اقتحام المسجد الأقصى من قبل مستعمرين بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي    رئيس الوزراء الفلسطيني يطالب بتدخل دولي للإفراج عن الأموال المحتجزة    الأمين العام لمجلس التعاون يؤكد أهمية التكامل الاقتصادي الخليجي لمواجهة التحديات    الهريفي يمتدح محرز.. أفضل من ميسي في هذا الشىء    طريق الهلال إلى "مونديال الأندية 2029".. حسابات معقدة وفرص قائمة    خدمة جديدة تمكن المعتمرين من الاطّلاع على الكثافة في المطاف والمسعى    مُحافظ الطائف يطلق حملة السلامة لصيف 2026    رئاسة الشؤون الدينية تستقبل طلائع الحجاج في رحاب الحرمين الشريفين    مُحافظ الطائف يكرّم الفائزين في معرض جنيف الدولي للاختراعات    إم جي جياد الحديثة تعزز تبني مركبات الطاقة الجديدة في السعودية عبر اعتماد سيارات الأجرة من نوع MG 8 PHEV    ارتفاع ملحوظ في معدلات هطول الأمطار بالسعودية خلال النصف الأول من أبريل 2026م    غرفة تبوك تنظم ملتقي التعاون الصحي المجتمعي    رئيس مركز قوز الجعافرة يُسلّم وحدة سكنية لأسرة بقرية الرجيع    600 معدة 1300 شخصاً للتعامل مع (مطرية بريدة)    أمير المدينة يدشّن متحف «خير الخلق -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-»    القيادة تهنئ الرئيس نزار محمد سعيد أميدي بمناسبة انتخابه وأدائه اليمين الدستورية رئيسًا لجمهورية العراق    الوحدة يتجاوز الجبيل بثنائية نظيفة    تراجع أسعار الذهب    جمعية الثقافة والفنون بأبها تحتفي باليوم العالمي للتراث 2026م    رحيل الفنانة حياة الفهد إثر أزمة صحية    انخفاض أسعار العقار 1.6%    كيف رسم «تيفو» الأهلي «سيناريو» العودة أمام فيسيل؟    في إياب نصف نهائي كأس إيطاليا.. إنتر يطارد الثنائية.. وكومو يأمل بتحقيق المفاجأة    في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة.. شباب الأهلي الإماراتي يواجه ماتشيدا زيلفيا الياباني    بعدما صار على أعتاب ال1000.. «ماركا» تثير الجدل مجدداً حول أهداف رونالدو    أمير الرياض يرعى حفل تخرج طلاب الجامعة السعودية الإلكترونية    رئيس مجلس السيادة الانتقالي في جمهورية السودان يصل إلى جدة    حال تحققت انفراجة حقيقية في المحادثات.. ترمب مستعد للقاء قادة إيران    تنفيذ 1048 جولة رقابية في الشماسية    أمطار حائل.. غيث سخي    عاطل يقتل مسناً ويعيش مع جثته المتحللة    تخطط لاستهداف الأمن والوحدة الوطنية.. الإمارات تفكك خلية إرهابية مرتبطة بالخارج    باحث يحذر من خطر الرياح السريعة الهابطة    ترمب يحذر من «ألاعيب».. وبزشكيان يشكو «التناقض».. أزمة ثقة تعيق استئناف الحوار    تحذيرات ميدانية تهدد الهدنة.. مفاوضات لبنانية – إسرائيلية مرتقبة في واشنطن    أكاديمية طويق تفتح باب التسجيل في البرنامج الأكاديمي    سعود بن نايف: القيادة تدعم القطاع غير الربحي    واحات مكة    الأواني المنزلية القديمة في عسير.. إرث متجذر    العلوم الإنسانية ليست ترفًا.. في مواجهة إلغاء التخصصات الأدبية    وفاة    الموارد تضبط 14 مكتب استقدام مخالفاً    380.1 مليار استثمارات الأجانب    «إسلامية القصيم».. 