الاتفاق ونيوم يتعادلان سلبًا في الجولة ال17 من الدوري السعودي للمحترفين    الديوان الملكي: وفاة فيصل بن تركي    أمير الرياض .. ولحظات مؤثرة    دافوس.. وذئب الدبلوماسية العالمية    أمير الشمالية يبحث الشأن القضائي مع رئيس محكمة الاستئناف    إطلاق 12 من الوعول والظباء بمتنزه السودة    السعودية تعزز الشراكات العالمية في «دافوس».. توطين الصناعات الواعدة وتقنيات الذكاء الاصطناعي    لجنة فنية لتذليل عقبات تنفيذ «الجسر البري»    الطاقة الدولية تتوقع نمو الطلب    هبوط البيتكوين وسط هروب السيولة وتصاعد المخاطر    أمير الباحة يُدشِّن "أثر 360"    وزير الإعلام يرعى توقيع اتفاقيات لتطوير عدد من المؤسسات الصحفية    دمشق: واشنطن تفضل الشراكة معنا لمحاربة داعش.. الجيش السوري يبسط سيطرته على مخيم الهول    السعودية تدين التفجير الإرهابي في كابل    نتنياهو يقبل دعوة ترمب للانضمام ل«مجلس السلام»    بوتين يكذب ترامب بشأن قبول الانضمام لمجلس السلام    وفاة رفعت الأسد عمّ الرئيس السوري المخلوع    لبنان: مقتل اثنين في غارتين إسرائيليتين    أمير الشرقية ونائبه يعزيان التركي    هنأت رئيس أفريقيا الوسطى بإعادة انتخابه.. القيادة تهنئ سلطان بروناي بنجاح العملية الجراحية    قرية الجنادرية تفتح أبوابها لزوار مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن    نيفيز بين البقاء والانتقال المُحتمل    ليوناردو بين الهلال ونابولي    يحتضنه ميدان الملك عبد العزيز للفروسية بالرياض.. 14 من نخبة الفرسان يتنافسون في تحدي الخيالة العالمي 2026    كأنها ناقة صالح    أمير الشرقية يشدد على أهمية العمل الخيري المؤسسي    أمانة حائل تجتمع باللجنة التنفيذية لمعالجة التشوّه البصري    «التخصصي» يحتفل بتخريج 379 طبيباً    الزهراني يحتفل بزواج ابنه حازم    أسرتا فايز والنجدي تتلقيان التعازي    تكريم المشاركين في مسار «البرامج التدريبية الإعلامية التاريخية الدرعية»    «العلا».. الفنون المعاصرة والتصميم والموسيقى    الطائف تحتفي بإرث بديوي الوقداني    المنتدى السعودي للإعلام يستكشف الكنوز السعودية    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    أمير القصيم يرعى حفل مهرجان القصيم للصقور بمشاركة (675) صقارًا من مختلف دول الوطن العربي    الاستقرار النفسي    الحلطمة.. بوق المفلسين    السديس: استراتيجية لتعزيز دور الأئمة والخطباء في إيصال رسالة الحرمين إلى العالم    استقبل أئمة وخطباء المسجد الحرام.. نائب أمير مكة يطلع على استعدادات شؤون الحرمين لرمضان    سعود الطبية: 3.9 ملايين وصفة خلال 2025    اعتماد إجراء «كرمشة المعدة» دون قص أو تحويل مسار بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    الممارسون الصحيون يحضرون ملتقى نموذج الرعاية الصحية    5 دقائق من المشي يومياً تقلل خطر الوفاة    انعقاد اجتماع أمناء عموم الغرف التجارية بالمملكة في مقر غرفة جازان للمرة الأولى    بحضور أكثر من 