معرض بيلدكس يكرم تندرنس كافيه لرعايته الفضية ومساهمته في إنجاح المعرض    القيادة تهنئ رئيس السنغال بذكرى الاستقلال    عبدالله الحمدان: رحيلي عن الهلال "خير".. وتعويض رونالدو مهمة صعبة    "احتواء اليوم.. تمكين الغد" يعود مستهدفًا 300 ألف مستفيد لنشر الوعي بالتوحد    الإصابات والإيقاف تضرب صفوف الأهلي قبل مواجهة ضمك في دوري روشن    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تقبض على مخالف لنظام أمن الحدود لتهريبه (9) كيلو جرامات من نبات القات المخدر    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    "حزام المملكة" تختتم منافساتها وتتويج أبطال 20 وزنا بالرياض    ضبط 14 ألف مخالف لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    المدينة المنورة تستضيف المؤتمر الدولي الثالث للفنون والتصاميم    توقّعات بهطول أمطار متوسطة على أجزاء من الرياض    مصرع 8 أشخاص إثر زلزال ضرب أفغانستان    وفاة شخص وإصابة 4 آخرين جراء سقوط شظايا في الإمارات    القصيبي: نجدد في «مسام» التزامنا بالعمل على تحقيق رسالتنا "حياة بلا ألغام"    "فريق السعودية" ينقل نهائي كأس النخبة للطائرة    الخليج يحسم لقب الدوري السعودي الممتاز لليد قبل 3 جولات    صحفيو الطائف يحتفون بالعيد في جو الورد    الاتحاد يكسب الحزم بهدف في دوري روشن للمحترفين    دراسة: مادتان ترتبطان بولادات مبكرة ووفاة آلاف المواليد    القيادات الشابة السعودية وصناعة المستقبل    وزارة الحج: ضيوف الرحمن المنتهية تأشيراتهم 8 رمضان يمكنهم المغادرة قبل 18 أبريل    آل دلمه يحتفلون بزواج الشابين "ناصر و خالد"    ضمن تعزيز الجاهزية.. الهلال الأحمر يدرّب منسوبي أمانة نجران عبر (الثمان الأولى)    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    خادم الحرمين الشريفين يأمر بترقية وتعيين 218 قاضيا بوزارة العدل    خطبة الجمعة من المسجد النبوي الشريف    مع دخول الصيف.. ظهور "الكباث" على الطرقات وفي مواقع انتشار الأراك بجازان    خطبة الجمعة من المسجد الحرام    إقبال متزايد على معرض "بيدلكس" في يومه الثاني بمشاركة أكثر من 150 عارضًا    نجم شاعر المليون سعد عمر يشعل أمسيات جدة بشعر نبطي أصيل وإبداع معاصر    إمارة نجران تنظم ورشة عمل لاستراتيجيتها    هيئة الصحفيين بالطائف تحتفي بعيد الفطر بحضور إعلامي وبرعاية "جو الورد    الذهب يستقر مع عطلة الأسواق وترقب عودة الزخم    انعقاد المؤتمر السنوي العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب (SANS 2026) بجدة    رئيسا كوريا وفرنسا يناقشان التعاون بشأن أزمة الشرق الأوسط    الشباب يكشف عن إصابة محترفه    تفكر وتأمل    أمين مدني.. الأدب والتاريخ    صخرة عنترة في الجواء.. الحب والمكان    جمالية الموت في نماذج من القصة السعودية القصيرة    قصة الحزام الناري تبدأ بوخز وتنتهي بمعاناة طويلة    رئيس مركز قوز الجعافرة يكرّم الزميل منصور الجعفري    الدمام تستضيف منتدى الشرقية للاستثمار الصحي 2026    أمير نجران يلتقي رئيس فرع النيابة العامة بالمنطقة    وزراء خارجية السعودية ودول عربية وإسلامية يدينون سن الاحتلال الإسرائيلي قانونا يجيز الإعدام بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية    انطلاق 