تحت وطأة الافلام الهزيلة والهزلية التي تدعي صفة الكوميدية والتي سادت المشهد السينمائي المصري عبر السنوات السبع الفائتة اصبحنا ننظر الى الافلام التي كنا نعتبرها متوسطة الجودة في عقد الثمانينات مثلاً، باعتبارها افضل ما في الامكان ونستقبلها بترحاب وحفاوة شديدين، على رغم أن الثمانينات لم تكن تخلو من اعمال هابطة لكنها لم تكن ابداً بمثل هذه التفاهة ولم يحدث ان منتجيها تهافتوا على تقديم التفاهات كما يحدث الآن. وينطبق هذا التوجه على فيلم"واحد من الناس"الذي إذا ما وضع في مقارنة مع افلام انتجت في ذلك العقد، لكان حظي بنقد اقل كثيراً مما يحظى به الآن من الناحية النقدية على الاقل. ففي ذلك العقد عرض"احلام هند وكاميليا"1988 لاحلام الفقراء المجهضة في شكل افضل، وعالج كل من"سواق الاتوبيس"1983 و"أهل القمة"1981 الضغوط الاقتصادية والمتغيرات الاجتماعية في صورة انضج، وحتى على مستوى سينما الاثارة والحركة كانت هناك نظرة فلسفية اعمق في"ضربة شمس"الذي نفذ قبل ربع قرن بتقنيات اضعف بكثير مما هو متاح الآن. لا تتجنى هذه المقدمة على"واحد من الناس"فقط إنما هي تشمل معظم الافلام القليلة اصلاً التي مُدحت نقدياً خلال السنوات الأخيرة، ومنذ ان بدأت موجة التهريج، في إطار ذلك المفهوم الذي نرضى فيه بالقليل تحت سيادة العشوائيات السينمائية التي تجعل اي ناقد يأنف من الكتابة عن السينما المصرية- فيلم"واحد من الناس"بحد ذاته يحسب له انه اعطى مفهوم الانتقام بعداً جماعياً وليس فردياً أو شخصياً كما في"دائرة الانتقام"1976 ومن قبله"امير الانتقام"1950 المأخوذين ايضاً عن قصة الانتقام الشهيرة"الكونت دي مونت كريستو"، ما أكسبه قوة أكبر واهمية مضاعفة وتفاعلاً متزايداً من قبل المشاهدين. فالذين ظلموا محمود بطل الفيلم وقهروه وحطموا حياته واحلامه واحلام زوجته البسيطة في امكانهم تحطيم حياة اي واحد من الناس"الغلابة"بنفوذهم وعلاقتهم القائمة على سطوة المال وفساد الرشوة وشراء ذمم وضمائر شخصيات مؤثرة مثل الضابط رئيس المباحث محمد شومان. وفي امكانهم التخلص من اي شخص يقف في طريق تحقيق مخططاتهم كما فعلوا مع المذيعة التي تنشد اظهار الحقيقة فأصابوها بعاهة ومع المجند الذي قتلوه بعد تراجعه عن اتفاقه الشيطاني معهم. اقتصاد فني من خلال ثلاث لقطات ممتزجة ومتراكبة، وبعد أن يترك محمود ليقرر إما أن يشهد بشهادة الحق أو الزور التي يريدها الكبار الفاسدون، يعبر المخرج الشاب احمد جلال ببلاغة واقتصاد فنيين عن ان ما حدث لمحمود يمكن أن يحدث لأي مواطن آخر، وذلك عندما يصور اللقطة الاولى من زاوية مرتفعة تضم حشداً من المواطنين البسطاء السائرين في أمان لتزداد اللقطة الثانية ارتفاعاً وتضم حشدا أكبر، ثم تأتي اللقطة الثالثة بمجموع غفير من هؤلاء الناس. في بداية الفيلم نتعرف الى محمود كريم عبدالعزيز الشاب الصالح الذي، على رغم حصوله على شهادة جامعية، يعمل مديراً لأمن احد مرائب الفنادق الكبرى، كما نتعرف الى زوجته الشابة الحامل، منة شلبي، وابيه العطار محمود الجندي، والثلاثة يعيشون معاً في سعادة واستقرار في شقة الأب في حي