16 ألف متفرج .. النصر يتغلب على ضمك بثنائية في دوري روشن للمحترفين    وزراء خارجية المملكة و7 دول يرحبون بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام    إنقاذ 5 آلاف شخص علقوا في الأودية    تحالف دعم الشرعية في اليمن: ندين الهجوم الإرهابي على موكب قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة    90% نموا بصافي المطلوبات الخارجية بالبنوك    وزير الخارجية يلتقي نظيرته البريطانية    شيء من الخوف    إطلاق 12 كائنا فطريا في متنزه السودة الوطني    نائب أمير جازان يشهد حفل ختام أعمال تجمع جازان الصحي 2025    تدشين أولى فعاليات سفارة جمعية الأدب برجال ألمع لعام 2026 بندوة ثقافية نوعية    تقنية الطائف تستقبل 950 متدربا مستجدا للفصل التدريبي الثاني    «الحج»: الالتزام بالإرشادات يضمن أداء المناسك بطمأنينة    آل كاسي يحصل على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الملك خالد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«أصول فلسفة الحق» لهيغل: الدولة أساس للوعي والأخلاق
نشر في الحياة يوم 12 - 12 - 2011

ذات يوم وفي بداية مقال كتبه في العام 1801 واستنكف عن نشره في ذلك الحين، كتب هيغل يقول: «لم تعد ألمانيا دولة». والحال ان مؤرخي فكر هيغل، ومن بينهم آرنست كاسيرر، يقولون ان هيغل كان يعيش في تلك الآونة حالاً معنوية هابطة تماماً، وسط موقف سياسي كان يلوح إليه ميؤوساً منه تماماً. وإذا كان المفكرون لا يبنون آراءهم في مثل تلك الحالات إلا انطلاقاً من المقارنة، من الواضح ان صاحب «فينومينولوجيا الروح»، قارن وضع ألمانيا الماثل تحت عينيه في تلك اللحظة، بالوضع الذي كانت تعيشه الحياة القومية في ايطاليا، بخاصة في عصر ماكيافيللي. ومن هنا كان من الواضح ان هيغل ثارت في نفسه، على ضوء قراءته لما كتبه المفكر الإيطالي ماكيافيللي عن عصره، اهتمامات جديدة وتطلعات جديدة، هو «الذي كان يحلم بأن يصبح - وفق آرنست كاسيرر بخاصة - ماكيافيللي عصره». وحول هذا الأمر كتب في ذلك المقال: «في احد العصور السيئة الطالع، عندما كانت ايطاليا تركض نحو نكبتها، وعندما كانت تدور فيها معارك الحروب التي أشعلها الأمراء الأجانب (...)، وعندما جردها الجرمان والإسبان والفرنسيون والسويسريون من كل ما تملك، وبات مصيرها في يد هذه الدول الأجنبية، قام سياسي ايطالي يتصوّر كيف يمكن تحرير ايطاليا من طريق اتحادها في دولة واحدة. وأنه لمن غير المعقول ان ينظر الى هذه الفكرة التي اعتمدت عند صوغها - ويعني كتاب «الأمير» لماكيافيللي - على مشاهدة ظروف ايطاليا، على انها خلاصة منزّهة للمبادئ الأخلاقية والسياسية التي تناسب كل الظروف والأحوال (...) على من يقرأ كتاب «الأمير» ان يراعي تاريخ العصور التي سبقت ماكيافيللي، وأحداث تاريخ ايطاليا التي عاصرها. ولو فعل ذلك، فإنه لن يرى وجود مبرر لظهور هذا الكتاب فحسب، بل سيرى ان هذا الكتاب دلّ على نظرة عظيمة صادقة لعبقرية سياسية حقة تمثل عقلاً عظيماً وروحاً نبيلة».