4 رواد فضاء نحو القمر لأول مرة منذ نصف قرن    تأسيس محفظة بقيمة 150 مليون ريال لدعم المشروعات والعمل الصحي    وزير الدفاع يستعرض مع نظيره اليوناني التعاون العسكري    أمير الرياض يستقبل السلطان    هجمات تستهدف منشآت حيوية بالكويت والبحرين    نمو التمويل الصناعي عبر التقنية المالية    أمير الشرقية ونائبه يعزيان السهلي    الأمن البيئي يضبط 3 مخالفين للصيد البري المحظور    تأمين ناقلات نفط دون خسائر بشرية.. اعتراض عشرات الصواريخ والمسيرات الإيرانية    لينا صوفيا تنضم لأسرة فيلم «ويك إند»    أمسية للمرشد عن «الأم في الأدب»    زلزال بقوة 4.9 درجات يضرب مصر    ملابس الأطفال الرخيصة «ملوثة بالرصاص»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التراث العمراني العثماني في ألبانيا: اهتمام أوروبي ب«مفتاح الشرق»
نشر في الحياة يوم 27 - 07 - 2013

في 1919 صدر كتاب ك. داكو «ألبانيا مفتاح الشرق الأدنى» ليؤشر إلى ما كانت ألبانيا تعنيه بالنسبة إلى أوروبا الغربية (التي لا يفصلها عنها سوى البحر الأدرياتكي الصغير)، وذلك على رغم أن ألبانيا كانت أعلنت استقلالها عن الدولة العثمانية في 1912 وانضمت في عام 1920 إلى عصبة الأمم. فقد أدى الحكم العثماني الطويل الذي استمر حوالى 500 عام إلى تغيرات كبيرة ثقافية وحضارية مع اعتناق غالبية الألبان الإسلام حتى جعلت ألبانيا تبدو بالمفهوم السياسي والثقافي الحد الفاصل بين الشرق والغرب، أو «مفتاح الشرق الأدنى». وجاءت احتفالات ألبانيا خلال 2012 بالذكرى المئوية للاستقلال لتثير ما بقي من التراث العثماني في ألبانيا بعد تجربتين تحديثيتين فوقيتين هدفتا إلى التخلص من الإرث العثماني (الزغوية والخوجوية). وفي هذا السياق صدر بالصدفة في 2012 كتاب الباحث الهولندي المعروف على المستوى الأوروبي مشيل كييل «العمارة العثمانية في ألبانيا 1385 - 1912» ليعرّف الألبان إلى هذا الجانب المهم في التاريخ الثقافي لألبانيا. ويبدو أن الألبان الآن يتعرّفون في شكل أفضل إلى تاريخهم بفضل مؤلفات الباحثين الأوربيين مثل كيلالماني بيتر بارتل والمؤرخ البريطاني نويل مالكوم وغيرهم من الذين تناولوا مرحلة الحكم العثماني في شكل مختلف عن التاريخ الشائع في ألبانيا.
من هؤلاء كان كييل M.Kiel الذي انجذب إلى البلقان منذ نهاية خمسينات القرن الماضي حيث عمل في ترميم الآثار ثم عمل على إنجاز أطروحته للدكتوراه عن العمارة العثمانية في بلغاريا حتى 1983، وبعدها انتقل إلى ألبانيا المجاورة لينجز عمله المرجعي «العمارة العثمانية في ألبانيا 1385 - 1912» الذي صدر بالإنكليزية في اسطنبول عن «مركز الأبحاث للتاريخ والثقافة والفنون الإسلامية» (آرسيكا) في 1990. وبعد ذلك عمل كييل أستاذاً في جامعة أوترشت ثم مديراً لمعهد الآثار الهولندي في اسطنبول حيث أصبح مرجعاً في العمارة الإسلامية في البلقان بعد أن نشر حوالى 200 دراسة وأحد عشر كتاباً. ومع توجه «آرسيكا» لنشر إصداراتها بلغات الشوب المسلمة (العربية والبوسنوية والألبانية إلخ) فقد أصدرت في 2012 ترجمة ألبانية لكتاب كييل «العمارة العثمانية في ألبانيا 1385 - 1912»، الذي جاء في الوقت الذي كانت ألبانيا تحتفل بالذكرى المئوية لاستقلالها عن الدولة العثمانية ليبيّن للألبان ماذا يعني هذا التراث العمراني العثماني.
