يعكس دخول الملياردير الهندي المسلم عظيم بريم جي قائمة الاغنياء الخمسة الأوائل في العالم صورة حقيقية لواقع المسلمين في الهند، اذ انه في عصر تكنولوجيا المعلومات يلعب الاعلام دوراً مهماً في وضع تصور للأشياء لا يعكس الصورة الحقيقية للواقع المر في الكثير من الاحيان. بيد ان تصدر بريم جي قائمة الاغنياء يعكس صورتين متجانستين لقدرة المواطن الهندي على الانجاز عندما يجد الفرصة المناسبة وتمسكه بهويته الوطنية ورغبته في بناء الأمة التي ينتمي اليها. ولهذا يتعين النظر الى مشاكل الأقلية المسلمة من خلال هيكل عمل ديناميكي غير جامد حيث تتغير تصرفات المجموعات الدينية بتغير الظروف. تشكل الأقلية المسلمة في الهند 12.5 في المئة من سكان الهند، أي نحو 140 مليون نسمة يمثلون ثاني أكبر تجمع ديني في العالم بعد اندونيسيا، يتوزعون في معظم أرجاء شبه القارة الهندية الا ان أكثر من نصف عددهم يقطنون في ثلاث ولايات شمالية كبرى هي: اونرا براديش وبيهار والبنغال الغربية، ويؤثرون بالتالي على حوالي 100 مقعد برلماني وتشكل أصوات المسلمين عاملاً حاسماً في قرابة 700 دائرة انتخابية. غياب الدستور يقول مولانا وحيد الدين خان ان القادة المسلمين يتحملون جزءاً من مسؤولية الانفصال بين الهندوباكستان في فترة كانت البعثات التبشيرية الاسلامية نشطة في شبه القارة الهندية، اذ ان الانفصال والعنف الطائفي ساهما بشكل كبير في تدهور أوضاع المسلمين وعرقلة انتشار الاسلام في المجتمعات الهندية. ومع ذلك، فإن الغالبية الهندوسية لا تزال تحمّل المسلمين مسؤولية الانفصال. ويدفع المسلمون الهنود ثمن ذلك، علماً بأنه لا علاقة لهم بما حدث. وفي كل مرة تقع حرب بين الجارتين المتناحرتين توجه اليهم التهم من قبل المجموعات الهندوسية المتشددة ويشككون في ولائهم للدولة الأم الهند. وتندلع المواجهات الدموية والعنف الطائفي بين الحين والآخر، خصوصاً في الولايات التي تسيطر عليها الاحزاب اليمينية المتشددة. وجرت في الآونة الأخيرة عمليات مسح ديموغرافي لأماكن توزيع المسلمين في هذه الولايات من قبل اجهزة الأمن، مما أبقى المسلمين تحت كابوس التهديد والخوف من المجهول. وبعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال لا يزال وضع المسلمين على المستوى القومي أقل مما كان عليه عند الاستقلال. وولد ذلك شعوراً بالإحباط، صاحبه ظهور ميليشيات متطرفة تابعة للغالبية الهندوسية، مما أدى الى تغذية بذور الانفصال والفتنة التي زرعها المستعمر البريطاني. وتشعر الأقلية المسلمة بالعزلة والمزيد من الضياع والتشتت والفقر المدقع فيما تتكرر الاعتداءات بشكل ملحوظ ضد المسلمين وممتلكاتهم. وتعرضت أماكن مقدسة الى اعتداءات كان آخرها تدمير مسجد بابري في مدينة أيودهيا على أيدي متطرفين هندوس. وتطالب هذه المجموعات المتطرفة بإزالة أكثر من ثلاثة آلاف مسجد بحجة انها بنيت على أنقاض معابد هندوسية إبان الحقبة المغولية. وقد تبدو الصورة قاتمة في ظل غياب الدستور، بيد ان الدستور الهندي يمنح الأقليات حقوقاً متساوية مع بقية فئات المجتمع الهندي. واتخذت الدولة العلمانية شعاراً لها مما يجعل من الصعب على هذه الجماعات المتطرفة