عند ما تمر بالقرب من دروازة قريتها شرق محافظة الأحساء، تتوقف حميدة علي"لتتذكر أحداث سبعة عقود من حياتها. وتشير إلى مكان قريب من"الدروازة"، وتقول:"هنا كان العمدة يقف ليقيم حد الجلد على الحرامية"، فلقد كان العمدة هو المسؤول عن تطبيق الأحكام الصغيرة التي تصدر في حق المدانين. وعلى رغم أن الأسوار التي كانت تحيط معظم قرى الأحساء اختفت، لتختفي معها"الدروازات"، وهي الأبواب لهذه القرى، إلا أنها لا تزال محفورة في ذاكرة الكثيرين من سكان الأحساء. وتستعيد حميدة 71 سنة، بعضاً من شريط ذاكرتها"أتذكر أحداثاً كثيرة جداً مرت على القرية، المرتبطة ب"الدروازة"، ومنها زفات الأعراس، والإعلان عن وصول الحجاج، والوقوف لساعات لاستقبالهم، أو وفاة أحد أبناء القرية، أو دعوة أحدهم إلى وليمة زفاف ابنه، وكذلك المشاجرات بين شباب القرى. فيما كانت تُعد وجبة الضيافة للأعراس في قدور كبيرة جداً، تتوسط"الدروازة". كما كان ل"الدروازة"، وهي كلمة ذات أصول فارسية، جاءت من صناعة أبواب المداخل المزخرفة والمجملة، ذات الهيكل الضخم والفخم في آن، بُعداً تجارياً، فلقد كانت مركزاً تجارياً مهماً، فالباعة المتجولون يعرضون بضائعهم بالقرب منها"لأنها من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالناس. وكان الناس ينتظرون أيام الأربعاء والخميس والجمعة،"بلهفة"لتوافد الباعة والتجار فيها. وبالقرب منها تمارس الألعاب الشعبية المختلفة، بل إن هناك أسر تبيع المأكولات الشعبية المختلفة بمحاذاة جدار الدروازة. وحتى اليوم، لا تزال"الدروازة"صامدة في وجه التغيرات الحديثة التي لم تفقدها مكانتها، فاحتفالات العيد تنطلق منها، وكذلك الأعراس، وحتى الوفيات. ويرجع مهتمون بالتراث بداية إنشاء"الدراويز"إلى بناء الأسوار التي كانت تحيط في المدن والقرى، لحمايتها. إذ كان يطلق على السور"الحامية". وكانت تضم مداخل تتناسب مع حجم حركة الدخول والخروج، وكذلك حجم التجارة التي تتم بالقرب منها. ويأخذ في الاعتبار عدد السكان. ويقول الباحث في التراث محمد الهديان:"لا يطلق على كل بوابة"دروازة"، بل يستخدم هذا المصطلح للبوابة الرئيسة للبلدة. كما لا يقال لباب المنزل أو مداخل الغرف"دروازة". ولو كانت هناك بحوث مكثفة حول"الدروازة"لظهرت نتائج تثبت أهمية هذا المكان، وعمقه التاريخي وتأثيره النفسي والاجتماعي، إذ كان يمثل باب البيت الكبير الذي كان يضم أبناء القرية بصورة خاصة، وهو عامل مهم لبناء التلاحم الاجتماعي والامتزاج القوي بين السكان". ويطالب الهديان ب"اهتمام أكبر بهذه المعالم التاريخية والمحافظة عليها من أن تتحول إلى مجرد ذكرى"، مضيفاً"كانت هناك أخيراً، التفاتة كبيرة من قبل أبناء القرى وحتى المدن، إلى تلك المداخل، خصوصاً في مناسبات مثل"القرقيعان"والعيدين، إذ تقام"دروازات"موقتة، تشهد تجمعات ونشاطات ثقافية وترفيهية مختلفة". معماري يقترح إعادتها لحفظ تراث المنطقة يوضح المعماري الباحث في التراث المهندس عبدالله الشايب، أن الرجل الكريم كان يطلق على بابه سابقاً،"دروازة"،"دلالة على كرمه وسعة بيته الذي يستقبل الضيوف، ما يعطي دلالة حول أهمية هذا المكان. ومن أشهر"الدراويز"في الأحساء دروازة الخميس والكوت، المطلتين على الأسواق الكبيرة، إذ كانتا مركزين تجاريين مهمين في الماضي"، مضيفاً"لم تكن هذه"الدراويز"مفتوحة على مدار اليوم، بل تُشرع من بعد صلاة الفجر، وتغلق بعد العشاء، فلا دخول ولا خروج منها، بهدف حماية السكان داخلها". ويضيف الشايب، إن"الضيوف كانوا يعرفون هذا التوقيت جيداً، فيستعجلون الخروج قبل صلاة العشاء، وإلا سيمكثون يوماً آخر. وكذلك من كانوا خارج سور البلدة، إذا جاءوا في توقيت الإغلاق لا يمكن أن يدخلوا، حتى إن كانوا من أبناء البلدة، فيضطرون للنوم خارجاً حتى تفتح هذه البوابات الكبيرة صباح اليوم التالي"، مضيفاً"يتم وضع جدول خاص بين رجال البلدة، للتناوب على حراسة هذه البوابات، وإن كان هناك ميسورون فإنهم يوظفون حراسا،ً لحماية وفتح وإغلاق هذه البوابات، وإلا تكون المهمة بين رجال البلدة أنفسهم". ويشير إلى أن هذه البوابات كانت تعد"مكاناً مهماً جداً ومركزاً للتجمع للحروب والغارات، وتؤدى بجوارها العرضة الحربية المعروفة ب"دقوا الحدوة"، وهي صرخات يطلقها مشجعو الفرسان. كما كانت مكاناً أيضاً للمشاجرات المختلفة بين أبناء البلدة أو البلدات المجاورة"، ويتذكر"عندما كنت شاباً في بداية النهضة في القرى، خسرنا جزءاً كبيراً مما تعلقنا به بعد هدم الأسوار، وأذكر في بلدتي الجبيل كان هناك"دروازة"اسمها"أم البيبان"، وسميت بذلك لأنك تدخل من باب لتصل إلى باب الساحة الكبيرة التي تتوسط القرية، وكان يوم الهدم يوم غضب للكثيرين. ولا تزال الساحة صامدة على رغم هدم بواباتها وأسوارها". ويقترح الشايب، أن"يعاد تشكيل هذه المداخل والبوابات، بحيث تحمل عبارات ترحيبية للواصلين إلى المدن والقرى، فالزائر يدخل من قرية إلى أخرى، وحتى من مدينة إلى أخرى، ولا يعلم أين هو". ويطالب أمانة الأحساء ب"إعادة هذه الرموز التاريخية من جديد، التي ستشجع المعماريين والتشكيليين على إعادة إحياء هذا التراث الجميل.