وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع الإيطالي    تخريج دفعة جديدة من كلية الملك عبدالعزيز الحربية    في زمن الذكاء الاصطناعي.. اختلط الحابل بالنابل    أداء تاريخي    تكامل جمالي    هيئة الطيران المدني تُكثّف استعداداتها لموسم حج 1447    نائب أمير الشرقية يستقبل مدير عام فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة    ترمب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران    "ما كنت معاهم بالغرفة"!    مضيق هرمز يحدد مستقبل وشكل النظامين الإقليمي والدولي    إيران قبل حصار هرمز.. وبعده    شددت على «السيادة الكاملة».. السعودية: لا سلام دون دولة فلسطينية    أبها يعود إلى «روشن»    صلاح يتصدر قائمة استثنائية لهدافي الدوري الإنجليزي منذ 2020    اختتام بطولة المناطق السابعة للبولينغ في جدة    كوادر وطنية شابة تُسهم في تنظيم نهائيات دوري أبطال آسيا للنخبة بجدة    ولي العهد يتلقى اتصالًا هاتفيًا من رئيس الجمهورية اللبنانية    بوصلة السماء    «الداخلية» تحذّر من حملات الحج الوهمية    أودية وشعاب الأسياح.. لوحة طبيعية ريفية    "الداخلية" تدعو للإبلاغ عن كل من ينقل مخالفي أنظمة الحج    موسيقى العُلا تبدأ من الطريق..    محاربة الصحراء.. حين تتشكّل الهوية في لحظة المواجهة    "الفنون البصرية" تطلق حملة "ما هو الفن؟"    صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين على إقامة مسابقة القرآن الكريم والسنة النبوية الثانية لدول قارة أفريقيا بجمهورية السنغال    المملكة تُدشّن رابع منافذ مبادرة "طريق مكة" بمدينة ماكاسار في جمهورية إندونيسيا    مؤشرات لونية توضح كثافة المطاف والمسعى    رئاسة الشؤون الدينية بالحرمين تكشف عن خطتها التشغيلية في لقاء تنويري غداً    إدارة الأطباء ومغالطة جديدة    الهلال الأحمر بعسير يؤهل الفريق الكشفي المشارك في حج 1447ه    15 طلب توصيل كل ثانية بالمملكة    تشيلسي يواصل التراجع ويخسر أمام برايتون بثلاثية    نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم    "يمناكم " بجازان توقّع اتفاقية مجتمعية مع دعوي صبيا"    موقف رونالدو من تعاقد النصر مع محمد صلاح    بجدارة واستحقاق.. أبها يعود إلى دوري روشن السعودي    نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم        البلديات توضح آليات المهلة التصحيحية للاشتراطات    تقنية لتصريف السيول في بريدة    استقبال طلائع الحجاج بمكة وخدمة جديدة للمعتمرين    %160 ارتفاع معدلات الأمطار في النصف الأول من أبريل    شراكة تدريبية بين يد ترعاك لتطوير المهارات ومركز رفيل للتدريب    السعودية تشيد بكفاءة الأجهزة الأمنية الإماراتية في تفكيك تنظيم إرهابي استهدف الوحدة الوطنية    رئيس الجمهورية العربية السورية يصل جدة    أمير المدينة يدشّن متحف «خير الخلق -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-»    جمعية الثقافة والفنون بأبها تحتفي باليوم العالمي للتراث 2026م    رحيل الفنانة حياة الفهد إثر أزمة صحية    أكاديمية طويق تفتح باب التسجيل في البرنامج الأكاديمي    رئيس مجلس السيادة الانتقالي في جمهورية السودان يصل إلى جدة    حال تحققت انفراجة حقيقية في المحادثات.. ترمب مستعد للقاء قادة إيران    أمير الرياض يرعى حفل تخرج طلاب الجامعة السعودية الإلكترونية    طفلتان حديثتا ولادة تغادران العناية المركزة بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالخرج بعد «90» يوماً من الرعاية المكثفة    أبرز الإخفاقات الطبية (6)    «إسفنجة المطبخ» .. مصدر تلوث خفي    الضغط الصحي    آل الشيخ يوجّه خطباء الجوامع بتخصيص خطبة الجمعة القادمة للحديث عن مكانة المساجد والتحذير من أذى المصلين فيها    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية غانا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رائحة الحياة في "الشقيقة التي أراها" لحلمي سالم
