"البيئة": إمدادات المياه في المملكة تتجاوز 16 مليون م3 يوميًا.. الأكبر عالميًا في الإنتاج    ليفربول يكسر عقدة كريستال بالاس ويقفز للمربع الذهبي    ضبط شخص في مكة لترويجه (1200) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي    حرم أمير الرياض تطلع على عرض مرئي لمبادرات "نادي سيدات الفكر" وتُشيد بأهدافه الثقافية    محمد العجلان: رؤية 2030 أعادت صياغة "الهوية الاقتصادية" للمملكة    سهام الخليج تصيب الذهب    آل هيازع: عقدٌ من الرؤية... وطنٌ يتحدث بلغة العلم ويصنع الإنجاز    تعليم الطائف يختتم مشاركته في مهرجان الورد ب8 آلاف زائر    مسابقة خادم الحرمين لحفظ القرآن والسنة بأفريقيا تواصل أعمالها في داكار    مركز صحي ضليع رشيد بأبانات يحصل على اعتماد «سباهي»    بيت الثقافة يستضيف أمسية بعنوان "الكلمة والرأي.. الانتشار أم التأثير" ويبحث تحولات الخطاب الإعلامي    أبو النصر البدراني يكتب.. قمة القارة الصفراء: الأهلي السعودي يواجه ماتشيدا زيلفيا في نهائي "النخبة"    الداخلية : ضبط (12192) مخالفًا لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    بعد عرض الأهلي المغري.. نجم باريس سان جيرمان يرفض حسم مستقبله مبكراً    البديوي يدين الهجمات الغادرة التي استهدفت مراكز حدودية في دولة الكويت    جامعة الأمير مقرن تدشنّ أول خادم للحوسبة عالية الأداء لدعم الذكاء الاصطناعي    المملكة تمكّن الفئات الأشد احتياجًا والمعاقين في قطاع غزة اقتصادياً    المملكة توزّع (800) سلة غذائية و(500) بطانية في سوريا    الفتح يكسب الخليج بهدف في دوري روشن للمحترفين    الريال يتعادل مع بيتيس ويُقرب برشلونة من لقب الدوري الإسباني    نادي الترجي يتوّج بطلاً للنسخة الرابعة من دوري الدرجة الأولى للسيدات    جوجل تستثمر 40 مليار دولار إضافية في «أنثروبيك» المنافسة ل «أوبن إيه آي»    سعود عبدالحميد يصنع هدفاً في انتفاضة مثيرة للانس أمام بريست    أمير جازان يستقبل المدير العام للتعليم بالمنطقة    جمعية الأدب المهنية عبر سفرائها بالزلفي تحتفي باليوم العالمي للكتاب بورشة " القارئ الماهر "    رئيس أوكرانيا يغادر جدة    وصول التوأم الملتصق المغربي «سجى وضحى» إلى الرياض    النماص تحتفي بالقراءة العالمية في فعالية ثقافية    السديس: الحج شعيرة عظيمة والأمن في الحرم راسخ إلى يوم القيامة    الثبيتي: اختلاف المقاصد يصنع الفارق في السعي    المملكة والتراث غير المادي    «الزبيب».. أصالة التاريخ وروح البركة    ترميز الأصول والصفقات اللحظية يقضيان على اقتصاد الظل بالعقار    مجلس النيابة العامة يقر العمل عن بعد ويوافق على تعيينات وتنظيم قواعد النقل والندب والإعارة    القوات المسلحة السودانية تنفذ ضربات نوعية خلال 72 ساعة في 4 محاور    ميقات "ذي الحليفة" يستقبل طلائع الحجاج بعد إعادة تطويره    الهيئة السعودية للمياه تصدر قرارين بمخالفة أحكام نظام المياه وتفرض غرامات بإجمالي 130,000ريال    أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة    نائب أمير عسير يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    موسم البرق الأحمر يقترب مع تزايد العواصف الرعدية    أمير منطقة جازان يستقبل الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للقهوة    