عندما أغمض عينيه كانت محاولة هروب بائسة كبؤس تلك اللحظة التي أحس فيها أن جثته هي من سيركب تلك الطائرة وليس هو. كانت رغبة الكتابة تسيطر على جوارحه حين أمسك بالأوراق البيضاء وأخذ بتأملها، ثوانٍ امتدت به عبر الزمن مسافرا في فضاء الورق. تنبه من رحلته سريعا فاستنجد بالقلم مقربا إياه نحو الورقة دافعاً إياه نحو عناقها. كان يتمنى في تلك اللحظة عناقا ساخنا لتلك المساحة الغارقة في البياض.. وإذا بالقلم يخونه ويكتفي فقط بنقطة في كل ذلك البياض... وارتد بعدها عاجزا مرتبكا. لم يكن في تلك اللحظة مشتاقا بقدر ما كان محتاجا يعاني تلك الرغبة التي تعتريه. تدفقت الدماء مشكلة ضغطاً رهيبا على دماغه، لحظة جنون استولت عليه وشلت تفكيره ففقد فيها السيطرة على نفسه. إنها رغبة الكتابة التي كان دوما ضعيفا أمامها، وماكان يريد ان يكتب شيئا.. كان فقط يريد ان... يكتب. عندما استعرض الدوافع المتوقعة كان يريد وهما.. بحث في أحزانه وفي همومه.. بحث في ماضيه وفي حاضره .. تراءت له صور كثيرة فيها من المعاناة مايكفي لأن تكون دافعاً يطفئ من خلاله نيران تلك الرغبة. صور كثيرة كان أكثرها وضوحا... صورته منزوٍ خلف ذلك العامود في المطار.. بائس كأنما هو جثمان يرسل للسفر.. بأمر من القدر. لم يكن يعلم عندما ركض متلهفا لإنهاء إجراءات السفر قبلها بخمسة أشهر أنه كان مغرراً به. حماس صادق كان يدفعه للسفر إلى مالئة الدنيا وشاغلة الناس: أمريكا. حماس امتد عبر سنوات وها هو الحلم موشك على التحقق. لم يكن يعلم ان القدر كان يخبئ له مفترق طرق كبير في ثنايا تلك الفترة الفاصلة بين ركضه لمكتب السفر.. وبين ذهابه للمطار. ليس مجرد مفترق طرق... بل حياة جديدة كأنما هو قد ولد حديثا. ماكان يتوقع ان تلك التي مل انتظارها قد تأتي. تلك التي سأل عنها النجوم والأقمار وسأل الأكوان والأزمان عنها فلم يأته جواب. تلك التي كانت تتراءى له وهو يشرب صوت فيروز «اديش كان فيه ناس عالمفرأ تنطر ناس.. وتشتي الدني... ويحملوا شمسية.. وانا بأيام الصحو ماحدا نطرني».... تلك التي تشكلت في خياله من حيث لا يعلم.... لم يكن يفكر في (من) تكون.. بقدر ماكان يفكر في (ما) تكون. ثمانية وعشرون عاما كانت كفيلة بتدمير قوته على التحمل... تحمل ذلك الموت البطيء: الانتظار. والآن بعد ثمان وعشرين سنة تأتي... قبل ان يسافر بشهر!! تخرج له فجأة كحورية بحر.. تداهمه... تدك حصونه.. تسيطر عليه... تسلب روحه. وهاهو الآن... جسد يوشك أن يسافر... ويترك روحه... يهاجر ويترك وطنه.. وطنه الذي وجده بعد عناء غربة دامت عمرا... هاهو الآن يريد أن يودعه. كيف يستطيع أن يرسم صورة بؤسه خلف ذلك العامود. بؤسه الذي لم يستطع تحمله فجلس على الأرض مثيرا للشفقة. كيف يستطيع ان يعبر عن تلك النظرات التي كانت تقول: «لا أريد أن أسافر» بشكل بدت فيه كنظرات محكوم بالإعدام تقول: «لاأريد أن أموت»؟!! عندها عرف أن رأسه سينفجر إن استمر في انقياده وراء تلك الرغبة المدمرة التي تجبره على التفكير ب «كيف يكتب». عندما أغمض عينيه تلك اللحظة بحثاً عن الظلام... هرباً من الزحام.. أشرقت صورتك أمامه مذكرة إياه بأنه لن يستطيع الهرب من قلبه حتى لو استنجد بعقله.. وأنه لن يستطيع الهرب من بؤس الفراق والاشتياق بالتعلق بوهم الرغبة في الكتابة. عندها سمع صوت هاتفه معلنا بإلحاح عن قدوم مكالمة.. كانت هي.. وانتشله صوتها.. منها عرف لحظتها أنه يهرب منها.. إليها. قال لها: إني أموت!! لا.. بل لقد مت منذ بدأت في انتظار هذه اللحظة. شهقة.. صمت مليء بالأسى. لم يستطع معرفة الذي حصل في تلك اللحظة بالتحديد. انتباهة غريبة سيطرت عليه.. نفضة قوية ترفض الموت.... وقف.. حمل حقيبته... اتجه نزولا عن طريق السلم الكهربائي... كانت تنهداتها هي فقط مايصله عبر الهاتف الذي كان ممسكا به على أذنه بيده الأخرى... كان الصمت في تلك اللحظة هو سيد الكلام.. كان يمشي لايرى أحدا حتى وجد نفسه فجأة أمام بوابة الخروج وإذا بمسؤول الجوازات ينظر إليه بدهشة. قال لها: أنا مضطر لتركك الآن. قالت.... بل قالت دموعها: هل آن أوان الفراق؟ قال لها: بل آن أوان اللقاء.. سأعود إلى البيت.. لن أسافر.