هي اللحظة تأتيك بالغامض بالمفاجئ، بالمثير المحزن، المفرح المضحك المبكي، وتظل لا تدرك سرها لأن القدر أرادها أن تكون لك أو عليك، ولا حيلة لك فيها... تفاجئك اللحظات بما لا تتوقعه، بما لا تأمله، بما لا تشتهيه،وتفاجئك أحياناً بما تحب وبمن تحب وبما تأمل وبما تتوقع، وربما تأتيك بالفرصة الغائبة والبسمة المفقودة. قد يكون لك أمل وحلم، وعاندك الحظ ومال بألحاظه عنك، قاذفاً رياحه في وجهك حتى تسلل اليأس إلى نفسك وخمدت جذوته، وترمدت ذراته في داخلك، ولكن على جنح لحظة، وعلى غير موعد وأنت غارق في غربتك تجد نفسك في أحضان هذا الحلم الذابل، مدججاً بوابل الفرح، وراقصاً على أنغام الدهشة... تسترخي أحياناً في فراشك متلذذاً بالتكاسل النادر، وتتمنى ألا يزورك أحد في اللحظة الجميلة الهادئة، ولكنك تفاجأ بمن يطرق عليك بابك من دون موعد، ويضطرك إلى استقباله مرغماً، ويسرق منك لحظات الاسترخاء، تتذكر إنساناً عزيزاً عليك غائباً عن عينيك، تتمنى سماع صوته أو مجالسته، فتأتيك به اللحظة الغامضة، فإما يهاتفك، أو يبعث لك بمسج، أو تراه أمام عينيك فجأة، وتتركك اللحظة سابحاً في لهفة الحضور. تكتب أحياناً كتابة مليئة بالتشاؤم، غامقة بالأسئلة المريرة، ومشبعة بالألم، ومشحونة بالقهر، وربما مذيلة بتوقيع الأنامل المرتعشة بالقرف، لكنها اللحظة الجميلة تحولها إلى غابة من التفاؤل لتبقى لصيقة بالذاكرة... تثق بأناس تحبهم وتؤثرهم، وترسم لهم في نفسك خريطة رفيعة من المروءة والوفاء، فتسمع عنهم أشياءً تصر على عدم تصديقها وبطلانها، وترى فداحة افتراءاتها فتدافع عنهم، وربما يأخذك الصدق إلى منحنى الشجار لأجلهم، لكنها اللحظة الصادمة تفاجئك بحقيقتهم وتريك ما لم تكن تصدقه وتتركك صامتاً بالذهول! يستوقفك أحد الأشخاص في لحظة عابرة، يحتضنك بحرارة سلامه وسؤاله، ولكنك تقف جامداً متحفظاً، تعرفه لكن اسمه غاب عن ذاكرتك في تلك اللحظة، ما يجعله يسحب يديه بهدوء بارد بعد تلك المصافحة، وعندما تتذكره تكون اللحظة الناسية قد أفسدت عليك معاني الاستقبال الحميم. تذهب إلى الثلاجة لتأخذ طعاماً أو فاكهة، تسد بها جوعك، أو تقف أمام البراد لتصب لنفسك كوباً من الماء تروي به عطشك، لكنها اللحظة تتحول بك فجأة لتصنع فنجاناً من القهوة أو الشاي فتنسى الجوع والعطش... تعد نفسك لموعد غالٍ عليك تنتظره بفارغ الصبر، لتقضيه مع الأحبة من الأهل والأصدقاء والأقرباء، ولكنها اللحظة تغتالك إما بالمرض، وإما بظرف قاهر يحول بينك وبين ذلك الموعد، وتحرمك تحقيق تلك اللقيا الأثيرة، وتشرب ينابيع لذة الاستمتاع بتلك الوجوه الحبيبة إلى قلبك. هي اللحظة إذا تمتعنا تستبد بنا، تسرق منا أحلامنا، تحرمنا من أحبابنا ومن تحقيق أهدافنا، تتوارى بعيداً في غياهب الغضب والقلق تكتب البعيد، وتمحو القريب، تغرقنا في حنانها أحياناً حتى نشعر بأننا سنحيا في جوانب أيامها اللذيذة الممكنة، وتشعل الجوانح بمصابيح الضياء والرخاء، تفتح أشرعة الأمل وتنصب شباك الحزن، تقسو فوق حد القسوة، وتلين قبل مقياس الحدس، تغتالنا من بين أيدينا ومن خلفنا، أندرك سرها ولا نعلم مداها وتقلبها، ولا نشعر بغيثها وجفافها، أو بما ستأتي به من خير أو شر... ونبقى أسرى قدومها إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى. [email protected]