إلغاء الهوية الهندية القومية المبنية على التعددية الثقافية والاجتماعية والدينية والعرقية. وبقي المسلمون، بصورة عامة، مسالمين ملتزمين القانون، مما أدى الى افشال المحاولات المتكررة من قبل الاحزاب السياسية المتشددة للتلاعب بمواد الدستور أو إلغاء بعضها، خصوصاً ما يتعلق بقانون الاحوال الشخصية والقانون المدني الذي يتعارض مع قانون الشؤون الاسلامية المعتمد لدى المسلمين في الهند. ويتهم المسلمون الدوائر الأمنية الهندية بالتحيز ضدهم، اذ ان هناك مئات من المسلمين داخل السجون الهندية تحت طائلة قانون مكافحة الارهاب. وفي كثير من الاحيان تغض الشرطة المحلية الطرف عن المذابح التي يتعرض لها المسلمون، بينما تنشط القوة الأمنية وتصبح فعالة عندما يكون التحقيق ضد المسلمين. ومع ذلك تزدهر الأماكن الاسلامية المقدسة جنباً الى جنب أماكن بقية الطوائف الدينية والمعتقدات الدينية الاخرى المنتشرة في الهند. وتغيرت أولويات المسلم الهندي منذ الاستقلال ونشوء باكستان، لتتركز على العناية بقضايا جوهرية تهم المجتمع الاسلامي في الهند، خصوصاً ما يتعلق بحق المسلمين في الوظائف الحكومية ودخول المسرح السياسي ورفع مستوى الحياة المعيشية والقضاء على الأمية والفقر المتفشي. ويرى كثير من المثقفين الهنود المسلمين بأنه يترتب على أبناء الطائفة ان يرتبطوا مع التكوينات السياسية التقدمية، وإلا فإنهم سيبقون منسلخين عن الدولة، خصوصاً ان النظام الديموقراطي العلماني في الهند يوفر هيكلاً للعمل وبناء شبكات سياسية جديدة أكثر مما يوفره البعد الاسلامي. محاولات اعادة الهيكلة ويقول موسى رضى المدير العام لمركز الثقافة الاسلامي الهندي ان نصيب المسلمين من الوظائف الحكومية لا يتجاوز 3 في المئة وفي الساحة السياسية يراوح بين 5 و5.5 في المئة فقط، أي أقل من نسبة نصف عددهم. ويوجد في البرلمان الحالي 31 نائباً مسلماً فقط. ويرى ان هناك ضرورة حتمية لمشاركة المسلمين في صناعة القرار السياسي والاقتصادي. وتساهم هذه الأوضاع المتردية للمسلمين بشكل كبير في اعادة توحيد صفوفهم للقيام بدورهم المطلوب في بناء الدولة، اذ ان هناك كثيراً من المجموعات البشرية التي تسعى الى اثبات هويتها، وهذا نوع من التحدي للقمع والظلم. وتشعر هذه المجموعة بأنها تختلف عن بقية المجتمعات الاخرى، ولهذا تسعى الى احياء جذورها وتعزيز التضامن والطموح الى تقرير المصير السياسي للهروب من حال التردي والحفاظ على نمط معيشي يحفظ قدراً من الكرامة، لكن التصرف المسلح داخل هذه المجموعات جعل منها أكثر عزلة، وتحولت الى مجموعات غير متسامحة لا يمكن التعايش معها. وتتحول المواجهة الى تطهير عرقي وعنف وإثارة قلاقل، لكن النقطة المهمة التي تميز المجتمع الاسلامي الهندي انه لم يكن جامداً، وتغير حسب المعطيات، وتجاوب مع المتطلبات الأخرى. وبسبب محاولاتهم المستمرة لإعادة هيكلة مجتمعهم تولدت لديهم افكار جديدة وقوي ايمانهم بمعتقداتهم وطبيعة تفكيرهم، وهذا ما أدى الى انقسام الهوية داخل المجتمع الاسلامي في الهند الى وحدات صغيرة بعدما كان الجميع يعتبرون المجتمع الاسلامي صندوق اقتراع يستغل فحسب في فترة الانتخابات. وتجلى ذلك وسط