بات التوافق بين حلفاء الحكم المصري الموقت على خريطة الطريق التي وضعها الجيش بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي مهدداً، مع ظهور خلافات واسعة في شأن التعديلات على الدستور المعطل التي دخلت مراحلها النهائية، فيما تصاعدت مطالب باختصار المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات الرئاسية بالتزامن مع التشريعيات التي يفترض أن تعقب الاستفتاء على الدستور. وفي وقت يجري الاستعداد على قدم وساق لإعلان تشكيل لجنة «الحوار المجتمعي» المعروفة باسم «لجنة الخمسين» لضمها 50 شخصية من مختلف التيارات السياسية والمجتمعية، ستعكف على وضع الصياغة النهائية للدستور، أثير جدل واسع في شأن مسودة أولية للتعديلات أعلنتها الأحد الماضي اللجنة القانونية التي شُكلت قبل شهر. وفي حين ركزت القوى الليبرالية واليسارية المنضوية في «جبهة الإنقاذ الوطني» جهدها على إبراز «عيوب ومساوئ» النظام الفردي الذي اعتمدته مسوّدة الدستور لإجراء الانتخابات النيابية، أولى حزب «النور» السلفي، وهو الممثل الوحيد للتيار الإسلامي في اللجنة بعد رفض آخرين، اهتمامه للمواد التي يطلق عليها «مواد الهوية الإسلامية»، خصوصاً المادة الرقم 219 التي تتبنى تفسيراً مثيراً للجدل لمبادئ الشريعة الإسلامية التي يعتمدها الدستور في مادته الثانية باعتبارها «المصدر الرئيس للتشريع». وفي مقابل مواقف «جبهة الإنقاذ» و «النور» اللذين دعما عزل مرسي وخريطة الطريق، سعى «تحالف دعم الشرعية» المؤيد لمرسي والذي تقوده جماعة «الإخوان المسلمين» إلى استغلال الاعتراضات على المسودة المقترحة للدستور في زيادة زخم تحركاته في الشارع، ورأى أنها «تصب في مصلحة استعادة نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك». ويفترض أن تبدأ «لجنة الخمسين» عملها الأسبوع المقبل، بعد أن تعلن الرئاسة تشكيلها «خلال ساعات»، على أن تنتهي من عملها خلال شهرين أي مطلع كانون الأول (ديسمبر) المقبل. وينص الإعلان الدستوري الحاكم للمرحلة الانتقالية على أن يعرض الرئيس الموقت مشروع الدستور خلال شهر على الاستفتاء، لتبدأ بعدها الاستحقاقات الانتخابية بإجراء التشريعات خلال شهرين من إقرار الدستور وبدء إجراءات الرئاسيات بعد أسبوع من انعقاد البرلمان. وتعهد رئيس الحكومة حازم الببلاوي «إعداد دستور يعبر عن تطلعات الشعب». وأكد خلال استقباله سفير اليابان في القاهرة أمس أنه «رغم الصعوبات التي واجهتها مصر خلال الفترة الماضية إلا أن الحكومة والشعب المصري ماضيان في طريق تكريس قيم الديموقراطية التعددية وفق بنود خريطة المستقبل التي وضعتها قوى الشعب، وستشهد الفترة المقبلة إعداد دستور للبلاد يعبر عن تطلعات الشعب بكامله وليس عن فصيل أو اتجاه معين». وأفيد بأن حزب «النور» رشح نائب رئيسه بسام الزرقا والعضو السابق في الجمعية التأسيسية محمد سعد الأزهري لتمثيله في «لجنة الخمسين»، وقدم مرشحاً احتياطياً ثالثاً هو محمد إبراهيم منصور عضو مجلس إدارة جماعة «الدعوة السلفية». وسبب قبول «النور» المشاركة في اللجنة انقساماً في صفوف الحزب، إذ أعلن أمس القيادي فيه المستشار الرئاسي السابق خالد علم الدين تجميد عضويته. وكشفت «جبهة 30 يونيو» قائمة ترشيحاتها التي تضم القياديين في حملة «تمرد» محمد عبدالعزيز ومحمود بدر، إضافة إلى تامر جمعة وعمرو صلاح وحسام مؤنس، فيما رفض حزب «مصر القوية» الذي يقوده القيادي السابق في «الإخوان» عبدالمنعم أبو الفتوح المشاركة في اللجنة، عازياً قراره إلى أن «كتابة أي دستور لا يمكن أن تتم في ظل بيئة سياسية غير توافقية وتحت تهديد الإجراءات الاستثنائية والقمعية». وقال «مصر القوية» في بيان أمس، إن «كتابة الدساتير يجب أن تكون في بيئة سياسية واجتماعية مستقرة حتى نصل إلى حد أدنى من التوافق، وهو