1848 منشطًا دعوياً خلال شهر    طريق مكة    أمير القصيم يرعى حفل تخريج الدفعة السابعة عشرة من طلبة جامعة المستقبل    طفلتان حديثتا ولادة تغادران العناية المركزة بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالخرج بعد «90» يوماً من الرعاية المكثفة    أبرز الإخفاقات الطبية (6)    «إسفنجة المطبخ» .. مصدر تلوث خفي    الضغط الصحي    آل الشيخ يوجّه خطباء الجوامع بتخصيص خطبة الجمعة القادمة للحديث عن مكانة المساجد والتحذير من أذى المصلين فيها    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود بالمنطقة    ساعات على نهاية الهدنة و إسلام أباد تراهن على دبلوماسية اللحظات الأخيرة    حائل تودع أم الأيتام.. قوت القعيط    لبنان يطلق مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية غانا    أمير الرياض يشهد تخريج جامعة سطام.. ويعتمد الفائزين بجائزة فيصل بن بندر للتميز والإبداع    أمير جازان يستقبل عضو هيئة كبار العلماء د. التركي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ساراماغو يبني جدارية سردية للطبقة الكادحة
نشر في الحياة يوم 15 - 02 - 2013

صدرت أخيراً الترجمتان الفرنسية والإنكليزية لرواية الكاتب البرتغالي الكبير خوسيه ساراماغو «آثار أرضٍ» (1980). ونقول «أخيراً»، لأن هذه الرواية -خلافاً لرواياته الأخرى- لم تحظ بأي ترجمة، على رغم أهميتها القصوى، ففيها ابتكر هذا العملاق للمرة الأولى أسلوبه السردي الشهير الذي حافظ عليه في رواياته اللاحقة وحصد بفضله جائزة نوبل للآداب عام 1998.
وخصوصية هذا النص، مقارنةً بما سبقه أو لحقه من نصوص لساراماغو، هي في تشييده على شكل جدارية تاريخية واجتماعية ضخمة تنقل المتأمّل فيها إلى داخل ملكية زراعية كبيرة في البرتغال وتسمح له بمتابعة، على مدى أجيالٍ ثلاثة، قدر عائلة فقيرة تضنى في العمل على أرضٍ لا تملكها قبل أن تستيقظ تدريجاً على وضعها البائس وتبدأ بالكفاح لتحسين ظروف حياتها. عائلةٌ معدمة مثل عائلات كثيرة في الريف البرتغالي -أو في مناطق مختلفة من العالم- خلال القرن الماضي، لكنها تملك من الكرامة ما يدفعها إلى عدم طلب أي صدقة من أحد وإلى كسب قوتها القليل من عرق جبينها.
وتنفتح الرواية على مشهد رجلٍ يدعى دومينغوس مو تيمبو نجده يسير تحت المطر جارّاً أمامه عربة يتكدّس عليها أثاث بيته الفقير، تتبعه زوجته الحامل فوستينا وبين ذراعَيها طفلٌ رضيع. وبسرعة يتبيّن لنا أن دومينغوس هو إسكافي يعاني من الإدمان ولكن أيضاً من انعدام القدرة على الاستقرار في مكانٍ محدّد، فيبدأ ترحالاً من قريةٍ إلى أخرى لا ينتهي إلا بانتحاره. وفي تلك الفترة -بداية القرن العشرين- كانت البرتغال مملكةً ضعيفة لم تلبث أن انهارت ليحلّ مكانها نظامٌ جمهوري. لكن هذا التغيير لن يحسّن قدر العاملين في الملكية الزراعية المذكورة، فتحت نير رجال الإقطاع والجيش والكنيسة، سيعرفون البؤس ذاته، مع فارقٍ بسيط لكن في غاية الأهمية.
ابن دومينغوس البكر، جواو، الذي يملك عينين زرقاوين وراثة عن سلفٍ ألماني استقر في هذه المنطقة الفقيرة خلال القرن الخامس عشر، ينتمي إلى جيلٍ آخر أدرك في لحظةٍ ما الاستغلال الذي يخضع له على يد رجال الإقطاع. وعلى أثر نقل عمّال الزراعة بالقوة للمشاركة في تظاهرة فاشية على الحدود الإسبانية، تجلّى لجواو ورفاقه مدى ارتهان الطبقة الكادحة التي ينتمون إليها لأسيادها، واعتقدوا أنهم باتّحادهم سيتمكّنون من تحسين أجرهم وظروف عملهم. لكن سلاح الإضراب عن العمل الذي سيعتمدونه لم يلبث أن تحوّل ضدّهم خلال نظام سالازار الدكتاتوري، فتم قمعهم بعنف وتجويعهم.
