عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى    الأمن البيئي يضبط مواطنًا لنقله حطبًا محليًا في منطقة الرياض    منظمة التعاون الإسلامي تعقد اجتماعًا وزاريًا طارئًا بشأن الوضع في الصومال    عُمان تنشئ مركزًا ماليًا عالميًا على غرار مراكز خليجية    مجلس القيادة الرئاسي اليمني يسقط عضوية الزبيدي لارتكابه الخيانة العظمى وإحالته للنائب العام    فنزويلا تعلن الحداد الوطني    إعلان حالة الطوارئ في إندونيسيا بعد فيضانات مفاجئة    هيئة الأمر بالمعروف بجازان تطلق معرض "ولاء" لتعزيز الأمن الفكري بالتعاون مع بلدية صامطة    الهلال الأحمر يتلقى 148,544 بلاغًا إسعافيًا بالمنطقة الشرقية    الذهب يهبط أكثر من 1% في المعاملات الفورية    هيئة الأدب والنشر والترجمة تستعد لإطلاق مهرجان الكتاب والقراء بالطائف    السديس يلتقي مستفيدي خدمة "إجابة السائلين"    الثقافة الرقمية موضوعا لجائزة عبدالله بن إدريس الثقافية هذا العام    الهلال الأحمر بالجوف يباشر 5324 حالة إسعافية    الزلفي يواجه جدة.. وقمة مثيرة تجمع الرائد والعلا.. والجندل أمام الطائي    يوفنتوس يدخل على خط الهلال    في تجربة شريفة الشيخ.. الخطُ العربي فنٌ حي    مقهى عكاظ يناقش "النص المسرحي باعتباره أدبًا" بالطائف    "إقليمي الحوار والسلام".. دعم المبادرات    «الأخضر الشاب» يستهل مشواره الآسيوي بالفوز على قرغيزستان    الشورى يطالب الجامعة الإلكترونية بتحسين بيئة التعلم    دي غوري: لا أحد منا كان يعتقد الجمع بين عالمين كما فعل ابن سعود    مسجد قباء يستقبل أكثر من 26 مليون زائر خلال عام 2025 ضمن منظومة خدمات متكاملة    صحي القنفذة يحصد اعتماد «منشآت صديقة للطفل»    الفنان أحمد مكي يقاضي مديرة أعماله    «درون» لمراقبة المشاريع والمخالفات    تجديد مدة برنامج تنمية قطاع تقنية المعلومات حتى 2030.. مجلس الوزراء: الموافقة على مشروع قواعد وإجراءات عمل «برنامج المعادن»    مفاوضات بين تل أبيب ودمشق.. اتهام «قسد» بقصف حي الميدان في حلب    إحساس مواطن    58.2 مليار ريال صادرات الخدمات    أمير جازان يتفقد مشروعات أمانة المنطقة ويطّلع على سير الأعمال في عدد من المرافق البلدية    في ثالث مراحل داكار السعودية 2026.. السعودي ياسر بن سعيدان يتصدر فئة «التشالنجر»    فصل موظف كشف آلاف «الأخطاء الإملائية»    من سيرة منْ يقرأ في الحمام    ضد النسخ!    في انطلاقة كأس السوبر الإسباني بجدة.. برشلونة يسعى لتخطي عقبة أتلتيك بلباو    استعرضا تطورات الأوضاع في المنطقة.. ولي العهد والرئيس السوري يبحثان فرص تطوير التعاون    انطلاق معرض الصناعات بمكة    11.5 مليار دولار على ثلاث شرائح.. إتمام الطرح الأول من السندات الدولية لعام 2026    الأمم المتحدة تدعو طهران لاحترام حق التظاهر.. إيران للمحتجين: سنرد بحزم    الذكاء الاصطناعي يقدم نصائح صحية مضللة    بريطانيا تمنع إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً    مختص: فقدان كلجم كل أسبوعين معدل صحي للريجيم    آلة ب400 مليون دولار تصنع عقول الذكاء الاصطناعي    المنتخب الجزائري إلى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا    1.546 زيارة تفتيشية للتجارة يوميا    %99 بلاغات الأدوية غير الخطيرة    نائب أمير تبوك يطلع على التقرير السنوي لفرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة    غدًا.. انطلاق بطولة كأس السوبر الإسباني في جدة    باستخدام طائرة درون.. حرس الحدود بتبوك يحبط تهريب 41 ألف قرص من الإمفيتامين المخدر    الموافقة على مشروع قواعد وإجراءات عمل البرنامج الوطني للمعادن    معهد الدراسات الفنية للقوات الجوية صناعة الرجال وترسيخ القيم    جازان أرض الحضارة وحصن الوطن الجنوبي    الانتماء الوطني والمواطنة    نائب أمير القصيم :القيادة الرشيدة تولي التعليم اهتماما بالغاً    دشن التصفيات الأولية للمسابقة.. نائب أمير مكة: جائزة الملك سلمان نهج راسخ لدعم تحفيظ القرآن    بالتعاون مع هيئة محمية الإمام تركي..