بعد سنوات من صدور الترجمة العربية لكتاب النصيحة المعروف بقابوس نامة، أعادت نشره مرة أخرى دار الشروق في القاهرة؛ والكتاب من تأليف الأمير كيكاوس بن اسكندر لابنه كيلاهنشاه، ويعد من كتب نصائح الملوك، وأدرجه البعض ضمن كتب السياسة الشرعية، لكنه يندرج أكثر ضمن كتب النصائح السياسية، التي هدفت لنقل الخبرة من الأب إلى الابن، وكان له تأثير واسع في الأدبيات السياسية في شرق العالم الإسلامي، ألف الكتاب سنة 475 هجرية، وترجم إلى لغات عدة، وطبع طباعة حجر، واعتمد على إحدى نسخها المحفوظة في جامعة القاهرة المترجمان محمد صادق نشأت وأمين عبدالمجيد، في ترجمته من الفارسية إلى العربية. انتهى من تأليف كتابه قبيل ارتحاله عن هذا العالم، ضمنه ما حصّله في عمره من معارف وتجارب، وهو يرى في هذا الكتاب أثمن تراث يورثه لأعز الناس عليه، وقد وضع محصول عمره بين يدى ابنه كيلاهنشاه ليبصره بما يعود عليه بالسعادة في دنياه وأخراه. وإذا وضعنا في الاعتبار أن المؤلف أمير شيخ، دبر الإمارة وساس الرعية واحداً وعشرين عاماً، وهو ألف كتابه في آخر عمر طويل قضاه من شبابه إلى شيخوخته في الاستزادة من الحكمة وطلب العلم و المعرفة، وأنه ضمن كتابه هذا ما حصله من علم ومعرفة وتجربة وخبرة بالأمور والناس، أدركنا قيمة هذا الكتاب وسر ما نال من شهرة واهتمام في الأوساط العلمية. يجد الباحث في الكتاب موضوعات خصبة ومجالاً فسيحاً للدرس والاستقصاء. والمؤلف لا ينتهي من باب حتى يمهد للباب الذي يليه إلى أن يفتح للقارئ الباب الرابع والأربعين، فلا يخرج من هذا الباب إلا وقد أحاط بالعالم الذي عاش فيه المؤلف، وأدرك ما عليه الأمير من علم واسع ومعارف شاملة و تجارب وافرة ونظرة مدققة صادقة ودراية تامة بحياة عصره وأهلها وسبل العيش فيها. وإذا ألقينا نظرة عامة شاملة على أبواب الكتاب أمكننا تقسيمها من حيث موضوعها إلى ستة أقسام: 1- المؤلف في الأبواب التسعة الأولى يقف من ابنه موقف الواعظ الناصح؛ فيتحدث عن معرفة الله و خلق الأنبياء، وشكر المنعم، وزيادة الطاعة بازدياد القدرة ومعرفة حق الوالدين، وزيادة الجوهر من زيادة الفضل، والكلام من حسن وقبيح، ويورد نصائح أنوشيروان العادل، ثم يتكلم عن الشيخوخة و الشباب. ويلحق بهذه الأبواب التسعة الباب الثاني والعشرون فلا حفظ الأمانة لأنه إلى موضوعها أقرب وفي بابها أدخل. 2- و في الأبواب من العاشر إلى التاسع عشر يعلمه آداب اللياقة وقواعد الحياة الخاصة التي تليق بالأمراء وعلية القوم؛ فيتكلم عن ترتيب الطعام والشراب، وأداب الضيافة والتضييف، ولعب النرد و الشطرنج والعشق، والاستمتاع، والذهاب إلى الحمام، والنوم، والراحة، والصيد، وضرب الصولجان. 3-وفي الأبواب الحادي والعشرين ومن الثالث والعشرين إلى الثلاثين يتناول المعاملات من جمع المال، وشراء الرقيق، والبيت، والضياع، والخيل، والزواج، وحق الولد، واختيار الصديق، وتدبر أمر العدو، والعفو والعقوبة. 4- والأبواب من الحادي والثلاثين إلى التاسع والثلاثين تدور حول العلوم والمهن التي يحتاج إليها المرء في كسب معاشه؛ تدور حول طلب علم الدين، والقضاء، والتجارة، وعلم الطب والنجوم، والهندسة والشعر والغناء، وخدمة الملوك ومنادمتهم، والكتابة وشرائطها، ويدخل في جملتها الباب الثالث والأربعون في الفلاحة. 5- أما في الباب العشرين والأبواب من الأربعين إلى الثاني والأربعين فيعالج المؤلف الشؤون العليا في الدولة؛ فيفيض في الحديث عن الحرب وشرائط الوزارة والقيادة والملك. 6- يختتم الكتاب بالباب الرابع والأربعين، وهو أطول أبواب الكتاب؛ متحدثاً عن المروءة و مفهومها عند كل طائفة من الناس، وآداب أهل التصوف والصنعة. وجدير بالمربين أن يقفوا ملياً عند الباب السابع والأربعين في معرفة حق الولد، والباب الحادي عشر في ترتيب الشراب؛ ليروا في الأول كيف يتعهد القوم البنين والبنات من المهد إلى الرشد، ورأيهم فيما يجب تعليمه للفتى والفتاة، ومكان كل منهما من البيت والحياة، ونظرتهم إلى العقوبة البدنية بيد المعلمين، وموقف الآباء من البنين، ويتبينوا في الثاني مواجهة الآباء للأمر الواقع في علاج مشاكل الشباب ووضع الحلول العملية الصريحة لها في شجاعة وغير مواربة. ولما كان هذا الكتاب الأول من نوعه في الادب الفارسي الإسلامي من حيث الموضوع؛ فقد قلده المتأخرون، فظهر في حدود سنة أربع وثمانين وأربعمئة من الهجرة 1091م، كتاب سياستنامة المنسوب إلى نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقى، ويقال إن ماكيافيللى ترسم هذا الأخير في تصنيفه كتاب الأمير، وفي أواخر القرن الخامس أو أوائل القرن السادس ظهر بالفارسية كذلك كتاب نصيحة الملوك المنسوب إلى حجة الإسلام الإمام الغزالي، وقد ترجمه أحد تلاميذه إلى العربية باسم «التبر المسبوك في حكايات وحكم ونصائح الملوك».