الرجال بثوبهم الأبيض والنساء بعباءاتهن السود وحقائبهن الفاخرة. الأبناء في مدارسهم الخاصة، وكبار السن في مجالسهم يشربون القهوة العربية ويروون قصص عبورهم من سنوات الفقر الى الوفرة: هكذا يعبّر الإماراتيون في أبسط تفاصيل حياتهم عن هويتهم التي يتمسكون بها في وجه مجتمع يشكل الأجانب غالبية سكانه. والإماراتيون مضطرون في شكل دائم إلى التعايش مع كونهم يمثلون أقل من 15 في المئة من السكان في بلد هو ثاني اكبر اقتصاد عربي ويعد من الأكثر انفتاحاً في المنطقة، اجتماعياً واقتصادياً. وبين الرغبة في الانفتاح والاستفادة مما يمكن ان تقدمه العولمة والنمو الاقتصادي من جهة، والخوف من الذوبان من جهة اخرى، يختار الإماراتيون أن يتمسّكوا بالعناصر المرئيّة من ثقافتهم، وتلك التي تنتقل شفهياً عبر الأجيال في مجتمع ذي طابع قبلي وبدوي. كل شيءٍ في أسلوب حياة الإماراتي يقول من هو: الثياب، والعطر، وأسلوب الحياة، والعادات، والزواج وطقوس الأعراس، والعلاقات الاجتماعية والانتساب إلى القبيلة، فيما أضفى عنصر الثراء بعداً إضافياً على التراث، فباتت تجارة الإبل مثلاً تقدّر بمئات ملايين الدولارات ورياضة الصيد بالصقور، تمارس مع الاستعانة بأحدث التقنيات. وقال مدير التراث والثقافة في دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة عبدالعزيز المسلم: «اعتقد أن موضوع حماية الهوية كان موضوعاً عاماً ولم يكن مقرراً من الدولة أو الحكومة أو غير ذلك، ولكن كان هناك همّ عام». وأضاف: «نحن نبني دولة حديثة، وهناك صراع مع موضوعَي المدنية والحضارة وغيرهما، فهل نتغيّر مع كل هذه المتغيرات أم نبقى على أصالتنا؟ نبقى نحن محوراً وكل شيء يدور حولنا؟ هذا ما حصل بالفعل منذ أكثر من أربعين سنة... فالمحور بقي الإنسان في فعله وفي شكله». ولفت إلى أن ظاهرة تمسك الإماراتيين بهويتهم في الشكل تعاظمت في العقود الأخيرة، في موازاة تزايد اعداد الأجانب وتحوّل الإمارات إلى بلد معولم تغزوه الأبراج والطرق الحديثة ومراكز التسوق الفخمة. وقال المسلم: «وجود هذا العدد الكبير من غير الإماراتيين يدفعنا إلى التمسك بهويتنا. في فترة ما، لم يكن هذا الأمر موجوداً، ولكن بعد فترة أصبح الإماراتي يشعر أنه في ورطة في وسط هذا الحشد». وشدد على أن الإماراتي لطالما حرص على «إظهار هويّته مع عدم المساس بالآخرين»، مذكراً بأن الوافدين يتمتعون بحق ممارسة العبادة والتعليم الخاص بهم والعيش بحريّة تامة. وعناصر الهوية الإماراتية كثيرة، لكن الأهم بينها هي وفق المسلم، الملابس، وطبيعة الحياة في المنزل، لاسيما وجود المجالس، والضيافة، والقهوة والفنون الشعبية. والمجلس هو قاعة تتوسّط المنزل ويجتمع فيها الزوار مع أهل البيت من الرجال، لتبادل الأحاديث وشرب القهوة، التي تقدّم من الدلّة التقليدية مع التمور، مع العلم أن الدلّة منقوشة على الدرهم الإماراتي. وحياة المجلس ليست فولكلوراً، بل واقع معاش في شكل يومي في حياة الإماراتيين، وشيوخ الإمارات يستقبلون المواطنين من دون موعد في مجالسهم. ويحرص الإماراتيون أيضاً على الزواج من مواطنات، وقد يتّخذون زوجة ثانية من جنسية أخرى. وغالباً ما يشكل الزواج من الأجانب موضوعاً ساخناً في الإعلام المحلي. أما الفنون الشعبية والتقليدية، فأبرزها مزاينة الإبل، وهي مسابقات لجمال الإبل تصل الجوائز فيها الى ملايين الدولارات، وسباق الهجن (الإبل) والصيد بالصقور، واليولة، وهي رقصة بالبندقية الصغيرة، فضلاً عن المبارزات بالشعر النبطي. وينفق الإماراتيون الكثير من المال على هذه الفنون والتقاليد، فالجمل الفائز بالمزاينة غالباً ما يفوز صاحبه بسيارة فارهة رباعية الدفع. وقال خبير البروتوكول والإتيكيت غسان حجاج إن الكندورة (الثوب) للرجال والعباءة للنساء، تبقى من أهمّ عناصر المظهر الإماراتي، فضلاً عن العطور التي تحوي مكوّنات، كان الخليجيون يتاجرون بها تاريخياً، كالعود والعنبر والمسك وورد الطائف. وأوضح هذا الخبير المتخصّص في العطور، أن شركات عالمية باتت تصنع عطوراً خاصة بالخليجيين والإماراتيين، لتجمع بين المكونات الخاصة المطلوبة في المنطقة وخبرة صنّاع العطور، لاسيما الفرنسيين منهم. فأسماء مثل ايف سان لوران أو أرماني أو شوبار تصنع عطوراً خاصة بالخليج، فيما دُور مهمة أخرى تصنع أقمشة خاصة بالعباءات والشماغ (الكوفية) أو النعال الخاصة التي يلبسها المواطنون. لكن الهوية لا تتوقف عند الشكل والعادات بالنسبة إلى الإماراتيين، فيما تبدو طموحاتهم كمجتمع من دون حدود. وتدعو الحكومة رسمياً إلى إقامة «اقتصاد المعرفة» في البلاد، للحد من الاعتماد على الإجانب ومعالجة مشكلة «اختلال التركيبة السكانية»، فيما أطلقت مشروعاً لإرسال مسبار إلى المريخ في حدود العام 2020.