نشر في الحياة يوم 14 - 11 - 2012

نكهة الحياة ومنطقها وأجواؤها جزء حي في كل نص أدبي كبير، وهذا ما نلمسه على امتداد تاريخ الشعر العربي، وإذا كانت قصيدة السبعينات العربية اهتمت بالمجاز اللغوي والاستعارة الكثيفة، فقد تغير الحال اليوم كثيراً، وعادت كتابات السبعينيين أنفسهم لمعانقة الحياة، وطرح نكهتها الحميمة في نصوصهم. وعندما نقرأ قصيدة مثل"الشقيقة التي أراها"من ديوان"سراب التريكو"للشاعر الراحل حلمي سالم، نحس بقضية الارتباط القوي بالحياة، لأن الغالب على أجواء هذه القصيدة معطيات حياة الأسرة القروية التي ينتمي إليها الشاعر، حتى أننا يمكن أن نسميها"القصيدة الأسرية"، ودماغ الشاعر يعمل اليوم، وبحيوية شديدة، على تلقي الأفكار والأحداث ومعطيات الحياة، فيبدأ بتخزينها في مركز الذاكرة، ثم يمارس عملية الخلق في لحظات الإبداع الشعري من خلال إعادة الترتيب والدمج والإلغاء والإضافة والتكوين، لينتج النص المعبر عن الحالة التي يريد توصيلها طبقاً لاحتياجاته وعاطفته ورغباته.
والأسرة -كما هو معروف- نظام اجتماعي حديث يؤثر فيه الكثير من عوامل التطور والتحور، بحيث تتأثر بشكل مطرد بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والأسرة كانت في الماضي القبيلة أو العشيرة، وهي اليوم وحدة المجتمع، وإلى قوتها وقوة قيمها وتقاليدها وأفكارها، تعود قوة المجتمع كله، ودرجة تحضره. والعناصر الأسرية تسيطر على هذا النص، مما ينضوي تحت قضية إعلاء فكرة الأسرة، والعودة إليها، وإلى قيمها، بإزاء الشتات والتمزق الذي تعيشه مجتمعاتنا الآن. وهي الفكرة التي سيطرت مثلاً على السينما الفرنسية لفترة طويلة، إذ صارت الأفلام كافة تصب في قضية الأسرة الفرنسية، وتأكيد كيانها وطبيعتها ودورها في خلق المجتمع الفرنسي.
ولا ننسى ما قاله فرويد عن أن الحكاية العائلية هي -منذ القدم- كانت نواة السرد في المراحل القديمة في زمن الخرافات والأساطير، وفي كتاب"رواية الأصول"لمارت روبير، سنتعرف على ازدهار الرواية الجنيالوجية أو"رواية السلالة"، أما في العصور الأحدث، فإن الكتابة الأدبية المعاصرة ستقوم بهذه المهمة، بعد أن تصير الأسرة بديلاً من العائلة.
ومنذ السطر الأول في نص حلمي سالم، سنستشعر الارتباط القوي بالحياة من خلال وجود الأسرة، إذ الأخت الجميلة بقصة شعرها الفاتنة، وهي تناديه:"يا شقيقي أمامنا عملٌ كثير". وفي مقطع شعري تال، يخاطب الشاعر أخته عن"ختم أمهما"، ودوره وتاريخه في حياة عائلتهم، متذكراً الأغراض العملية التي استخدمته فيها الأم، ويأتي الحديث في سياق الكلام عن الأمانات الغالية التي تحتفظ بها الأسرة:
"ربما استعملتْه حينما تنازلت لأبي عن الفدان الذي/ نابها من أبيها، وربما استعملته حينما وافقت على أن/ يكون للذكور الجانب الإفرنجي من الدوار، وربما/ استعملته وهي تستلم معاش السادات، لكن الأكيد أن/ يداً بعد يدها لم تلمسه إلا يداك، وأنك ستلفينه في/ قماشة نظيفة، وسوف تحفظينه، وكلما/ التقينا في الظهيرة اطمأننت إلى أن عينيك تصونان/ ختم: زاهية السيد نصار".
