عن الأوطان والمدن البعيدة، الصباحات التي ولّت وإشراقة الشمس، عن جلسة الشاي وصحبة الأصدقاء، عن الوحدة والحنين، عن الوجوه التي لا يعرفها وما زالت تحيطه بالدفء، قدم الفنان السوداني معتز الإمام تجربته الأخيرة التي عرضها في «قاعة مصر للفنون» في القاهرة بعنوان «راديو». كمن يروي سيرة بصرية للأصوات المنبعثة عبر الأثير، يرسم الإمام أعماله المسكونة بالتوتر والهدوء معاً. يتتبّع أثر الأصوات في سكونها وصخبها، في اتساقها وفوضويتها، من الرسم بالأبيض والأسود إلى ضجيج اللون وزهوته، من المشاهد الرحبة والمنفتحة على الطبيعة إلى تفاصيل الأشياء داخل حجرته أو محترَفه بالقاهرة. بين المساحات البانورامية الكبيرة ومساحات أخرى أقل حجماً، تتوزع حكاياته الملوّنة التي يجمع بينها صوت الراديو. فهو القاسم المشترك بين كل هذه الأعمال المعروضة، كما يقول. هو الرفيق الدائم الذي يؤنس وحدته في ليالي القاهرة، تحيله الأصوات المنبعثة من خلاله إلى صور بصرية شتى لا يستطيع أحياناً وضع تفسير لها سوى أنها خليط من الذكريات والمشاعر والملامح الحميمة. مزيج من الحنين والألفة والشعور بالوحشة والمؤانسة. الألوان وتراكمات الصور المرسومة على مساحات اللوحات ما هي سوى ترجمة بصرية أو انعكاس ما للأصوات المنبعثة من ذلك الجهاز العابر للمسافات، كما يقول الإمام. هو يحاول بشكل ما عبر معالجاته البصرية فكّ شيفرة المخزون اللامتناهي من تلك الصور البصرية والذكريات الحميمة التي يحملها في مخيلته. قد لا تجد الأصوات المنبعثة من جهاز الراديو لديه أحياناً ما يقابلها من صور محفورة في الذاكرة، فيصيغ هو المقابل البصري لها. والأكيد أن ثمة علاقة ما بين الكلمة المسموعة والصورة المتخيلة في تلك التجربة. الكلمة المسموعة هنا هي مبعث المخيلة ومفتاحها وسر تدفقها واندفاعها. تفسح الأصوات طريقاً للصور، فتتداعى شيئاً فشيئاً وترتسم خطوطاً وألواناً مبهجة ومساحات متداخلة وعناصر شتى. يقرر الإمام أن يقتنص اللحظة، أن يوقف ذلك التداعي، يترك مساحة لأفكاره ما بين العين التي تسمع والأذن التي ترى وتحاكي الأشياء من منظورها الخاص... قد يأخذك الحديث إلى وضع تفسير لما حدث، غير أن المشهد يفرض عليك هنا قانونه الخاص بين هدوء الصورة وعشوائيتها، اتساق الأصوات وصخبها، توتر الموسيقى ووهجها المنبعث عبر الأثير. هي تجربة تحمل كماً من التباينات والتناقضات والعناصر الكثيرة التي ترتبط بشكل أو بآخر بالفنان معتز الإمام، ذلك المهاجر الأسمر التائه في دروب القاهرة وشوارعها، فأعماله أشبه بمساحة كبيرة للبوح، يودعها بين المساحات، بين تفاصيل المكان وأشيائه القريبة، علب التبغ وأكواب الشاي، الوجوه التي لا يعرفها وتؤنس وحدته. في هذا الفضاء الشاسع الذي يسكن مساحاته المرسومة، ثمة بشر يتحركون ويمرحون ويتألمون، وشموس تغيب وأقمار، وثمة ذكريات تشكل ملامح تجربته على نحو ما. ترك الإمام لمخيلته العنان، كي تبحر مع الصوت وتتأرجح مع الكلمة والموسيقى، لتخرج كل هذه التباينات والعلاقات من بين يديه متأثرة بصوت الراديو، محاولاً طرح تصوراته حول العلاقة العضوية ما بين الصوت والصورة. الصوت كمحفّز للمخيلة، والصورة كانعكاس وكطرح بصري لا ينقصه الصوت أو الموسيقى. يقول الإمام: «بما أن الصورة هي محور بحثي وعملي، وجمالياتها هي شغلي الشاغل وعلاقاتها الفلسفية والمعرفية وتراكيبها المعقدة والبسيطة الواضحة والمبطنة وتأثيرها وصناعتها هي تخصصي، أقدّم هذا البحث الجمالي في «الصورة المتخيَّلة للمادة الإذاعية المسموعة»، وهي محور أعمال هذا المعرض ومحاولة لتقديم إذاعة بصرية أو رؤية أخرى أكثر وضوحاً لما بُث عبر إذاعات مختلفة في أوقات مختلفة». معتز الإمام هو فنان تشكيلي سوداني يقيم ويعمل في القاهرة، من مواليد مدينة كسلا في شرق السودان. درس وتخرج في كلية الفنون الجميلة في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في الخرطوم، وشارك في كثير من ورش العمل والمعارض في دول عدة.