خوان غويتيسولو معروف من القراء العرب، بسبب مواقفه الفكرية والسياسية فلسطين، البوسنة، الخ ... وبسبب قربه من الحضارة العربية وافتتانه بها. لكن هذا الكاتب الاسباني البارز الذي اهتم بالاستشراق معروف ايضاً من خلال كتاباته الكثيرة في مجالات فكرية وسياسية، ومن خلال رحلاته. بين كتبه المعربة نشير الى: "في الاستشراق الاسباني" دار الكرمل، 1988، "على وتيرة النوارس" دار توبقال، 1990، "رحلات الى الشرق" دار افريقيا، 1991، "دفاتر ساراييفو" دار الفنك، 1994... وها هو القارئ العربي يكتشف اخيراً غويتيسولو كروائي، من خلال الترجمة التي قام بها الكاتب والناقد المغربي ابراهيم الخطيب لروايته ما قبل الأخيرة "الأربعينية"، وصدرت في الايام القليلة الماضية عن "دار الفنك" في الدار البيضاء، يتصدرها تقديم بتوقيع عبدالفتاح كيليطو. تعكس الرواية، كالعادة لدى هذا الكاتب الاسباني، تأثراً واضحاً بالتراث الروحي السلامي والمسيحي. وتعلن عن نفسها كمحطة في مشوار طويل، تحتل منه الثقافة العربية مكانة مرموقة في "شجرة انساب" غويتيسولو، كما يكتب كيليطو في تقديمه. بعد موت صديقته، يدخل الرواي في حداد يستمر اربعين يوماً، ويضع رواية من اربعين فصلاً. ويعبر كيليطو في المقدمة لو ان عنوان الترجمة العربية للرواية هو "برزخ"، "فهو حسب الموروث الاسلامي، يكتب، الوقت الذي يمر على الانسان منذ موته الى غاية بعثة"... وتتوزع احداث رواية "الأربعين" على مستويين. أولهما محسوس يصور تنقلات الراوي عبر مشاهد واقعية، بين باريسومراكش والقاهرة... يركب الطائرة، يتجول في سيارة، يدخل حماماً شعبياً، يناقش زوجته بحنو ويتفرج على الاخبار المصورة على الشاشة الصغيرة ... اما المستوى الثاني فيفسح المجال للحلم حيث "ينبسط عالم اثيري هو البرزخ" حسب عبدالفتاح كيليطو. وفي تجواله بين العالمين، يسترشد الراوي بصديقته الراحلة بياتريس التي يحيلنا حضورها الى دليل دانتيه في بعض مراحل "الكوميديا الالهية". فهو لم يتخلص من تأثير قراءاته المختلفة، لذا يأتي ما يعيشه انعكاساً لها، فيفقد كل صلة واقعية بالعالم. هكذا تخيم على النص اطياف سرفانتس ودانتيه وابن عربي والبسطامي وجيروم بوش وغوستاف دوري وكافكا والمعري... وخوان غويتيسولو تعود علاقته بالمغرب الى اواخر الخمسينات، حيث انطلق من طنجة الى رحلة في انحاء البلاد التي كتب فيها روايته "دون خوليان"، والجزء الثاني من سيرته الذاتية "في ممالك الطوائف". وفي مراكش حيث يقيم الف رائعته "المقبرة". والكاتب الذي امضى سنوات طويلة منفياً عن بلاده بسبب معارضته ديكتاتورية فرانكو، والذي كان من اقرب اصدقاء جان جينيه، لا يتوانى عن الادلاء بشهادته كلما استدعته الظروف كما فعل اخيراً في ساراييفو.