ويذكر الشاعر اسم أمه كاملاً زاهية السيد نصار اعتزازاً بها وبأخواله وبأصوله القروية، فلها مكانة كبيرة في نفسه، ولفظة نابها هنا ستعود بنا إلى اللهجة المصرية التي تدور على الألسنة بين أبناء الأسرة في حكاياتهم البسيطة، ويعبر بها المصريون عن الضيق من ناحية، وعن الشعور بقلة القيمة في الكمية أو العدد المنتظر في أي شيء سيحصلون عليه من ناحية أخرى.
أما عبارة ستلفينه في قماشة نظيفة فهي تجسد طريقة المصريين البسطاء في الحفاظ على الأشياء حتى لا تضيع أو تتبدد، وهو تعبير شعبي قح يتداوله أبناء الأسر الفقيرة. وينقل لنا الشاعر في مقاطع متعددة لقطات من حياة الأسرة، فيذكر الأدوار والبطولات التي أدتها الأم في حياتها من أجل أسرتها، مثل تنازلها لزوجها أبي الشاعر عن الفدان الوحيد الذي ورثته عن أبيها، واستلامها المعاش الذي ستساهم به في ميزانية البيت. وكتابة الشاعر -في سياق نزوعها الحياتي الحميم- تؤكد أن المرأة القروية في مصر تشكل قوة فاعلة على مستوى الأسرة، رغم المصاعب القاسية التي تعانيها، فهي التى تدير شؤون البيت، مروراً بالتربية والأشغال المنزلية الشاقة، وهي المشرفة الأولى على تربية الأجيال من خلال تأثيرها الأمومي الساحر.
والمرأة القروية في مجتمعنا المصري تكافح وتعانى منذ الطفولة حتى لحظة الموت، والمقطع التالي يبدأ بإبراز الجانب المشرق المتحضر لأمه، ثم ينتهى بالمرض والموت المأسوى والدفن، وهناك لحظة أليمة للغاية عندما عاد من دفن أمه، فقد تمنى أن يراها -مثلما كان معتاداً- واقفة بباب وسط الدار:"هذه أمي على باب وسط الدار/ دلالُها بادٍ فى حَسْرتِها غطاء الرأس/ ومَدَنِيَّتُها فى الابتسامة/ لكن نصفها الأسفل/ -من الضلوع حتى البانتوفل-/ متآكلٌ/ يلزمنى أن أراها واقفةً/ لأننى عدت من دفنها/ قبل أن يُتاحَ لي أن أفردَ أصابعَها".
ويدخل في الارتباط الوثيق بالحياة من خلال التذكر أيضاً، تلك المعاني العاطفية التي عبرت عن لحظات الحب عند الشاعر، وهي لحظات رقيقة وحساسة للغاية من ناحية، وكثيرة أو غزيرة من ناحية أخرى، مما يعبر عن حميمية هذا الجانب لدى حلمي سالم.
ومن المقاطع الطريفة التي أظهرت خفة ظله، هذا المقطع:"ولكنني حين طلبتُكِ فى هاتف المالية/ لم أكن أريد سوى أن أسمع: آلو/ أيوه، مين؟"ص14. تجربة شاعرنا مرتبطة بحياته الفعلية، بشرط أن يكون هذا الارتباط من خلال قوانين الفن، أو من خلال طبيعة الإبداع الشعري التي تقوم بإعادة صياغة عناصر الحياة، وتقدِّمها في جو شعري خاص، قد يظهر لوهلة بعيداً من الحياة، ولعل هذا كان السبب المباشر من وراء ابتعاد الجمهور العام في حقبة السبعينات عن الإبداع عموماً والفنون الأدبية والشعر بخاصة، فالإطار المرجعي للتأويل وقتئذ كان اللغة، وظللنا نحتاج إلى النقد الذي يدرك الأبعاد الشعرية من خلال كشف إطارها المرجعي أو سياقها الثقافي والاجتماعي الذي انتقلت منه إلى النص.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.