ما لا يمكن تحقيقه الآن في ظل بيئة معبأة بالكراهية والثأر وشق مجتمعي واضح بعد أن سالت دماء المصريين». ورأى أن «لجنة العشرة (القانونية) عملت في إطار من السرية وغياب الشفافية، فلا يعلم أحد إلى من استمعت ولماذا اختارت موادّ وسكتت عن أخرى، مع العلم أن اللجان القانونية لصياغة الدساتير في العالم هي في الأصل لجان استماع وصياغة». وأشار إلى أن «المعايير المعلنة انتقلت من التقسيم السياسي الحزبي الكامل الذي كان مداناً في تشكيل الجمعية التأسيسية السابقة إلى التقليل الكبير من السياسيين باختيار ستة حزبيين من أصل خمسين عضواً، والأصل في كتابة الدساتير أن يضع السياسيون رؤيتهم بالمشاركة مع قوى المجتمع الحية بما يحفظ توازن المجتمع». ولفت إلى أن «المعايير اختارت تمثيل كيانات بعينها لا تعبر إلا عن مجموعات قليلة العدد وكيانات متطابقة إلى حد كبير مع الإصرار على تقسيم الأحزاب على أساس قاعدة «إسلامي/مدني»، وهو التقسيم الذي أضر مصر طوال العامين الماضيين». واعتبر أن ما يجري «تكرار لنفس أخطاء دستور 2012». وطالب حزب «الدستور» الذي يقوده نائب الرئيس المستقيل محمد البرادعي الحكومة الانتقالية بعقد حوار موسع مع القوى السياسية والاختصاصيين للبحث في أنسب نظام انتخابي لمصر. ودعا في بيان إلى «اعتماد نظام القائمة النسبية، بناء على دراسة مبدئية، مع تصغير مساحة الدوائر لتحسين قدرة البرلمان المقبل على التعبير عن مختلف توجهات الشعب المصري، وتجنب إهدار أصوات الناخبين الذي يعاني منه النظام الفردي». وأشار إلى أن «استخدام نظام القائمة سيساعد على بناء عملية ديموقراطية حقيقية تقوم على أحزاب قوية تتنافس في برامجها وحلولها لتحقيق التقدم والتنمية العادلة، بعيداً من الفساد وتحكم رأس المال والعصبيات». وقال إن رفضه للنظام الفردي «جاء من أجل الوصول إلى برلمان يعبر عن كل المصريين، وتحقيق انتخابات لا تهدر 70 في المئة من أصوات الناخبين، وبناء نظام سياسي حقيقي يقوم على أحزاب قوية تتنافس في برامجها والحلول التي تقدمها للوصول إلى تنمية شاملة وعادلة، وتشكيل برلمان لا يتحكم فيه رأس المال والعصبيات». في المقابل، اعتبر «تحالف دعم الشرعية» بقيادة «الإخوان» أن التعديلات المتوقعة «تصب باتجاه استعادة نظام مبارك». وقال في بيان: «فتحت التعديلات الباب لإعادة النظام الرئاسي الذي أنتج لنا فراعين مختلفة حكمونا عقوداً طويلة وكان آخرهم الرئيس المخلوع مبارك. ولعل أهم ما جاء في هذه التعديلات هو وضع القوات المسلحة فوق الدستور عندما جعل اختيار وزير الدفاع حقاً أصيلاً وفريداً للمجلس العسكري، وهو ما يناقض فكرة الدولة المدنية، كما ميّز السلطة القضائية وأخرجها من رقابة الدولة بجعل ميزانيتها رقماً وحيداً لتصبح مع الجيش جزراً منعزلة فوق الدولة وفوق الدستور». ورأى أن «هذه التعديلات جاءت لتستكمل محاولات إعادة عقارب الساعة للوراء بتعديل 32 مادة، معظمها يقضي على دور الدولة في حماية قيم المجتمع المصري وآدابه وخصائصه، والذي يريد الانقلاب أن يحوله إلى مجتمع فوضوي لا يعتد بقيم ولا يعترف بأخلاق، في تحدٍّ للطبيعة المتدينة للشعب المصري من خلال إلغاء المادة التي تجرم سب وإهانة الأنبياء والرسل، فضلاً عن إلغاء المادة 219 لفتح الباب أمام ملل شاذة تحت اسم الإسلام». ووصف هذه التعديلات بأنها «حرب على هوية الدولة المصرية التي أراد ثوار يناير أن يجعلوها دولة مدنية ديموقراطية حديثة تقوم على العدل والمساواة، فجاء الانقلاب ليعيدها خطوات هائلة نحو عقود لفظها الشعب المصري على مر تاريخه». ودعا «جماهير الشعب المصري» إلى «أن يواصلوا تصدّيهم لمحاولات تشويه هوية الشعب والقضاء على قيمه وأخلاقه، ووأد حلمه في الحرية والديموقراطية وأن يستمر في فعالياته الرافضة للانقلاب العسكري بكل الأشكال