يحلو للمؤرخين اللبنانيين القائلين باستقلال لبنان عن محيطه منذ قرون طويلة، إسناد أقوالهم ببراهين متصلة بالعهد المعني 1517 - 1697م ويرون ان الأمير فخر الدين، الرجل الابرز في هذا العهد، هو الذي أسّس الدولة اللبنانية المستقلة وجعل من بلدة دير القمر عاصمة لها. ويؤكد مؤرخو هذا التيار ان الاستقلال اللبناني تدعّم بصورة واضحة في عهد أمير آخر هو بشير الشهابي الكبير الذي نقل عاصمة جبل لبنان الى بيت الدين الواقعة على بعد مئات الامتار من دير القمر وفي تلة مُناظرة لها في قمة الشوف. وتحتفظ البلدتان المذكورتان حتى اليوم بقصري فخر الدين وبشير الشهابي، وفي القصر الاخير يقيم رئيس الجمهورية اللبنانية صيفاً، في حين يستقر في بلدة بعبدا في ساحل المتن الجنوبي شتاء. والناظر الى القصرين يخالهما عمراناً عظيماً ومتشابهاً في الكثير من الاوجه، وأريد لهما ان يطبعا عصرين وتاريخ رجلين كانا يملكان حسّاً تاريخياً مميزاً أبعد ما يكون عن حسّ الولاة العاديين الذين كانت تعيّنهم السلطنة العثمانية وتقيلهم كما يخلع المرء ثيابه ويبدّلها بين يوم وآخر. ويحار زائر بيت الدين ودير القمر القادم من ساحل الشوف عند بلدة الدامور الى الجبل صعوداً في طريق حلزوني ضيّق وشبه عمودي، يحار في تفسير الاسباب التي حملت فخر الدين ومن بعده بشير الشهابي على اختيار هذا الموقع الجبلي الصعب كمركزٍ للامارة، فيما مراكز السلطات تكون عادة في المنبسطات والسواحل المتصلة بالبحار وبالسلطة العثمانية. وتضعف الحيرة عندما نعلم ان الامارتين المعنية والشهابية، هما اصلاً امارتان جبليتان من جهة، وهما من جهة اخرى اختيرتا في مواقع عصية ضمن تصور لتمرد مستقبلي، ولنا ان نتخيل وعورة الطرقات في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن والتاسع عشر ومحدودية وسائل النقل المحصورة بالحيوانات الدابة. والراجح ان اختيار موقع قصر فخر الدين في دير القمر وبمواجهته على التلة المقابلة قصر بشير الشهابي في بيت الدين تتم لاسباب امنية محضة، فالموقعان يتيحان مقاومة طويلة في حال الحصار بالاستناد الى مجموعة ضئيلة من الرجال المسلحين ويتضح من وقائع الحروب الاهلية اللبنانية ان بلدة دير القمر، وهي اليوم مسيحية بالكامل، استطاعت ان تصمد لشهور في حصارين تعرضت لهما في القرن التاسع عشر والعشرين، ما يعني ان اختيار الموقع من طرف الامير فخر الدين تحكمت به اسباب عسكرية اكيدة. مؤسس لبنان الحديث وتختلف حال القصرين اللبنانيين اليوم عن حالهما بالامس اختلافاً لا يحتاج الى برهان. ففي دير القمر عاش مؤسس لبنان الحديث حسب المؤرخ الماروني بطرس الدويهي ومؤسس القومية اللبنانية علماً بأن هذا النعت لا ينطبق على مفاهيم القرن السابع عشر فهو ليس عصر "الدولة الامة" التي نشأت في القرن التاسع عشر وعمّت العالم في القرن العشرين. والراجح ان تعميد فخر الدين مؤسساً للبنان الحديث يعود الى سيرة الرجل الذي جمع الطوائف اللبنانية في عصر ما كان يتيح هذا الجمع. فهو اعتمد على الطائفة المارونية في جيشه عندما كان العصر يقضي بأن يدفع المسيحي الجزية