ويجب انتظار جيل أنطونيو، ابن جواو، كي ينشط العمّال تحت شعار الاشتراكية وتبدأ عملية كفاحهم الضارية والطويلة الأمد التي ستكلّف الكثيرين منهم السجن والتعذيب والموت قبل أن يتمكّنوا في نهاية المطاف من تحقيق بعض أهداف جيل آبائهم. أما الحرية والديموقراطية، فلن ينعم بها سوى جيل حفيدة جواو، أديلاييد، مع مجيء «ثورة القرنفل» الشهيرة عام 1974.
قد يظن القارئ أن الرواية تاريخية، وهذا ليس خطأ. ففي عملية سردها، تتداخل قصص شخصياتها الكثيرة بتاريخ البرتغال الحديث ضمن تشييدٍ مكثّف وبارع وتحت عين الراوي الذي يظهر كلّي المعرفة بماضي -ومستقبل- هذه الشخصيات ويقف منذ البداية إلى جانب الضغفاء منها. وقد يقول بعضٌ آخر إن هذه القصة تم سردها عشرات المرات، وإن موضوعها عالجه كبار الكتّاب، مثل إميل زولا وجان جيونو وويليام فولمان، وهذا صحيح أيضاً. لكن ميزة هذه الرواية تكمن في النفَس الملحمي الذي يمدّها ساراماغو به، كما تكمن في تجريد معالجته لهذا الموضوع من أي مانويّة وقدرته المذهلة على الانزلاق تحت جلد شخصياته لتفهّم مشاعرها والتعبير عنها.
وفعلاً، تتمكّن جموع المضطهَدين في هذه الرواية من التكلّم عبر الكاتب، الذي يمنح تمتمتها وهمسها قوة الصراخ. وليس اعتباطياً قوله في مكانٍ ما من نصّه: «أحتفظ في ذاكرتي بعبوري للحياة»، فذاكرة ساراماغو الذي اختبر الفقر في المرحلة الأولى من عمره وتعلّم على نفسه، تعجّ بآلاف البؤساء المجهولين الذين حملوا أسماء دومينغوس وجواو وأنطونيو، ولكن أيضاً فوستينا وغريسيندا وأديلاييد، وعاشوا طوال حياتهم بظهورٍ محنية إلى التراب، من الفجر حتى الغروب.
وعلى المستوى الشكلي، تسحرنا لغة ساراماغو التي يرقى بها في هذا النص إلى حدود المعجزة؛ لغةٌ شعرية بإيقاعاتٍ فريدة، تتراوح باستمرار بين الشفوي والأدبي، وفقاً للظرف المسرود، وتتحلّى بجرأة صياغية نادرة. وتسحرنا أيضاً الحرية الكبيرة التي يتمتّع الكاتب بها في عملية السرد وتتجلّى من خلال إستطراداته التي لا تحصى فيها وتأمّلاته، الساخرة في معظمها، والدروب السردية الزائفة التي يشقّها لبلبلة القارئ، كما تتجلى من خلال توجّه ساراماغو مراراً إلى القارئ داخل نصّه وكشفه سيرورة التشييد الخرافي فيه بلا مواربة، تماماً مثل لورانس شتيرن ودوني ديدرو قبله، بهدف إظهار المفاعيل الإيهامية المستخدمة والتشكيك بها.
باختصار، شكلٌ روائي حرّ وفريد من نوعه لن يتخلّى ساراماغو عنه بعد هذا النص وسمح له بالابتعاد عن واقعية رواياته السابقة من دون أن يقوده إلى تجريد رواياته اللاحقة من جانبها السياسي والمعادي للإكليروس ولجميع أنواع الطغيان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.