الحال اننا انطلاقاً من هذه النظرة «المفاجئة» التي يلقيها هيغل على كتاب «الأمير» يمكننا ان نرى، ودائماً مع كاسيرر، ان في محاولة التوفيق التي حاولها هيغل في فلسفة التاريخ، اتجاهاً فكرياً من نوع مختلف. فهيغل يقبل هنا الأوضاع على علاتها، ويرى انها تتضمن «جوهراً اخلاقياً حقاً»، بمعنى ان هيغل «لم يحاول ان يستبعد من العالم التاريخي لا الشرور ولا التعاسات ولا الجرائم». لقد اعتبر «كل هذه الأمور مسلّماً بها (...) حيث لا تبدو الشرور من وجهة نظر الفكر التأملي وقائع عرضية او ضرورات قاسية. هي ليست بالشيء المعقول فحسب ولكنها تمثل العقل في حال تجسمه وتحققه بالفعل». ويقيناً ان هذا النوع من الفكر يتجلى بأفضل اشكاله عند دراسة كتاب هيغل «أصول فلسفة الحق»، هذا الكتاب الكبير الذي وضعه في العام 1818، ويعتبر من اشهر كتبه وأكثرها تعبيراً عن افكاره، ولا سيما عن نظرته الى فكرة الدولة. وكان «أصول فلسفة الحق» آخر كتاب صدر لهيغل خلال حياته. وهذا الكتاب الذي يعرف احياناً ب «فلسفة القانون» يقول بوزانكويت - احد كبار دارسي هيغل - انه كتاب «ربما يكون قد اسيء فهمه اكثر بكثير مما اسيء فهم اي كتاب آخر من كتب الفلاسفة السياسيين العظام، إذا استثنينا جمهورية افلاطون» (وننقل هذه الأشارة هنا عن دراسة المفكر المصري إمام عبدالفتاح إمام للكتاب نفسه).
بالنسبة الى هيغل نفسه، من الواضح ان ما في هذا الكتاب يتجاوز كلياً ما قد يوحي به عنوانه، اذ يقول: «حين نتحدث عن الحق في الكتاب، فإننا لا نعني به فحسب ما يفهم عادة من هذه الكلمة، اعني القانون المدني، لكننا نعني به ايضاً، الأخلاق والحياة الاخلاقية وتاريخ العالم وكلها تندرج ضمن الموضوع الذي نبحثه».
في الأصل كان كتاب «اصول فلسفة الحق» أشبه بتطوير جملة افكار حول كل هذه الأمور، وبخاصة حول مبادئ الحق، كان هيغل اوردها العام السابق في كتابه الذي ظهر تحت عنوان «موسوعة العلوم الفلسفية». ويتضح من فصول هذا الكتاب ان ما يدعوه هيغل هنا ب «الحق»، ليس تحديداً الحق المجرد الذي ابتدعه الرومان، ولا الحق الطبيعي، بل «وجود الإرادة الحرة» وفي شكل اكثر وضوحاً «الحرية وقد وعت ذاتها». وما حق شخص ما، في رأي هيغل، سوى لحظة في صيرورة هذه الحرية. وبالمعنى الذي يتوخاه هيغل، ايضاً، تمكن موضعة الحق في صلب «تاريخ الروح». وهذا الحق يكون، في البداية «ذاتياً»، حين يعي نفسه في شكل تدريجي عبر الطبيعة... ثم يتحول ليعثر على اكتماله في الإرادة التي تضعه - بالتحديد - في مواجهة الطبيعة. ثم يتحول ثانية ليصبح «موضوعياً» اذ يواصل في الطبيعة نفسها، والتي يحولها تبعاً لصورته عنها، تحقيق إرادته. ومن هنا، فإن الحق يتماهى مع تلك الروح - او العقل، لأن الاثنين واحد عند هيغل - الجماعي، الذي هو اساساً روح تاريخي، مصيره هو مصير الإنسان نفسه. ويرى هيغل في هذا الكتاب، ان الحق يتحقق على ثلاث لحظات: كحق مجرد - كأخلاقية ذاتية - وأخيراً كأخلاقية