أمير منطقة جازان يضع حجر الأساس لمركز أمراض الدم الوراثية    انفاذا لتوجيهات القيادة.. بدء عملية فصل التوأم الملتصق الفلبيني كليا وموريس آن    وسط ترتيبات لمحادثات واشنطن.. عون: بيروت تتحرك لتمديد الهدنة مع إسرائيل    موجز    أمير الرياض يرعى حفل تخريج الدفعة ال17 من طلاب جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز    بمشاركة 100 متسابق يمثلون 53 دولة أفريقية.. خادم الحرمين يوافق على إقامة مسابقة القرآن بالسنغال    أحمد العوضي يستعد لسباق رمضان ب«سلطان الديب»    وزير الدفاع ونظيره الإيطالي يستعرضان تطوير الشراكة العسكرية    رئيس الاتحاد السويسري يصل إلى جدة    صندوق جديد ل «السيادي» و«ستيت ستريت».. تعزيز الاستثمارات الدولية في الأسهم السعودية    إطلاق الخطة التشغيلية.. رئاسة الحرمين: توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الحجاج    وصول أولى رحلات «طريق مكة» إلى المدينة المنورة    مركز الملك سلمان يوزع سلالاً غذائية ب 3 دول.. اتفاقية لتمكين النازحين واللاجئين في النيجر    الوثائق لها قوة الإثبات وتعد سنداً تنفيذياً.. العدل: لا يمكن التراجع عن الوقف بعد قبول طلب توثيقه    (بيئة مكة) تعزز المسؤولية الاجتماعية    مستشار رئيس الشورى الإيراني: تمديد وقف النار مناورة أمريكية لكسب الوقت    أدان الاعتداءات الآثمة.. الأمين العام للجامعة العربية: تصورات إيران عن التحكم في الخليج و«هرمز» باطلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسألة التوحيد والتسامح في سجالات معاصرة
نشر في الحياة يوم 16 - 08 - 2013

لم تشغل قضية الفكر الألماني المعاصر في السنوات الأخيرة كما شغلته القضية الدينية، أو ما أصبح يعرف بعودة الديني.
فعلاوة على الحوار الشهير الذي جمع بين البابا السابق والفيلسوف يورغن هابرماس، وعلى كتابات عالم اللاهوت السويسري هانس كونغ المثيرة للجدل، والكتب المختلفة حول الإسلام، وتلك التي صدرت حول ما بات يعرف بالمجتمع ما بعد العلماني، إضافة إلى النقاش حول الهوية الدينية والثقافية لأوروبا، يمثل الجدل العلمي وغير العلمي الدائر ومنذ سنوات حول الديانات التوحيدية، والذي شارك فيه مفكرون ألمان من مختلف التخصصات، الأبرز في هذا السياق.
وهو جدل يتمحور حول سؤال عما إذا كان العنف جزءاً لا يتجزأ من الديانات التوحيدية. لقد مثّل كتاب عالم المصريات الشهير يان آسمان «موسى المصري» محور هذا الجدل، وخصوصاً مفهومه «التمييز الموسوي»، ويعني بذلك تمييز الديانات التوحيدية بين العقيدة الصحيحة والخاطئة. إن آسمان يؤكد أن تاريخ البشرية مليء بالعنف، وأن الأمر لا يرتبط بالتوحيد، لكن وعلى رغم أن الديانات التوحيدية تجاوزت طقوس التضحية بالبشر، والتي كانت منتشرة لدى اليونان والرومان والفرس وحضارات وثقافات أخرى، إلا أنها أسّست برأيه لنوع جديد من العنف، وهو ما يسميه ب «عنف الإله الواحد». غير أنه يستدرك ويصف هذا العنف بالإمكانية وليس بالضرورة، وهي إمكانية ترتبط بذلك التمييز بين الخطأ والصواب، والصواب يجبّ بالضرورة الخطأ والاعتقاد بإله واحد، يتضمن رفضاً للآلهة الأخرى. إننا برأيه أمام حقيقة تؤسس لأورثوذكسية تحدّد لأتباعها طريقة حياتهم ومماتهم، عبر عنف يتوجه خصوصاً إلى داخل الجماعة.
