بنظرة تحليلية عميقة لما يحصل في الانتخابات الإيرانية، حيث التمرد على أسس وثوابت كانت خارج النقاش قبل الانتخابات الأخيرة التي شابها الكثير من اللغط حول مشروعيتها ونزاهتها، وكذلك نتيجتها. مما يعزز التكهنات بأن المجتمع الإيراني في حالة تحول ومخاض مهمة جداً، تجعل المحللين والمراقبين في حالة من الحيرة والترقب عن مدى وقوة هذا التحول أو المخاض. كما أن هناك ثوابت أخرى اهتزت مثل دور المرشد وصلاحياته التي أصبحت مثاراً للجدل، وتحديه من قبل العامة وبعض مراكز قوى الثورة، في الوقت الذي كان يفترض أن كلمته هي الفاصلة في المواضيع الخلافية والمهمة. لقد أصبح دور المرشد في إيران محل تساؤل وتحدٍ، سواء من العامة أو من النخبة، أو حتى من رجال الدين، حيث لم تقف المظاهرات والتجمعات بعد طلبه إيقافها أثناء خطبة الجمعة التي تلت الانتخابات. كما أن آية الله حسين منتظري المعزول تحت الإقامة الجبرية، والمعارض لولاية الفقيه منذ فترة آية الله الخميني، أفتى بأن منع الناس من الاحتجاج على المخالفات هو محرم شرعاً، وهي رسالة رد على خطبة المرشد بمنع الاحتجاجات والتظاهرات، مما يعزز دراسة استطلاعات الرأي التي قام بها مركز كين بالين رئيس «الغد الخالي من الإرهاب» لقياس الرأي العام، وباتريك دوهيرتي نائب مدير «برنامج الاستراتيجية الأميركي في مؤسسة أميركا الجديدة» عن الإيرانيين، نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 18 (حزيران) يونيو الماضي، التي أظهرت أن أربعة من كل خمسة من الإيرانيين، الذين استهدفوا بالدراسة، يرغبون بحدوث تغيير سياسي، بما فيها الحق في اختيار المرشد. كما أظهرت الدراسة أن الملف النووي كان محل اتفاق بين غالبية الإيرانيين «70 في المئة»، يوافقون على إشراف كامل من المفتشين النوويين على برنامج إيران النووي، إضافة إلى تحسين العلاقات مع الولاياتالمتحدة التي كان نسبتها 77 في المئة من الإيرانيين، لذلك توضح هذه الدراسة أن شعوراً متنامياً لدى مجموعات من الشعب الإيراني يختلف عن شعور قادته تجاه سياسة البلد الخارجية، خصوصاً مع الولاياتالمتحدة الأميركية، رغم أن الدراسة أظهرت تقدم أحمدي نجاد على مير حسين موسوي بفارق 2 إلى 1 قبل الانتخابات بأسبوعين. لقد أفرزت الانتخابات الإيرانية معطيات عدة جديدة، نعتقد أنها ستكون ذات تأثير في النسيج السياسي الإيراني وهي: أولاً: تراجع دور المرشد كمرجعية دينية وسياسية في إيران بعد أن كان الجميع يعتقد أن كلمته ستكون حاسمة للجدل في الانتخابات التي شابها الكثير من اللغط والاتهامات المتبادلة بين الأطراف المشاركة فيها. ثانياً: يتضح أن دور مجلس صيانة الدستور، وهو أعلى سلطة تشريعية، الذي يعتبر الجهة التي توافق على المرشحين قبل دخولهم في الانتخابات، ليس حاسماً، والذي تم الاعتراض على قراراته من بعض المرشحين الخاسرين واتهامهم له بعدم الحيادية، وكذلك مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي كان هادئاً بسبب موقف رئيسه هاشمي رفسنجاني، الذي آثر الصمت والحديث المقتضب حول نتائج الانتخابات، بسبب دعمه للمرشح الخاسر ومشاركة ابنته في الاحتجاجات. ثالثاً: تُظهر هذه الانتخابات صراعاً قوياً ومحتدماً بين رجال الدين السياسيين، الذين شاركوا في الثورة، مثل مهدي كروبي ومحمد خاتمي ورفسنجاني ومنتظري من جهة، ومرشد الجمهورية على خامئني وحلفاؤه من جهة أخرى. رابعاً: إن تشويه الصورة النمطية للمرشحين ومؤيديهم والهجوم الشخصي وتهم الفساد لبعضهم، كان من أبرز سمات الحملات الانتخابية والمناظرات التلفزيونية بين المرشحين الأربعة. خامساً: لا يزال الصراع بين أبناء الثورة وقياداتها تحت عباءتها، رغم أن آثاره الشكلية امتدت إلى خارج حدود الجمهورية الإسلامية، مما يعزز التكهن بأن الصراع هو فقط حول الاستراتيجيات التي يجب اتباعها، وليس حول الثوابت. سادساً: على رغم وجود آليات عمل سياسي في الجمهورية الإيرانية، تفرض عدم وجود خلافات منهجية بين مؤسسات الدولة، وتحد من الاختلافات الداخلية والخارجية، إلا أن هذه الانتخابات أظهرت مدى هشاشة هذا التماسك وضعف الاحترام لهذه المؤسسات من المرشحين، وهو ما ظهر بعدم الاعتراف بنتائج تحقيقاتها أو قراراتها مثل قرار مجلس صيانة الدستور والمرشد. سابعاً: تلعب الشبكة العنكبوتية «الأنترنت» دوراً فاعلاً كمصدر للأخبار، بعد التضييق على وسائل الإعلام الأخرى، خصوصاً القنوات الفضائية، وهذا الدور للإنترنت يذكرنا بالدور الذي لعبته القنوات الفضائية مثل «CNN» خلال الانقلاب في الاتحاد السوفياتي عام 1991، وحادث ساحة تيانانمين في الصين عام 1989. إن ما يحصل في إيران يظهر مدى عمق الخلاف بين أبناء الثورة وتوجهاتهم الداخلية والخارجية، وكذلك مدى عمق الهوة بين جيل الثورة والجيل الحالي الطامح إلى التغيير، وإلا ما سر هذا التحدي من الجماهير بمجرد أن وجدت من يحركها ويداعب مطالبها الداخلية والخارجية؟ لقد أصبح مشروع الثورة محل تساؤل من العديد من الإيرانيين، رغم أن الكثير من المراقبين والمحللين يصورون الصراع الانتخابي الحاصل في إيران بأنه صراع بين الأغنياء والفقراء، أو صراع الطبقات، لكن الذي يحدث يمكن أن يكون أعمق من هذا، رغم أن هناك بعض المشروعية والمصداقية لهذا القول. والسؤال المطروح هو: هل كان مير حسين موسوي بمعارضته القوية والشرسة لنتائج الانتخابات يطمح الى أن يكون مثل يلتسين عندما نجح في إفشال انقلاب 1991، وصعوده على ظهر دبابة متحدياً الانقلابيين أمام مبنى الحكومة الروسية؟ أم أنه أراد أن يسجل موقفاً ضد أحمدي نجاد، ويخدش فوزه باتهامه بتزوير الانتخابات، ويضعفه في قيادة إيران خلال السنوات الأربع المقبلة؟ أم أن كل ما حصل هو من باب الصراع السياسي بين أبناء الثورة؟ * أكاديمي سعودي