أبناء الجيل المسلم الجديد الذي بدأ يتخلى عن حزب المؤتمر الذي حافظ على نسبة كبيرة من أصواتهم لاتخاذه العلمانية شعاراً له، ولخوف المسلمين من الحركات اليمينية المتشددة. وزادت الفجوة بين حزب المؤتمر ووعوده التي لم تتبلور لتحسين الظروف المعيشية للمسلمين. وبدأ الجيل الجديد يميل إلى الاحزاب الاقليمية. ومنذ الثمانينات انقسمت أصوات المسلمين بين حزب المؤتمر والاحزاب الاجتماعية الصغيرة ولعل هذا ما يفسر خسارة حزب المؤتمر في الانتخابات التي أجريت العام 1999 بسبب انخفاض شعبيته وسط المسلمين. الأوضاع الاقتصادية يتنوع اهتمام المسلمين في الهند من تجار إلى رجال اعمال إلى صناعيين إلى صغار كسبة من الفلاحين والحرفيين، لكن نصيبهم أقل بكثير من نسبتهم العددية في الوظائف الحكومية والجيش والشرطة والقطاعات المنظمة الأخرى. وبسبب ابعاد المسلمين عن أماكن صنع القرار استمر انعدام العدالة الاقتصادية في أنظمة مشوبة بالمحاباة والرشاوى والفساد. ولم يحقق اي حزب سياسي طموحات المسلمين في الهند، ومع تكرار العملية الديموقراطية زادت الاحزاب السياسية وانقسمت أصوات المسلمين أكثر، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية في الهند حيث انخفضت نسبة النمو الاقتصادي وانعكس ذلك سلباً على الأوضاع الاقتصادية. وعانى المجتمع الاسلامي من الهجرة من القرى الى المدن بحثاً عن لقمة العيش، وأثرّ العنف الطائفي بشكل سلبي على واقع المسلمين، اذ تعرضوا الى التهجير مرة اخرى، وتدهورت احوالهم المعيشية مما ولّد حالة من عدم الاستقرار، واضطر كثيرون منهم الى القيام بأعمال غير شرعية مما زاد من أعمال العنف والشغب. وترتفع نسبة الأمية بين المسلمين الى اكثر من 18 في المئة عن المعدل العام. وتبلغ نسبة الامية بين نسائهم 70 في المئة. واكثر من نصف المسلمين يعيشون تحت خط الفقر. وتتفشى البطالة وسط الشبان، كما ان نسبة عمالة الاطفال عالية، اذ يشجع الاهالي أطفالهم على ترك المدارس لقناعتهم بأن ذلك يشكل دخلاً مادياً اضافياً للأسر الفقيرة وكذلك بسبب عدم وجود مدارس تواكب متطلبات العصر. وتلعب مدارس تعليم القرآن الكريم والحديث الشريف دوراً حيوياً في محو الأمية ونشر التعليم الاساسي بين القطاعات المختلفة المسلمة وتساهم في تطوير النظام الاخلاقي في المجتمع، وقد خرجت عدداً كبيراً من المواطنين الملتزمين بالقانون والعلماء والفقهاء. لكن هذه المدارس بحاجة الى تحديث وادخال اجهزة الكومبيوتر والعلوم الحديثة والرياضيات واللغة الانكليزية. وتعد هذه الاوضاع الاقتصادية المتردية اكبر التحديات للمجتمع الاسلامي في الهند، اضافة الى انعدام الأمن في مواجهة الاضطرابات الطائفية التي تجاوزت 20 ألف صدام منذ الاستقلال، أي بمعدل حالة صدام يومياً ضد المسلمين. وكذلك فقدان العدالة والمساواة الاجتماعية، عدا الخلافات بين الهيئات والمنظمات الاسلامية التي عرقلت توحيدهم. ومن أهم الأسباب لتردي التمثيل السياسي في البرلمان والمجالس التشريعية التوزيع الجغرافي وطريقة تحجيم الدوائر الانتخابية وتعريف القاعدة الاجتماعية للاحزاب السياسية في صورة طائفية انقسامية. وتتوزع الأصوات العلمانية بما فيها