لا تقدم لنا أطروحة يان آسمان جديداً، فهي لا تختلف كثيراً عما كتبه فلاسفة التنوير ومن بعدهم شوبنهاور ونيتشه عن الديانات التوحيدية. بل يمكننا أن نقول أيضاً إن آسمان يبالغ حين يعمّم اللحظة الموسوية على كل اليهودية ومنها على الديانات التوحيدية كلّها. فحتى في ما يتعلق بقراءته لتلك اللحظة، يمكننا أن نعترض ونقول بأنه يصعب حصر النص الديني في تأويل نهائي. فقراءة هرمان كوهين ومارتين بوبر وليفيناس لتلك اللحظة نفسها، تذهب في اتجاه مناقض، وتؤسس لما يمكن أن نسميه ب «أخلاقيات الضعف»، كما أنه من الصعب الحديث عن حقيقة وخطأ داخل الأديان، لأن الإله التوحيدي منزّه عن الحقيقة نفسها، ولأن الخطأ أو الخطيئة جزء لا يتجزأ من الحقيقة الدينية، بل الطريق لمعرفة تلك الحقيقة كما يقول بن ميمون. لكن لنتابع قراءة موقف آسمان. إنه يرى بأنه داخل الأديان السابقة على التوحيد، لم يكن الإنسان مرغماً على اتخاذ قرار بالوقوف مع هذا ضد ذاك. معتبراً أن الصيغة التوحيدية تتلخصّ في «إمّا وإمّا»، منافحاً عن صيغة بديلة هي صيغة «هذا وذاك»، وهو لا يعني بها البتة إمكانية أن أكون، مثلاً، مسلماً ومسيحياً في آن، ولكن أن أمارس ديني وفي الآن نفسه أعترف بحقيقة الأديان الأخرى، أو ما يمكن أن نسميه أيضاً باقتسام الحقيقة مع الآخرين. فالمشكلة لا تكمن مع ذلك، برأي آسمان، في الاعتقاد بإله واحد، ولكن في الاعتقاد بحقيقة واحدة، نزلت على شعب مختار، وتمتلك صلاحية كونية. انتقد عالم اللاهوت رولف شيدر لغة آسمان ومفاهيمه المركزية التي أسقطها على سفر الخروج، معتبراً أن النبي موسى لم يقاتل ضد ديانات أخرى بقدر ما سعى لتأسيس دين جديد، كما أنه لم يهدف للتمييز بين الحقيقة والخطأ، بل بين الحرية والعبودية.
وصف شيدر نقد آسمان للتوحيد بالرومانسية الدينية، التي تدافع عن تعدد الآلهة، زاعمة أن ذلك التعدد مصدر للتسامح. أما عالم الاجتماع برنهارد غيزن، فيرى بأن منطق التوحيد لم يقض البتة على التعدد، بل يمكن القول إننا نعيش جدلاً بين المنطقين داخل المجتمع الحديث، فهناك ترجمات كثيرة للتعدد داخل المجتمع، كتعدد اللغات والثقافات والمعتقدات الدينية، كما أن هناك وجوهاً عديدة للتوحيد، كالأديان التبشيرية والتنوير ذي النزعة الكونية والعولمة إلخ... مؤكداً أن منطق التوحيد لا يمكنه أن يرى في الآخر، المختلف، سوى عدوّاً، يتوجب إبعاده عن الجماعة، فقيم الأخوة لا تسري عليه. وهو يرى أن التسامح يكمن في قدرتي على تحمّل وجود معتقدات أخرى إلى جانب معتقدي، والتسامح لا يطالبنا فقط باحترام المعتقدات الأخرى، ولكن أيضاً بالقدرة على الشك بمعتقدنا. ولا يتعلق الأمر هنا سوى بإمكانية الشك وليس بالتنازل عن المعتقد، فوحده من يمتلك معتقداً، يمكنه، برأي غيزن، أن يكون متسامحاً مع الآخرين. أما الفيلسوف سلوتردايك، فهو يتحدث عما يسميه بالفوبوكراتيا، أو سلطة الخوف داخل التوحيد، مؤكداً أن الديانات التوحيدية تطالب البشر ب «العضوية الكلية»، وهو أمر لم تتنازل عنه هذه الأديان أو بعضها على الأقل، إلا مع صدمة الحداثة، ما حرّر هذه الأديان أيضاً، ودفعها للاهتمام بقضيتها الأولى، ألا وهي وجود الإنسان على هذه الأرض، وهو ما نتج منه أيضاً تحرّر للإنسان من منطق «العضوية الكليّة»، ليصبح في لغة فيلسوف ألماني آخر، هو أودو ماركفارد، «مواطناً في عوالم مختلفة».
* كاتب مغربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.