة بالرقص والسمر على الغناء ولا تخلو هذه الأفراح من البذخ والولائم الكبيرة التي تحتاج الى توعية ضمير واسترشاد.
اما الاحتفال بالزواج سابقاً في الخرمة ففيه اختلافات كبيرة عن الآن ومنها:
1 - المهر كان نقدياً وعينياً فكان يشترط مبلغاً من المال ومعه سبع او ثماني زوالي من الزل الصوف ويشترطون ان يكون طول الواحدة سبعة اذرع مع احضار الحنبل وهو يشبه السجادة ولكنه أخف يصنع من الصوف او القطن.
ويشترط في المهر مسميات في أنواع الذهب «قلادة» رشرش، بناجر أي أساور. وهكذا من أنواع الذهب الكثيرة مع احضار ملابس للأهل والأقارب وجميع أصناف الأغذية، ويكون الاحتفال للنساء نهاراً يتخلله الرقص وليلاً للرجال وتُقام ولائم في العشاء والصباح في اليوم الثاني يقال لها الصباحية. وعشاء في عصر اليوم الثاني للرجال.
2 - الكرم وحسن الضيافة:
إن الكرم من عادات العرب القديمة التي حافظوا عليها واقرها لهم الإسلام ومازالوا يتوارثونها والشعب السعودي شعب مضياف ومن هنا فإن سكان محافظة الخرمة جزء من هذا الشعب ولكن في محافظة الخرمة هناك ميزة بأن المجتمع يغلب عليه الطابع الريفي الذي يغلب على أهله شدة الكرم لمعرفة بعضهم ببعض أكثر من سكان المدن وتأصل الكرم فيهم من الآباء والأجداد فطرة مكتسبة وطبيعة لا تطبعاً والواحد من أهل هذه المحافظة يشرفه ان يضيفه ضيف او يزوره صديق ولا يبخل بتقديم ما يليق بهذا الضيف اوالزائر. وسبق ان ذكرنا اصناف الولائم وأنواع الأغذية وأول ما يقدم للضيف الترحاب الكثير مع القهوة والشاي والبخور بالعود «الطيب» ثم الوليمة المكونة من ذبائح الخرفان او الحاشي ولا غرابة في ذلك مع اصناف الاطعمة والفواكه واللبن والمرطبات اكراماً لا بذخاً.
3- حسن الجوار:
محافظة الخرمة بحكم خصائص مجتمعها والروابط والوشائج الأسرية ووجود نظام العشيرة تعتد بأنها من المحافظات السباقون أهلها في حسن جوارهم والجار هنا يقدم على القريب وقد يفوت الأخ وليمة او دعوة ولكنها لا تفوت الجار. فالعادات والتقاليد والتقارب السمح من سجايا هذا المجتمع جُبل عليه وصار سمة من سماته التي يتوارثها الآباء والأجداد والأبناء من بعدهم جيلاً بعد جيل.
4- الاحتفال بالعيدين:
لا اختلاف في شعائر العيدين من صلاة وخطبة ويَكمُن الاختلاف في العادات والتقاليد بالاحتفال بالعيد والاحتفال بالعيد في محافظة الخرمة له طعم ومذاق خاص لتركيبة المجتمع الخرماوي وحب بعضهم بعضاً وقوة روابطهم الاجتماعية ويضفي على ذلك الطبيعة الخلابة والمنتزهات الكثيرة من مزارع وجبال ذات ظل ظليل وردهات كبيرة.
كذلك الجو الصحراوي الخلاب المكتسي خضرة وجمالاً والغني بأشجار الطلح والسرح ذات الأوراق الوارفة فاينما تتجه تجد لك منظراً خلاباً ومكاناً يشدك ويقول لك الراحة النفسية والمتعة هنا. والأجمل من ذلك ما تضفيه الزيارات وتبادل التبريكات وعبارات التهاني في النفوس من محبة وتغرس الألفة وتقضي على صدأ القلوب وجفاها الذي ترسب طوال العام بين البعض نتيجة التعاملات الحياتية احياناً او ما يسببه الجاهل.. فتذوب تلك الترسبات عند العناق وقد تفيض العبرات فتغسل ما في القلوب من عوارض لا تلبث ان تنسى.