في كتاب كييل، الذي لا يزال المرجع الأول والأهم في هذا المجال للألبان وغير الالبان، يتعرّف القارئ إلى السياق التاريخي للتراث العثماني في ألبانيا وليس فقط إلى المنشآت العمرانية المختلفة التي بنيت خلال الحكم العثماني الطويل. وفي هذا السياق يكتشف القارئ أهمية ألبانيا بموقعها بالنسبة إلى الدولة العثمانية، حيث كانت أقرب نقطة عبور إلى أوروبا الغربية، لذلك اهتمت الدولة العثمانية ببناء القلاع والحصون والأسوار في ألبانيا التي غدت ساحة صراع بين الدولة العثمانية والبندقية. ومن ناحية أخرى يبدو هذا السياق التاريخي مهماً للقارئ الألباني الذي اعتاد على صورة سلبية للدولة العثمانية، بينما يكتشف هنا أن العثمانيين لم يأتوا إلى ألبانيا إلا بناء على طلب الأمير الألباني كارل توبيا الذي كان يحكم ألبانيا الوسطى فقط، وذلك لمساعدته في القتال ضد الأمير الصربي بالشا الثاني الذي كان يحكم ألبانيا الشمالية في موقعة فيوسا عام 1385.
مع انتصاره في هذه الموقعة اكتفى العثمانيون في البداية بإعلان خضوع الأمير توبيا للسلطان، ولكن بعد انتصارهم في معركة كوسوفا (قوصوة) المجاورة في 1389 التي أنهت الحكم الصربي هناك أيضاً استقر الحضور العثماني في المنطقة ليتحول مع بداية القرن الخامس عشر إلى حكم مباشر مع تشكيل أول كيان إداري يحمل اسم الألبان (ولاية الأرفانيد أو الأرناؤوط) التي ضمت ألبانيا الوسطى والجنوبية الحالية. ومع هذا السياق التاريخي يكتشف القرّاء، وهو مهم للألبان في شكل خاص، أن الحكم العثماني عمّر ألبانيا بمعنى أنه ساهم في بناء مدن جديدة لم تكن موجودة مثل الباسان وكورتشا وتيرانا وسرّع في بناء المدن الصغيرة التي كانت موجودة مثل جيروكاسترا وفلورا وشكودرا إلخ.
وبعد هذا المدخل التاريخي لاندراج ألبانيا تحت الحكم العثماني ينتقل كييل إلى التعريف بالمنشآت العمرانية التي بنيت خلال الحكم العثماني في ألبانيا وفق التسلسل الأبجدي، من بيرات إلى فلورا، فيعرّف بالقلاع والحصون والجوامع والجسور والخانات والتكايا في كل موقع مع الرسوم الفنية والصور المناسبة التي تبيّن ما يمثله كل أثر بالنسبة للعمارة العثمانية أو المحلية. وفي هذا الإطار يوضّح كييل أن ألبانيا باعتبارها أقصى امتداد للدولة العثمانية باتجاه الغرب لم تكن العمارة فيها عثمانية مئة في المئة مقارنة مع مقدونيا المجاورة، التي كانت أقرب إلى اسطنبول مكانة وعمارة، أي أن العمارة العثمانية في ألبانيا تطعّمت أيضاً بعناصر محلية.
وفي هذا السياق يبيّن كييل أن القرن الأول للحكم العثماني اتسم بالتركيز على المنشآت العسكرية (القلاع والحصون والأسوار إلخ) في حين أن الجوامع الأولى بنيت بسرعة وكانت كثيراً ما تقوم على كنائس بعد إجراء تغييرات بسيطة عليها، بينما اختلف الأمر مع استقرار الحكم العثماني الذي تزامن مع بناء «الجوامع السلطانية» التي تعبّر عن العمارة العثمانية الكلاسيكية (جامع السلطان محمد الثاني في الباسان وجامع السلطان بيازيد الثاني في بيرات وجامع السلطان سليمان القانوني في جيروكاسترا إلخ)، ومع انتشار الإسلام في البلاد وبروز جيل جديد من الألبان الذين تبوأوا أعلى المناصب في اسطنبول وبنوا في بلادهم مجمعات عمرانية تحوّل بعضها إلى نواة لمدن جديدة، كما هو الأمر مع إلياس بك الذي يعتبر «مؤسّس كورتشا» وسليمان باشا الذي يعتبر «مؤسّس تيرانا». ومن الطبيعي هنا، مع تحول غالبية السكان إلى الإسلام، أن تزداد الحاجة إلى الجوامع والمدارس والحمامات التي انتشرت في ألبانيا وأصبحت تجمع ما بين العمارة العثمانية الكلاسيكية والملامح المحلية.