السلمية التي بدأنا بها ثورتنا ومازلنا مستمرين عليها رغم القتل والحرق والترويع والاعتقال الذي تعرضنا له». إلى ذلك، هاجمت قوى مجتمعية المسودة لأسباب مختلفة، فانتقدت نقابة الصحافيين تجاهل اقتراحاتها بالنص على منع مصادرة وغلق الصحف، فيما رفضت نقابات عمالية إلغاء حصة العمال والفلاحين (50 في المئة) في البرلمان. ولحقت هيئة قضايا الدولة بالناقمين على مسودة الدستور بعدما أبدت اعتراضها على تقليص صلاحياتها. وأعلنت نقابة الصحافيين رفضها تجاهل مسودة الدستور كل التعديلات التي قدمتها النقابة في ما يخص الصحافة والإعلام. وقال نقيب الصحافيين ضياء رشوان في مؤتمر صحافي إن «اللجنة تجاهلت المطالبات الدائمة للجماعة الصحافية وفي مقدمها النصوص الخاصة بمنع مصادرة وغلق الصحف بأي طريقة والنص صراحة على إلغاء العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر». وأضاف أن «التعديلات الجديدة جاءت لتصر على دسترة مصادرة الصحف وإغلاقها، كما تم استخدام عبارات مطاطة في نص المادة الخاصة بحرية الصحافة، بما يفتح الباب أمام النيل منها أو تقويضها». وأوضح أن اللجنة «تجاهلت اقتراحات النقابة الخاصة بحق الصحافي في الحصول على المعلومات ووضعت نصاً فضفاضاً ترك تحديد حق الحصول على المعلومات للقانون، كما تجاهلت النص صراحة على كون الصحافة سلطة رابعة واقتراح وضع كل النصوص التي تتعلق بالصحافة والإعلام في باب الحريات». ولفت إلى رفض النقابة «المنهج الذي تمت به صياغة الدستور وتجاهله للكثير من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية كطريق لإقرار العدالة الاجتماعية باعتبارها أحد المطالب الرئيسة لثورة 25 يناير 2011 وموجتها الثورية الثانية في 30 حزيران (يونيو) الماضي». استنكار هجوم أردوغان على شيخ الأزهر من جهة أخرى، استنكرت الرئاسة المصرية ورئاسة الوزراء أمس هجوم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على شيخ الأزهر أحمد الطيب، كما أعربت الكنائس المصرية عن رفضها للإساءة إلى الطيب، ورفضت وزارة الخارجية طلباً من السفارة التركية لزيادة عدد ديبلوماسييها في القاهرة. وطالب رئيس الحكومة المصرية حازم الببلاوي ب «عدم المساس بالرموز الدينية مثل الإمام الأكبر شيخ الأزهر، لما يمثله لمصر والعالم العربي والإسلامي من قيمة كبيرة». وقال إن «الأزهر من أكبر المؤسسات الإسلامية في العالم التي تعمل على نشر الدين الإسلامي الصحيح وتعاليمه السمحة». وأضاف أن شيخ الأزهر «قام بدور وطني من خلال بذل كثير من الجهد لما فيه خير مصر والأمة الإسلامية، وكذلك الدعوة إلى الاستماع إلى صوت العقل والحكمة والوسطية والبعد عن الفرقة والتحزب». وانتقد المستشار الإعلامي للرئيس أحمد المسلماني رئيس الوزراء التركي، قائلاً انه «محدود الثقافة الدينية». وأضاف أن «الجهل التام من جانب أردوغان بمقام الأزهر كان مفاجئاً». وخاطبه قائلاً: «عليك بالصمت... لدينا الكثير مما يمكن أن يقال». وأجرى بطريرك الأقباط في مصر البابا تواضروس الثاني اتصالاً هاتفياً بالطيب، عَبّر خلاله عن «تقديره ورفض أي إساءة إليه». وأعلن «رفضه الشديد وأسفه على التطاول من قبل رئيس وزراء تركيا على أحد الرموز الوطنية المخلصة وصمام الأمان في مصر». ورفض البابا أيضًا «التدخل الخارجي في شؤون مصر الداخلية». وقال إن «كلاًّ من الأزهر والكنيسة لا يريدان التدخل في السياسة، لكن عندما جاءت ثورة 30 حزيران (يونيو) العظيمة، كان لا بد للأزهر والكنيسة من أن يساندا الشعب المصري والجيش والشرطة، وهذا دفع كثيرين من الخارج إلى أن يتطاولوا عليهما. لكن هيهات هيهات أن تتأثر رموزنا الدينية والوطنية بكل هذه التطاولات ونحن نريد أن نذكر الجميع بالخير دائماً، وننكر دائماً الإساءة والتطاول على رموزنا الوطنية والدينية».