في الاسابيع الاخيرة، بدأ التململ يتزايد في أوساط المعارضة السورية في الخارج من «غموض» الموقف الغربي من الوضع في سورية على رغم تصريحات هدفها امتصاص الموقف أو تبديد «نظرية المؤامرة». لكن الاهم أن بعض الصحافيين الغربيين، الذين غامروا بحياتهم للوصول الى حمص لمعاينة المشهد بأنفسهم، بدأوا يتحدثون أيضاً وينتقدون تردد المواقف الغربية وتشتتها ويستذكرون ما حدث في البوسنة خلال 1992-1995. كانت الجماعة الأوروبية في حيرة إزاء «الربيع اليوغوسلافي» في 1990 المطالب بالتحول الى الديموقراطية والتعددية السياسية التي أُجريت بالاستناد اليها أول انتخابات حرة في سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة، التي أوصلت الى البرلمان غالبيات مطالبة بالاستقلال عن يوغوسلافيا المحكومة بتراث الحزب الواحد الذي أنجب سلوبودان ميلوشيفيتش. اعترفت الجماعة الاوروبية باستقلال سلوفينيا وكرواتيا في 15 كانون الثاني (يناير) 1992، ولكنها اشترطت على البوسنة بالذات إجراء استفتاء يؤيد الاستقلال بغالبية واضحة. وقد أجرت الحكومة البوسنية المنتخبة من الشعب الاستفتاء المطلوب في 29 شباط (فبراير) 1992، الذي وصلت فيه نسبة المشاركة الى 64,31 في المئة ونسبة تأييد الاستقلال الى 99,44 في المئة. ومع أن الجماعة الاوروبية اعترفت باستقلال البوسنة وسيادتها في 6 نيسان (أبريل) 1992، إلا أن ما حدث بعدها كان يدل على أن سنة 1992 كانت بالفعل «سنة كبيسة» على البوسنيين، كما أن سنة 2012 «سنة كبيسة» على السوريين. فقد تعرضت مدن للحصار مثل ساراييفو وغيرها وجرت مجازر جماعية هنا وهناك وسط تنديد «المجتمع الدولي» كما يحدث الآن في سورية. كان الموقف الغربي يبرر عدم تدخله في البوسنة بدقة الوضع وغموض الموقف، الخ... كان الطرف الصربي يروج أنه يخدم الغرب بحربه ضد الطرف الآخر من «الاصوليين» المسلمين الذي يهددون كل أوروبا (لم تكن «القاعدة» قد برزت آنذاك)، وتكشف الوثائق الآن أن بعض القادة الغربيين كانوا يصدقون ذلك ويؤجلون التدخل الى أن يتم «ترتيب الوضع على الارض». ولكن في البوسنة، كما في كوسوفو لاحقاً، كان لا بد من لحظة أو صدمة تخرج الموقف الغربي من تردده وتدفعه باتجاه الحسم. بالنسبة الى البوسنة كانت تلك اللحظة في 28 آب (أغسطس) 1995 حين قصف الصرب سوق ماركالا في قلب ساراييفو، ما أدى الى قتل 38 من المدنيين وجرح العشرات، وكانت الصور في وسائل الإعلام كفيلة بأن تخرج قادة الغرب عن موقفهم المتردد ليوافقوا على قصف المواقع الصربية بقوة وإجبار الصرب على التفاوض لأجل التوصل الى تسوية. وتكرر هذا الامر مع كوسوفو في 17 كانون الثاني 1999 حين دخلت القوات الصربية الى قرية راتشاك قرب بريشتينا وقتلت 41 من سكان القرية في ما عرف ب «مجزرة راتشاك»، حيث إن وصول صور هذه المجزرة الى وسائل الإعلام كان كافياً لحسم التردد والتوجه نحو الحسم مع نظام ميلوشيفيتش. وزير الخارجية التركي وصف الأسد بأنه تحول الى ميلوشيفيتش آخر، كما أن رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان قال قبله إن «مجزرة حماة» خط أحمر، ولكن كل هذا لم يفد بشيء ولم يردع النظام السوري عن حصار بابا عمرو في حمص وقصفها لمدة 27 يوماً تحت أنظار العالم ثم اقتحامها ومنع الصليب الاحمر من الدخول اليها حتى الساعة. وفي الوقت الذي كان الغرب يندد بذلك حصل في 2 آذار (مارس) 2012 القصف على التجمع المدني السلمي في الرستن الذي وثّقته الصورة وأدى الى قتل 12 شخصاً نصفهم من الاطفال وجرح العشرات. لم يفد قصف الرستن بشيء كما لم تفد في اليوم نفسه شهادة الصحافي الاسباني خافيير اسبينوزا الذي كان في حمص وشهد ما حصل هناك ليقول إنه «أسوأ من ساراييفو». تصادف تصريح اسبينوزا مع وصول جثمان الصحافية ماري كولفن الى دمشق، التي كان يفترض أن يكون مصيرها لحظة مؤثرة بالنسبة الى الموقف الغربي، اذ إنها غطت ما جرى في كوسوفو وخرجت حية على رغم ما حصل هناك عامي 1998-1999 بينما جاءت الى حمص بجرأة لتنقل ما يحدث وقضت نحبها هناك تحت القصف وبقي جثمانها اسبوعاً لا يستطيع أحد أن يصل اليه.