ويدفع المسلم "الخراج" ويسمح للمسلم بالانخراط في الجندية ويمنعها عن المسيحي. ولم يقتصر الامر على اشراك فخر الدين للمسيحيين في جيشه فهو اعتمد على بطاركتهم لتوثيق علاقاته بإمارة توسكانة وبابوية روما من اجل توسيع امارته ولاقامة حلف يضم عباس الصفوي شاه ايران الذي استولى على العراق وتمرد على العثمانيين، وبعض الدول الاوروبية الاخرى. وكان يرى ان التحالف مع الاوروبيين يتيح لهم الافادة من اساطيلهم وذخائرهم في مواجهة الدولة العثمانية التي كانت منشغلة في ذلك الحين بالمقاومة الناجحة التي يبديها الائمة الزيديون في اليمن والتمرد الصفوي. لكن صدمة فخر الدين كانت كبيرة عندما اكتشف ان الاوروبيين غير جادين في هذا الحلف بسبب انشغالهم في حرب الثلاثين عاماً 1618 - 1648 فعاد الى بلاده ليواجه السلطان مراد الرابع منفرداً ويقع في الاسر ويساق الى الاستانة مع بعض افراد عائلته ويلقى حتفه خنقاً فيها. ويُشاع عن الامير اللبناني الذي وصلت سلطته الى عريش مصر ولقب بسلطان البر، انه حَاكَمَ ثلاثة من اللبنانيين ماروني ومسلم ودرزي لأن كلاً منهم نسبه الى دينه، وقد جعلت هذه الاشاعة وغيرها كثيرين يعتقدون بأنه كان لاطائفياً وانه جعل الامارة مؤسسة فوق الطوائف، وكل ذلك للقول بأن اللبنانية طغت في عهده على ما عداها. وقصر فخر الدين في دير القمر اليوم لا يشبه قصر الامس الا في المبنى الذي أُعيد ترميم بعض اجزائه، ويقع بجانبه قصر مدبّر الامير بشير الشيخ جرجس باز. ولعل صورة القصر الرمزية وصورة صاحبه في التاريخ اللبناني، جعلت المعاصرين ينصبون لوحات تذكارية على جدرانه، واحداها لداني شمعون نجل رئيس الجمهورية السابق كميل شمعون كما تعلو القصر صورة جدارية للرئيس الحالي اميل لحود. وفي أقبيته السفلى متاجر لبيع المصنوعات الحرفية اللبنانية فيما مسجد الأمير ما زال على حاله على رغم الحروب الاهلية التي عصفت بلبنان. ويستقبل المسجد الذي ترعاه الاوقاف الاسلامية، سياحاً مسلمين يؤدون الصلاة فيه، وعمالاً ومستخدمين وجنوداً وموظفين يقيمون في المنطقة. تماثيل شمع وفي الداخل اقامت الراحلة ماري باز وريثة الشيخ جرجس باز متحفا لتماثيل الشمع يضم الى فخر الدين تماثيل لرجال دين وسياسيين من بينهم زعيم الكتائب الراحل الشيخ بيار الجميل والست نظيرة جنبلاط والدة كمال جنبلاط والجنرال غورو ورئيس الوزراء الحالي رفيق الحريري ونائبه عصام فارس ورئيس المجلس النيابي نبيه بري والرئيس السابق للجمهورية الياس الهراوي وعقيلته والشاعرة الراحلة ناديا تويني وآخرون. ولأن المتحف، كما اوضح احد العاملين فيه، ملكية شخصية فقد حلّ النزلاء فيه بصورة انتقائية ووفق ما يحلو للقائمين عليه ما يشير الى تناقض مدهش بين تقدير فخر الدين في النص التاريخي وبين التعاطي مع اثره الوحيد الباقي بصورة اعتباطية. وحال بيت الدين اليوم، تختلف بداهة عن حاله بالامس، فهو ارتبط بالامير بشير الشهابي الكبير وانجز في الفترة الثانية من حكمه وبما ان بناءه تم في الربع الاول من القرن التاسع عشر، فنجد في القصر ملامح فنون البناء والزخرفة التي