في نهاية صيف 1939، رسم بيكاسو في مدينة انتيب في الجنوب الفرنسي واحدة من أجمل لوحات تلك الفترة من حياته، وهي لوحة"صيد ليلي في انتيب"، التي يميل كثر من الكتّاب والنقاد الى وضعها بالتعارض مع لوحته السابقة لها بسنتين"غيرنيكا"، وليس فقط من النواحي الشكلية. اذ يبدو الأمر هنا وكأن الفنان الإسباني الكبير الذي كان يعيش في فرنسا، انطلق من التطوير الذي أحدثه هو بنفسه على الفن التكعيبي، الذي كان واحداً من كبار رواده، ليخلق تكعيبية جديدة تنحو في اتجاه المضمون، بقدر ما تنحو في اتجاه الشكل. ونعرف أن التكعيبية في بنيتها الأولى، كانت شكلاً - وعلاقة ما مع الزمان والمكان في محاولة لإيجاد وحدة بينهما -، أكثر مما كانت مضموناً. لاحقاً سيعمد بيكاسو الى إدخال"برنامج مضموني"ما، الى ذلك التعبير الشكلي، ما استدعى من تكعيبيته أن تصبح ذات وضوح أكثر في استخدامها للعناصر المرسومة، سواء أكانت هذه العناصر كائنات بشرية، ترمز الى أفكار معينة أو تمثل ذاتها، أو كانت حيوانات حصان أو ثور... أو مباني أو حتى مناظر طبيعية. المهم أن اللوحة، في ذلك التطور الجديد الذي أدخله بيكاسو على التكعيبية لم تعد تمثل ذاتها وتقوله، بل صارت أكثر رمزية، وبالتالي أكثر"حداثية". ونعرف في هذا السياق، ان بيكاسو أوصل"إضفاء المعنى بهذا الشكل على أسلوب لم يكن من همومه تقديم معنى"، الى ذروته في لوحة"غيرنيكا"التي صور فيها مأساة تلك القرية الإسبانية التي دمرتها - وقتلت كثراً من سكانها - طائرات النازيين الألمان، دعماً لفاشيي الجنرال فرانكو. للتعبير عن هذا، وظف بيكاسو في اللوحة عناصر تشكيلية كان دائماً ما يقدمها في تعابير أخرى، لكنها هذه المرة استخدمت لمعنى معين. استخدمت لتقدم مشهداً يكاد يوازي مأساة القرية في قوة تعبيره. وقد لفتت، في تلك اللوحة الرائعة، هيمنة الأسود والأبيض ودرجات الرمادي المختلفة، كاستجابة، على الأرجح، لمخزون الذاكرة من صور الحرب والأحداث. من هنا، اذ كان الفنان قد شاء، منذ ذلك الحين ان يستخدم الأسلوب نفسه في لوحات تالية له، أي أسلوب إضفاء معنى وتصوير مشهد ما، لم يكن صدفة أن يدخل اللون على تلك اللوحات. ولكن ليس دائماً. فهو إن كان لوّن كثيراً وفي شكل استثنائي في"صيد ليلي في انتيب"، فإنه سيعود مراراً وتكراراً الى الأبيض والأسود ودرجات الرمادي - المزرّق غالباً - في لوحات رسمها خلال الحرب العالمية الثانية ومن وحيها. من هنا تصبح"صيد ليلي في انتيب"أشبه بجملة اعتراضية في عام ستهجم الحرب العالمية الثانية نهاية صيفه، على البشرية، وربما بعد أيام قليلة فقط من انجاز بيكاسو هذه اللوحة ملوّنة حديثة، وكأنها توحي بحياة وارفة لذيذة. الحقيقة ان نظرة متسرعة الى هذه اللوحة التي يقل عرضها قليلاً عن ثلاثة أمتار ونصف المتر، ويزيد ارتفاعها قليلاً عن مترين ونصف المتر وتوجد عادة معلقة في متحف الفن الحديث في نيويورك، ستقول لنا ان الفنان يعبّر فيها عن رغد العيش وعن شيء من الاحتفال بالحياة. ولعل ما يعزز هذا ان سيرة بيكاسو نفسها تقول لنا انه صيف ذلك العام كان قد استأجر لنفسه شقة في تلك المدينة الساحلية الفرنسية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ليعيش فترة مع عشيقته في ذلك الحين، دورا. وهو استقى ذلك المشهد من الحياة الليلية للمدينة حيث ينشط الصيادون في اصطياد شتى أنواع الأسماك، وهي حياة اعتاد أن يشارك فيها متفرجاً. وبالتالي كان طبيعياً أن يسجلها في تلك اللوحة التي تمثل بالفعل انكباب الصيادين على التقاط الأسماك، وتحديداً أمام نظرات فتاتين واقفتين جانباً تتأملان المشهد بشيء من اللامبالاة، فيما تظهر بوضوح مباني المدينة في أفق اللوحة وفي خلفيتها سماء سنلاحظ بعد حين انها مكفهرة، على رغم ذلك الضوء الأصفر الساطع الذي يبدو وكأنه آتٍ من شمس اصطناعية تتوسط كبد السماء وتنعكس في مياه البحر المخضرّة. واضح هنا أن لون المياه وبقية الألوان الزاهية المنتشرة في ثياب