«الفطرية»: إطلاق 124 كائناً مهدداً بالانقراض    القيادة تعزي ملك الأردن في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



منطلق جديد للحوار بين الثقافات وأتباع الأديان
نشر في الحياة يوم 05 - 10 - 2013

عقد في مدينة فاس المغربية، خلال الفترة من 30 أيلول سبتمبر إلى 2 تشرين الأول أكتوبر، مؤتمر دولي حول تعزيز الحوار بين الثقافات وأتباع الأديان، تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس. وجاء عقد هذا المؤتمر، الذي شاركت في أعماله، في وقت حرج ٍ للغاية، تفاقمت فيه الأزمة الإنسانية الحضارية الناتجة من تصاعد موجات العنصرية والكراهية وعدم الاحترام للخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية التي هي مصادر للتنوّع الثقافي الخلاق، وروافد للبناء الحضاري الإنساني، والناشئة في الأساس، عن طغيان النزعات الاستعلائية والسياسات الاستبدادية في ساحة السياسة الدولية التي لا يراعي أصحابها مبادئ القانون الدولي ولا يحترمون قيم الحضارات الإنسانية ولا يلتزمون بتعاليم الأديان السماوية التي تحض على إشاعة السلام في الأرض، وعلى السعي من أجل سعادة الإنسان، دونما اعتبار لدينه، أو لجنسه، أو للونه، أو للغته. فالنزعات الاستعلائية، تلغي الإحساس بالتنوّع الإنساني، وتقوّي في النفوس إرادة الشر بالطغيان والغطرسة والشعور بالتفوق وبالتميز، وبالرغبة في الهيمنة والقدرة على فرض الآراء وإملاء السياسات، وانتهاك حقوق الإنسان في أن يمارس حياته بحرية وبمسؤولية وبكرامة.
وتلك هي حوافز الاستبداد التي تقود إلى الأزمات التي يَتعاظمُ خطرُها بقدر ما يتجاهل شأنها عند النشوء، ويفرّط المجتمعُ الدوليُّ في مسؤوليته حيال التصدّي لها بقوة القانون الدولي في أول الأمر، قبل أن تستفحل وتستعصي على التسوية. وما يجري اليوم في ساحات كثيرة من هذا العالم، خصوصاً في منطقتنا، خير دليل على صحة هذا الرأي.
لقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2001 سنةً دوليةً لحوار الثقافات. ولكن العالم دخل في النصف الثاني من السنة نفسها، في دوامة من الأزمات الدولية كان لها، ولا يزال، تأثيرٌ سلبيٌّ على فكرة الحوار في حد ذاتها. وعلى الأمن والسلم الدوليين. فقد عرف عالمنا خلال العقد الأخير والسنوات الثلاث من العقد الحالي، تطورات خطيرة للغاية في عدة مناطق لا تزال مشتعلة إلى اليوم، هي في عمقها من آثار انتهاك القوانين الدولية، والإعراض عن الالتزام بقيم الحوار على جميع المستويات.
وفي خضم هذه التطورات برزت مبادرة جديدة لتعزيز الحوار بين الثقافات، هي مبادرة التحالف بين الحضارات، التي تبناها الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وأنشأ لها مفوضيةً عليا وبذلك تعززت فكرة الحوار الثقافي بفكرة التحالف الحضاري، ونشأ عن هذا الربط المحكم تطور إيجابي سيسير اليوم في الاتجاه الصحيح إذا وجد الدعم اللازم والاهتمام الكافي مما أشاع قدراً كبيراً من الأمل والتفاؤل، وحفز على تجديد الثقة في القيم الإنسانية الخالدة التي انبثقت منها الفكرتان الرائدتان: الحوار والتحالف.