أصوات المسلمين بين الاحزاب العلمانية المتعددة، وهذا الإحباط السياسي دفع كثيراً من المسلمين للامتناع عن التصويت. موقف المسلمين من قضية كشمير وتعد قضية كشمير لب الصراع بين الهندوباكستان. ويرى عدد من القادة المسلمين ان بقاء كشمير ضمن الدولة الهندية من شأنه ان يحافظ على علمانيتها، اذ ان هذه الولاية هي الوحيدة التي يشكل المسلمون غالبية سكانها. وعلى رغم تعاطفهم مع الشعب الكشميري المسلم وحرصهم على أمنهم داخل المجتمع الهندي ذي الغالبية الهندوسية، لم يقم أي زعيم ديني مسلم في الهند بدعم الحركات الكشميرية الداعية الى الاستقلال علناً. واكتفوا بالمطالبة بإنهاء معاناة الشعب الكشميري وإيجاد حل دائم وعادل للقضية الكشميرية. وجاءت ردود الفعل قوية على تصريحات وزير الداخلية الهندي لال كريشنا ادفاني المعروف بمواقفه المتشددة ضد المسلمين حين صرح في البرلمان في 26 نيسان ابريل الماضي ان باكستان التي تعرضت لهزيمة مخزية في حرب العام 1971 عندما انفصلت باكستانالشرقية بنغلادش حالياً دعت الى الجهاد الاسلامي ضد الهند، وطالب المسلمين الهنود بالرد على ذلك. وكتبت صحيفة "ميلي غازيت" الاسلامية في احدى افتتاحياتها في ايار مايو الماضي ان قيام وزير الداخلية بمسيرته الدينية الهندوسية كان السبب الرئيسي في زيادة العنف الطائفي ضد المسلمين وتدمير مسجد بابري. وطالبت الصحيفة وزير الداخلية بتقديم الدلائل والحقائق حول نشاطات الاستخبارات الباكستانية التي تحملها نيودلهي مسؤولية تدهور الأمن والقانون وأعمال العنف في البلاد، ودعته الى خلع "الشورت الخاكي" - وهو اللباس المميز للحركات الهندوسية المتشددة التي ينتمي اليها ادفاني - والى ان يتصرف كوزير داخلية لعموم الهند وبالتعامل مع جميع الهنود بمن فيهم المسلمون، بعدالة واحترام، وسيجد المسلمين جاهزين للتعاون معه. مشاريع حلول ويعكس هذا الموقف مشاعر العديد من المسلمين في الهند والرغبة لدى الطبقة المثقفة منهم في وضع استراتيجية جديدة لتنسيق الجهود وتكثيفها لضمان أفضل النتائج لمصلحة المجتمع الاسلامي من خلال رفع معنوياته وتغيير نفسيته المتدنية والمحبطة الى قوة ذاتية الدفاع واكثر ثقة وأملاً. وطُرحت لذلك حلول عدة أهمها: - المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي. - الانخراط في الاحزاب السياسية. - اقتحام مجالات الادارة وتحسين المستويات الاكاديمية للمدارس القرآنية. - فتح داخليات جديدة للفتيات في مناطق تجمع الأقلية المسلمة التي قد تدفع بالآباء لإرسال فتياتهم الى المدارس والجامعات. - التشجيع على تعليم الاطفال وحث الاهالي على عدم اخراج اطفالهم من المدارس. وهنا تأتي مسؤولية الدولة في تحسين أوضاع المسلمين من خلال تطبيق الدستور الضامن الوحيد لحقوق الأقليات والابتعاد عن المحاولات الرامية لتعديل بعض مواده ما قد يضر بمصلحة المسلمين وقانون أحوالهم المدنية المستند الى الشريعة الاسلامية. كما ان للدولة دوراً مهماً في محاربة الحملات الدعائية المعادية للمسلمين والثقافة الاسلامية التي تهدف من خلالها المجموعات الهندوسية المتطرفة الى زيادة الكراهية وزرع بذور الشكوك والتشجيع على العنف ضد المسلمين