كانت سائدة في حينه في لبنان ومحيطه والتي اراد صاحب القصر ان تتجمع في القصر لتضفي على بشير عظمة تبقى مع الاجيال. أحمد باشا الجزار لكن سيرة الشهابي في بيت الدين اكثر ارتباطاً بالفتن والأحابيل من سيرة المعني في دير القمر. ولعل القسم الاكبر من العهد الشهابي سيكون محكوماً بكابوس رهيب اسمه والي عكا، احمد باشا الجزّار. فهذا الرجل كان جندياً لدى الامير يوسف الشهابي وهو الاول بين الامراء الشهابيين الذين اعتنقوا المسيحية، وصادف ان عيّنه يوسف قائداً لحامية بمواجهة هجوم بحري روسي على بيروت فأبلى بلاء حسناً وصلت اصداؤه الى السلطنة العثمانية التي عيّنت الجزّار والياً على عكا، فما كان منه الا ان أزاح معلمه السابق عن حكم الجبل وعيّن الامير بشير الشهابي بدلاً منه. ولعل صاحب بيت الدين كان يؤثر الحكم مهما غلت التضحيات ولو اقتضى الامر ارتكاب الكبائر وتغيير الانتماء الديني بالاتجاهين، ففي الفترة الاولى من حكمه استطاع ان يكسب ود الصدر الاعظم العثماني بسبب وقوفه الى جانب السلطنة وضد الحملة العسكرية الفرنسية على مصر. وصار بوسعه ان يتصل بالصدر الاعظم مباشرة وان يصبح نافذاً الى حدّ انه عزّز مخاوف احمد باشا الجزار الذي ضايقه الى حد لا يطاق فهرب الامير بشير الى مصر ومنها عاد الى حكم الجبل بوساطة محمد علي باشا، لكنه عاد وتواطأ مع الباشا نفسه، على ضم سورية الى مصر وخاضا معاً تمرداً ضد السلطنة انتهى الى الفشل. وبالتالي الى نهاية هذا الاخير الذي الحق اذى كبيراً بالتعايش الناجح بين الطوائف اللبنانية وزرع بذوراً لفتن سرعان ما ستنفجر بعد سنوات قليلة على عزله. إلا أن تاريخ بيت الدين لا يختصر بوقائع الفتن الطائفية وحدها، فالبلدة كانت في القرن التاسع عشر واواخر الثامن عشر عاصمة اساسية في احداث الشرق الاوسط، ولعل اشتراك الامير بشير الشهابي بمؤامرات ودسائس خارجية عزّزت مكانة بيت الدين التي انتقلت من ركن جبلي شبه معزول الى عاصمة فعلية لجبل لبنان تستأثر بأنظار لاعبي السياسة حينذاك. اما قصر بيت الدين اليوم فهو مقر لمهرجانات صيفية تشرف عليها السيدة نورا جنبلاط، وهو ايضاً مقر صيفي للرئاسة اللبنانية الاولى، ومقر ايضاً لاحدى الخلوات الدرزية ربما في فصل الشتاء، وكما في حالة قصر فخر الدين في دير القمر، هنا ايضاً يسعى المعاصرون لتثبيت اسمائهم وحضورهم على الجدران التاريخية. ففي احدى قاعات القصر يستقر معرض دائم للزعيم الدرزي الراحل كمال جنبلاط، فيما ثبّت خليفته وليد جنبلاط لوحة باسمه تعلن عن مساهمته في ترميم القصر وتأهيله والحفاظ عليه خلال الحرب الاهلية من الدمار وعبث الميليشيات. وعلى رغم ان البلدتين كانتا مسرحاً حقيقياً لاكثر من قرنين من تاريخ الاماراتاللبنانية، فان دير القمر وبيت الدين هما اليوم اشبه ببلدتين معزولتين يكاد ينعدم النشاط فيهما شتاء وتعيشان بفضل حرارة الصيف وسيّاحه. ولعل الفرصة التي سنحت اخيراً لدير القمر من خلال توأمتها مع الدائرة الخامسة في بلدية ليون الفرنسية، تتيح مصيراً افضل لمدينة ارتبط اسمها مراراً بحروب اهلية والكثير من المآسي.