الكائنات البشرية الحاضرة الفتاتين والصيادين وفي أشكال الطيور وما الى ذلك، تبدو هي المهيمنة لدى النظرة الأولى الى اللوحة. غير اننا سرعان ما ننتبه الى طغيان ألوان أكثر قتامة وسوداوية، منها ما يغطي جزءاً كبيراً من السماء ومنها كتل سوداء وبنية غامقة تتوزع بحذق في أماكن شتى من اللوحة وكأنها تقول لنا:"مهلاً... ربما تكون هذه اللوحة غير ما تعتقدون!". والحقيقة ان هذا صحيح، اذ هنا قد يلتفت مشاهد اللوحة الى فعل الصيد نفسه. فهو، كما سيتبين له، ليس صيداً عادياً. انه أشبه بقتل متعمد، بالساطور أو بالشوكة الزراعية، لكائنات بحرية قد يصعب منذ التنبه الى هذا تصور انها أسماك عادية للأكل. وما لا مبالاة المتفرجات هنا، وما الطيور التي تبدو هاربة فزعاً، وما الحيوان المسجى، والذي يبدو انه ثور أو حصان... ما كل هذا سوى إشارة الى ان من المستحيل ان يكون المشهد مشهد صيد عادياً. ومن هنا الفرضية التي قد تشير الى اننا هنا أمام لوحة تعبر، ضمنياً، عما كان يعتمل في ذلك الحين من مخاوف في فؤاد فنان، كان ? كما كانت البشرية كلها في ذلك الحين ? يدرك ان ما تعيشه أوروبا خلال تلك الشهور من احتفال بالحياة وشعور بأن نهاية الحرب الإسبانية، حتى ولو كانت مؤلمة وشهدت انتصار الفاشيين، ستضع حداً للقتل بعد أن تبين دائماً أن القتل ليس الترياق لأي داء كان، ما تعيشه أوروبا على ذلك النحو، ليس أكثر من صورة براقة لواقع أكثر رعباً وتوقع أكثر قتامة. طبعاً لا يمكننا أن نزعم هنا أن بيكاسو أراد أن يقول هذا، بكل هذا الوضوح، في"صيد ليلي في انتيب". ولكن هل كان يمكن فناناً، مسيساً وإنساني النزعة، عاش أهوال الحرب الاسبانية وصورها، ويجد من حوله طبول الحرب تُقرع والنازية التي كان من أبرز محاربيها ايديولوجياً وفنياً تستولي على العقول وتجند شعباً ? بل شعوباً بأسرها ? استعداداً للمذبحة، هل كان يمكنه ألا يفكر بهذا كله حتى وهو يتمشى، مساء، مع حبيبته في انتيب؟ ان جانباً أساسياً في هذه اللوحة، قد يقول: نعم كان في امكانه أن يعيش حياته فرحاً بحاله الخاصة وما الى ذلك. غير ان جانباً أساسياً آخر من هذه اللوحة يؤكد العكس. ما يعني - على الأرجح - أن هذه اللوحة انما تعبر، ضمنياً كذلك، عن تمزق الفنان بين ما يراه وما يأمله، بين ما يعيشه هو شخصياً، وما يعيشه العالم من حوله. وفي الأحوال كافة، سيكون من الصعب الافتراض أن هذا الفنان كان حيادياً في نظرته. ولعله عبر عن لا حياديته هذه من خلال إصراره على تصوير الفنانتين اللتين يرى بعض المؤرخين انهما قد تكونان في الحقيقة، دورا عشيقة بيكاسو، وصديقتها زوجة اندريه بريتون في ذلك الحين في حال لا مبالاة واضحة. فهل لنا ان نعتبر هذا التصوير نوعاً من التنبيه للقول ان اللامبالاة هي العدو الأكبر للإنسانية بعد الفاشية؟ يقيناً ان هذا كله يبقى في حدود الفرضيات، ويرتبط في نهاية الأمر بما لم يتحدث عنه بيكاسو أبداً: حاله الذهنية ورصده للوضع السياسي خلال تلك السنوات القليلة الفاصلة بين مذبحة الحرب الإسبانية، ومذبحة الحرب العالمية الثانية. مهما يكن، فإن بابلو بيكاسو 1881 - 1973 الذي وقف دائماً ضد الحروب، معتبراً أن ليس ثمة من حرب عادلة وحرب غير عادلة، طالما ان الحرب هي في نهاية الأمر قتل وتدمير، يخسر فيها المنتصر بقدر ما يخسر المهزوم، بيكاسو هذا، لم يكن من النوع الذي يتوقف عند لوحاته ليفسرها أو ليوضح ماذا كان يتوخى من خلال رسمها. كان يرسم ويعبر، تاركاً للآخرين أن يفسروا، بل حتى أن يكتبوا - أحياناً - سيرة حياته، اذا شاءوا، من خلال لوحاته، من خلال نظرتهم اليها، ولكن أيضاً من خلال تفسيرهم لها، في لعبة مزدوجة: تفسر الفن على ضوء سيرة حياة مبدعه وكيف كان يعيش ويفكر عند إنجاز العمل، وتفسر حياة الفنان نفسه، من خلال طرائقه في التعبير عن فنه. وفي هذا الإطار لا شك في أن لوحات لبيكاسو مثل"صيد ليلي في انتيب"قادرة، أكثر من ألف نص على كتابة سيرة حياته. [email protected]