ميّز كييل في نهاية كتابه بين ست فترات للعمارة العثمانية في ألبانيا وفق التطورات التاريخية فيها. الفترة الأولى 1417 - 1490 كانت تعبّر عن اندراج ألبانيا تحت الحكم العثماني المباشر وتتمثل في بناء القلاع والحصون والثكنات، بينما ربط الفترة الثانية ببناء إلياس بك جامعه في كورتشا خلال 1495 - 1496 الذي كان يمثل العمارة العثمانية المبكرة التي حملها صاحبها من العاصمة اسطنبول نظراً إلى أنه كان يشغل منصباً في البلاط العثماني، حيث استمرت هذه الفترة حتى 1600 باعتبارها تمثل «الأسلوب العثماني الكلاسيكي». أما الفترة الثالثة التي تمتد خلال القرن السابع عشر فهي تتزامن مع نمو المدن التي أصبحت تعبّر عن الثقافة الجديدة للمسلمين الذين أصبحوا يمثلون غالبية السكان، وتتميز بتسارع بناء الجوامع والحمامات والمدارس والخانات إلخ. وبمقارنة مع البلاد المجاورة فقد كانت الفترة الرابعة التي تمتد خلال القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر تتميز بكثرة بناء المنشآت العمرانية مع وصول الأسلمة إلى ذروتها، بينما كانت العمارة العثمانية أخذت تخبو في البلاد المجاورة. وتتميز المنشآت المبنية خلال هذه الفترة باللمسات المحلية في الإضافات والتزيينات الداخلية، كما هو الأمر مع جامع أدهم بك في تيرانا. وتختلف الفترة الخامسة التي تمتد خلال 1830 - 1912 بصفتها تمثل فترة التنظيمات أو الإصلاحات الواسعة في الدولة والتي تمثلت في العمارة ببناء الثكنات والمدارس الحديثة والمستشفيات والمباني الحكومية خلال عهد السلطان عبدالحميد في شكل خاص (1876 - 1909). ومع أن الحكم العثماني لألبانيا انتهى في 1912 إلا أن كييل يضيف هنا الفترة السادسة التي تشمل حكم الملك أحمد زوغو والاحتلال الإيطالي ألبانيا، حيث بنيت منشآت عدة حاولت أن تستلهم أو تقلد العمارة العثمانية ولكنها كانت بعيدة من ذلك.
كتاب كييل مهم للواقع لأنه لم يكتفِ بالتوقف عند الإطار الزمني الذي حدده في عنوان الكتاب (1385 - 1912) بل إنه يتتبع مصير المنشآت العمرانية العثمانية في ألبانيا خلال القرن العشرين الذي تميز بتجربتين قاسيتين للتحديث الذي يريد أن يستأصل الإرث الثقافي العثماني، ألا وهما تجربة الملك أحمد زوغو (1928 - 1939) وتجربة زعيم الحزب الشيوعي أنور خوجا (1945 - 1985). فالملك زوغو لم يراعِ قيمة «جامع الأصناف» (من القرن 17) في قلب تيرانا الذي هُدم في 1931 لإنشاء مبنى للبلدية يعطي تيرانا «منظراً أوروبياً»، بينما أطلق أنور خوجا في 1967 «الثورة الثقافية» على الطريقة الماوية التي هدمت الكثير من الجوامع التاريخية وحوّلت بعضها إلى مخازن وورش حتى إنها لم تترك في تيرانا سوى جامع واحد (جامع أدهم بك) لكي يتحول إلى متحف. وبذلك، كما يقول كييل، أراد الحكم الجديد أن يجعل من تيرانا مدينة لا علاقة لها بإرثها العثماني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.