هذا بعض من خلجات القلوب وصفاء النفوس.
أما الاستعدادات قبل العيد فهي كثيرة نوجز بعضاً منها حيث تزين المنازل بتجديد بعض الدهانات وتجديد السجاجيد والكراسي وتجهز الملابس الجديدة لكافة افراد العائلة ويكون هناك استعداد كبير على الصعيد العائلي.
اما الاستعدادات الحكومية فتصل الى ذروتها بعمل الإنارات الاضافية وتنظيف الشوارع وإصلاح ملاهي الأطفال مما يحتاج منها الى اصلاح واضافة ما استجد من جديد لها.
ومن اليوم الأول تبدأ مراسم العيد بأداء الصلاة في مسجد العيد ثم يتبادل الجميع التهاني والتبريكات وتتم زيارات الأهل والأقارب والجيران والمعارف وتقام الاحتفالات والولائم وبعد ذلك يتفرغ الناس للرحلات والنزهة في الحقول والمناطق الصحراوية المحيطة في الظل الظليل والنسيم العليل والبعد عن ضجيج المدينة وصخبها.
الجانب الأدبي
في مجتمع الخرمة
الأدب موهبة تصقله التجربة وتُغذيه الثقافة وتُحليه المفردة العربية الصحية وتُقوّمه التفعيلة للشعر والتركيبة النحوية للشعر والنثر ويُضفي عليه المعنى جمالاً ليس من السهل على من لا يملك شيئاً من ذلك ان يمتطي حصانه.
والأمة العربية منذ زمن ليس بالقصير بُعدت عن لغتها العربية واتخذت لها بديلاً «اللغة المهجنة» رغم انتشار التعليم ووفرة عدد المدارس والمعاهد والجامعات. فأجزم بعدم وجود من يتكلم اللغة العربية الصحيحة في جميع تعاملاته اليومية مهما بلغ به التعلم عدا الكتابة أو القراءة في المطبوعات والكتب.
بعكس الأمة العربية السابقة التي نزل بلغتها القرآن الكريم.. فقد كان الجميع يتحدثون لغتهم الفصحى.. المتعلم وغير المتعلم فهي عندهم سجية وهي عندهم فطرة.
خير مثال لذلك ان الحريصين منهم على عدم اتقان ابنائهم اللغة العربية الصحيحة يبعثونهم الى البادية لينهلوا من مناهل اللغة العربية لدى أعراب البادية وانني ارى ان خير عزاء قيل في تردي اللغة العربية ما قاله الشاعر.
ولنا عود أحمد للأدب في محافظة الخرمة.
وأقول ان محافظة الخرمة عاشت في وسط الجزيرة العربية وطالها مثلما طال بعض المناطق من التردي في التعليم سابقاً مما اثر على تدني مستوى بروز الشعراء والأدباء باللغة العربية الفصيحة رغم كثرة شعراء اللغة الشعبية. الشعر الدارج باللهجة الدارجة ان البعض يسمي هذا الشعر بالنبطي. والبعض يُمقته ويقول انه خطر على اللغة العربية وانا اقول انه شعر موزون ومقفى ولكن الذي ينقصه من عناصر الشعر العربي الفصيح «تعريب المفردة» لان الناس يتحدثون بمفردتهم الشعبية والشاعر يدلي لهم بدلوه ودلوهم وجميع ماؤهما واحد وقد يكون من ابرز شعراء الفصحى لو تعلم اللغة العربية الصحيحة بقواعدها الصحيحة، ليس هذا مجالنا ولكن الشيء بالشيء يذكر وأقصد بالتعريب أي يكون حسب قواعد اعراب اللغة العربية وهذا ما ينقص الشاعر الشعبي وفاقد الشيء لا يعطيه. وبعد بداية التعليم الحالي والتواصل الإعلامي والاطلاع واكتساب الثروة اللغوية بدأ التوجه نحو الكتابة في الأدب والصحف اليومية والمجلات الدورية رغم ان ذلك قلّة إلا انه يبشر بالخير ويكوّن نواة ادبية مستقبلية.