لقد شجعت التجارب الرائدة والناجحة للحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات، على توسيع نطاق الحوار الثقافيّ والحضاري، ليشمل الحوارَ الدينيَّ بين الأمم والشعوب. ومما أعطى قوة لهذا النوع من الحوار، وفتح آفاقاً واسعة للتفاهم وللتسامح الإنسانيين ولاحترام الاختلاف، تلك المبادرة الرائدة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للحوار بين أتباع الأديان والثقافات. وقد تبلورت هذه المبادرة خلال الاجتماع رفيع المستوى المنعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في تشرين الثاني نوفمبر عام 2008، وهو الاجتماع الدولي الكبير الذي فتح أمام الأسرة الإنسانية الآفاق المديدة لبناء عالم جديد على أساس راسخ من التفاهم والتسامح والتعايش على جميع المستويات. وقد نتج من هذه المبادرة إنشاء مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين الأديان والثقافات في مدينة فيينا بجمهورية النمسا.
في هذا الإطار يدخل مؤتمر فاس الذي كان ناجحاً وكان الهدف من ورائه بحث الوسائل والطرق الكفيلة بتعزيز ثقافة الحوار على المستويات جميعاً، وبإشاعة قيم الحوار في جميع الأوساط، ودراسة العوامل التي تحدّ من قوة تيار الحوار، وهي كثيرة، وفتح مجالات جديدة لبلورة الحوار ولتعميقه حتى يكون عاملاً مؤثراً وقوة دفع لعملية السلام في ظل الوئام على جميع الأصعدة انطلاقاً من السلام الروحي والأمن الثقافي بين شعوب العالم.
ولقد كانت الرسالة التي وجّهها العاهل المغربي إلى المشاركين في المؤتمر، وثيقةً بالغةً الأهمية، وافيةً بالقصد، تعد من الوثائق التي تعزّز أدبيات الحوار بين الثقافات وأتباع الأديان والتحالف بين الحضارات، وتغني ثقافة الحوار بالأفكار الرائدة الواردة فيها، حيث أكد العاهل المغربي في تلك الرسالة، إحدى الحقائق المهمة التي يتوجّب علينا جميعاً، نحن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية المنشغلينَ بقضايا الحوار، أن نتوقف عندها طويلاً متأملينَ مغزاها متعمقينَ في معناها، ألا وهي استحالة أن يصبح تعزيزُ الحوار بين الحضارات واحترامُ التنوّع الثقافي واقعاً ملموساً عالمياً ما لم يتمّ ترسيخهما وطنياً. لأن ذلك هو المدخل إلى تعزيز الجبهة الداخلية، وإلى الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي، في هذا الزمن الذي تَتَفاقمُ فيه الصراعات الطائفية، وتتكاثر النزاعات المذهبية، وتتوسّع شقة الخلافات السياسية بين الأمم والشعوب، بل بين أطياف المجتمع الواحد.
وذلك هو الأمر الذي لا سبيل إلى معالجته والتغلب عليه وتجاوزه، إلا بتعزيز الحوار الداخلي على مستويات عدة، من أجل دعم الوئام، وترسيخ الوفاق، وتقوية لحمة الوحدة الوطنية التي هي الجدار الصلب القويّ الواقي من التصدّع وانفراط العقد الاجتماعي.
وبذلك تكون رسالة العاهل المغربي قد وجّهت إلى المجتمع الدولي نداءً صريحاً وناصحاً، أن نبدأ الحوار من الداخل، حتى يكون حواراً إيجابياً مؤثراً فاعلاً له النتائج الملموسة والآثار المشهودة في الواقع المعيش، من خلال ممارسات عملية وإجراءات تنفيذية وسياسات واقعية تنطلق من روح الحوار الإنساني البناء.
وتلك في رأيي، هي المهمة السامية التي تنتظرنا جميعاً لتكون مبادرة خادم الحرمين الشريفين ومؤتمر فاس منطلقاً جديداً لعمل إنسانيّ الروح عالميِّ الأفق، يهدف إلى اعتماد الحوار على جميع المستويات، منهجاً فكرياً وبرنامجاً دولياً ووسيلة فعالة لبناء عالم جديد عادل، يحتكم إلى القانون الدولي ويسعى إلى إزالة أسباب التوتر، ودواعي القلق، وحوافز الصراع، ويواجه الأزمات التي تهدد الأمن والسلم الدوليين بكل حزم وتضامن.
* أكاديمي سعودي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.