جماعية. وهيغل لتفسير هذا كله يكرس لكل لحظة جزءاً من هذا الكتاب الضخم. والحقيقة ان قراءة هذه الأجزاء الثلاثة تفيدنا - ونعود هنا الى «امير» ماكيافيللي كما قرأه هيغل - بأن الهمّ الأساس الذي يحكم هذا النص، إنما هو همّ الدولة. ويرى ميخائيل انوود في كتابه «معجم مصطلحات هيغل» (الذي ترجمه إمام عبدالفتاح إمام الى العربية وصدر عن «المجلس الأعلى للثقافة» في مصر ضمن المشروع القومي للترجمة، ويمكن اعتباره من افضل المراجع التي يمكن قراءة هيغل عبرها) يرى ان هيغل يستخدم كلمة الدولة بمعنيين اولهما «المدينة» Polis، وثانيهما «الدولة في مقابل الجوانب الأخرى من المجتمع، لا سيما الأسرة والمجتمع المدني». لكن الكاتب يستدرك هنا قائلاً ان «هذين المعنيين مرتبطان من حيث ان كياناً ما يكون «دولة» بالمعنى الأول اذا كان دولة بالمعنى الثاني». ويتوسع هيغل نفسه في شرح هذا كله حين يوضح ان «بعض السمات المركزية للدولة تعتمد على تقابلاتها مع:1- الحق المجرد، حيث الدولة تحمي حقوق الأشخاص... غير ان هذا لا يكون كما افترض لوك من ان هذا هو الهدف الرئيس الوحيد للدولة. 2- لا يجوز تقويم الدولة وأفعالها بناء على معايير الأخلاق الفردية. 3- في مقابل المجتمع المدني، للدولة وحدة يمكن ان تقارن بوحدة العائلة، لكنها لا تقوم كما تقوم الأسرة على الحب والشعور: «في الدولة تختفي هذه العاطفة - اي الحب -، فنحن نكون على وعي بوحدة القانون. هنا - في الدولة - يجب ان يكون المضمون عقلياً ومعروفاً لنا». ومن هنا، يضيف هيغل في «اصول فلسفة الحق»: «الدولة - في مقابل الأسرة والمجتمع المدني - ترتبط بالوعي الذاتي، الدولة تتماسك ويرتبط اعضاؤها، لا من طريق القوة بل من طريق الإحساس بالنظام، وتلك هي الوطنية الأصيلة».
وهيغل يختتم صفحات كتابه هذا بالحديث، كاستنتاج، عن التاريخ الكوني الذي هو بالنسبة إليه، «التطور الضروري للحظات العقل، لوعي الذات، ولحرية الروح... تفسير الروح الكوني وتحققه». وفي هذا الإطار يرى هيغل ان التاريخ قد عرف، إذاً، اربع امبراطوريات هي: الشرقية والإغريقية والرومانية والجرمانية. وإذ يضيف ان «الشخصية الفردية التي ظهرت في الامبراطورية الثانية، جابهت، في الثالثة، تمزقات التعارض بين الوعي الشخصي الخاص وبين الكونية المطلقة. ومن هنا فإن المصالحة لا تزال في حاجة الى ان تتحقق داخل الوعي الجماعي... بمعنى ان المبدأ الشمالي لدى الشعوب الجرمانية هو الذي سيكون من مهماته تحقيق هذه المصالحة»!
وكتاب هيغل هذا، اعتبر دائماً تتويجاً لعمل فكري دؤوب ومنتظم، انتج للفكر الإنساني بعض امهات المؤلفات في مجال الفلسفة، ما جعل ف. ج. ف. هيغل (1770 - 1831) يعتبر الى جانب مواطنه كانط، واحداً من اثنين اسهما في ولادة الفلسفة الحديثة، بل ان ثمة من يقول ان الفلسفة العقلانية اذا كانت ولدت مع ارسطو/ افلاطون، فإنها اختتمت تاريخياً مع هيغل/ كانط.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.