ان جمال طبيعة الخرمة من امتزاج بين الحضارة والزراعة والبداوة الأصيلة حريٌّ بإعادة زمن الشعراء والأدباء الذين ترعرعوا في جنبات هذا الوادي الأخضر وتغنوا بذكرياتهم وصباهم في سهولة ووهادِة وذكروا أيام طفولتهم ومطاردة اقرانهم ورعيهم لبهمهم في الرياض الخضر تؤنسهم طيور الحجل والقطاء وتزكم أنوفهم روائح الأذ خر والخزامى وتدمي ارجلهم أشواك الشُكيعاء
مَحُق لهم ما قاله الشاعر ابن الرومي:
ولي وطن اليت الا أبيعه
والا ارى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرخ الشباب منعماً
بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال اليهمو
مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
أو كما قال الشاعر:
جيل التوباد حياك الحياء
وسقا الله هوانا ورعى
فيك ناجينا الهوى في مهده
ورعينا بهم الأهل معا
ولن نتحدث عن أدباء الخرمة حالياً حتى نُعرج على من سبقوهم، كما ذكرت آنفاً من شعراء الجاهلية والإسلام الذين عاشوا في حقب متفاوتة وذكروا الأماكن التي ترعرعوا في جنباتها من اطراف محافظة الخرمة. وهم كثر ولكن لا نستطيع في هذه العجالة الحصر ولكن للإيضاح نورد
فقد كان منهم الشاعر الجاهلي المخضرم (1)لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.
وقبيلته هي قبيلة سبيع بن عامر بن صعصعة التي عاش ويعيش افرادها في هذه المواقع وما حولها من محافظة الخرمة، انظر «جواهر الأدب، المرحوم السيد أحمد الهاشمي الجزء الثاني ص 86»، ويقال انه عمر مائة وخمساً واربعين سنة. وفد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة اخيه أربد وعامر في الطفيل فاسلم وحسن اسلامه. وقيل انه بعد اسلامه كرهه قول الشعر ولم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً حيث قال:
الحمد لله إذا لم يأتني أجلي
حتى لبست من الإسلام سربالاً
ومن قول لبيد بن ربيعة:
نحن بني أم البنين الأربعة
سيوف جن وجفان مُترعة
نحن خيار عامر بن صعصعة
الضاربون الهام تحت الخيضعه
والمطعمون الجفنة المدعدعة
مهلاً ابيت اللعن لا تأكل معه
وجاء في كتاب هذه بلادنا «الخرمة» للأستاذ عبدالله بن سعد الخبتي
قال المزني:
ايا سدرتي وادي نخيل عليكما وان لم تزارا نظرة وسلام
وانى لاهوى من هوى بعض أهله
براماً واجزاعاً بهن برام
وبرام والاجزاع التي يطل عليها من فضاء الخرمة
وقال غيلان بن ربيع متمنياً وجوده مرة اخرى بعد رحيله يشده حنيناً وشوقاً الى موطنه الذي أحبه. قال:
الأهل الى حومانة ذات عرفج
ووادي سُبيع يا عليل سبيل
ودويّه قفر كأن بها القطا
بري لها فوق الحداب يجول
وهذا عروة بن الورد ذاكراً الغريف من محافظة الخرمة، قال:
كأن خوات الرعد رززئيره
من الك يسكن الغريف بعثرا
وقال البجيلي ذاكراً مركز مروان من مراكز الخرمة، قال:
وكنتم حول مروانٍ حلولا
جميعاً أهل مأثرة ونجد
وذكر جابر الكلابي جبل كتيفه المتربع بين أطنان وكثبان عرق سبيع، قال:
ايا نخلتا وادي كتيفة حبذا
ظلالكما لو كنت يوماً انالها
هذا بعض ما قيل عن محافظة الخرمة مزارعها ووهادها ووديانها من شعراء الجاهلية والإسلام.
الهامش:
(1) الأغاني للاصفهاني ج4.
المؤرخ سعود نغيمش السبيعي
مجتمع الخرمة.. ألفة ورحمة ومحبة
في مجلس الشيخ سعود بن عجران في الغريف
النخل أمامك في كل شبر في الخرمة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.