الازهر الشعبي. خلال إحدى ليالي عمله، يشهد محمود مشاجرة بين شابين من أولاد الاثرياء المدللين تنتهي بقتل احدهما الآخر بسبب صراعهما على فتاة. وتبين أن القاتل هو ابن أحد رجال الأعمال الكبار والمرموقين اجتماعياً: كمال ابو العزم عزت ابو عوف. يلجأ محامي أبو العزم المخضرم والفاسد احمد راتب الى رشوة رئيس المباحث الفاسد ايضاً بمليون جنيه فيتفق هذا بدوره مع المجند سليمان عيد الذي يعمل في أمن المرأب نفسه مع محمود على أن يعترف أمام المحكمة أنه هو الذي أصاب القتيل بمسدسه من طريق الخطأ مقابل حصوله على خمسين ألف جنيه. وكان لا بد من أن يشهد محمود زوراً بأن هذا هو ما حدث لكي تتم هذه العملية التلفيقية خصوصاً أن الضابط يخبره انه سيخرج من قسم الشرطة إما شاهداً أو متهماً. لاحقاً حين يعلم المجند بخبر موت أمه التي اضطر من لإلصاق التهمة بنفسه ليجري لها جراحة تنقذ حياتها، يقوم بتغيير أقواله أمام النيابة ما يدفع ضابط المباحث والفاسدين معه الى شنقه داخل السجن ليبدو الأمر وكأنه أقدم على الانتحار. هنا فقط يصر محمود من دون تردد على قول الحقيقة ضارباً عرض الحائط بكل الاغراءات المادية والتهديدات الجادة، لكن ثمن شجاعته كان فادحاً اذ يقتل رجال ابو العزم زوجته البريئة بعد أن وضعت طفلها، وعندما يحاول الانتقام بشكل ساذج بخطف بندقية أحد الجنود وتوجهه لقتل كمال ابو العزم للقضاء عليه، يتهم بسرقة"سلاح ميري"ومحاولة القتل، ويحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. داخل السجن يتعرف الى حوت آخر من رجال الأعمال زج به من السجن حوت أكبر منه يدعى المنوفي وهو على شاكلة كمال ابو العزم، ولأنهما يتقاسمان الظلم نفسه يخططان للانتقام المدمر الذي سينفذه محمود بعد خروجه بمساعدة أموال رجل الأعمال المسجون وترتكز خطة الانتقام على أحداث الوقيعة بين رجلي الأعمال. نصف ثان من هنا يبدأ النصف الثاني من الفيلم الذي تتبدى فيه قدرات بلال فضل وموهبته في الكتابة السينمائية التي لا ندري لماذا أهدرها في اعمال مثل"حاحا وتفاحة"و"صايع بحر"و"عودة الندلة"و"وش إجرام"، فهذا النصف الثاني من السيناريو يترك المشاهد في حال متابعة وتركيز لتجميع الخطوط الدرامية المترامية لكنه لا"يتوه"ويخفي عنه حقائق ومواقف ستشفي غليله عندما يكتشف ماهيتها وعلاقتها بخطة الانتقام في نهاية الفيلم. أحمد جلال مخرج واعد لا بد له من أن يختط لنفسه خطاً خاصاً ذا بصمة شخصية أي على العكس من والده المخرج نادر جلال الذي يعمل بحرفية وكفاءة كبيرتين في كل الأنواع الفيلمية المختلفة لكن من دون تلك البصمة، استطاع جلال التحكم جيداً في ايقاع الفيلم على رغم مدة عرضه الطويلة نسبياً على العكس من زميله الشاب والواعد ايضاً مروان حامد في"عمارة يعقوبيان". كما أنه لم يستعرض بالكاميرا سوى في لقطة واحدة لم يكن لها مبرر درامي أو حتى جمالي وهي تلك التي تحركت فيها الكاميرا على مستوى ملاصق لأرضية المرأب وكأن عين الكاميرا هنا عين حشرة زاحفة الى أن وصلت الى المائدة الصغيرة التي يجلس اليها محمود وزميله المجند. ومن اللقطات الدالة درامياً والتي تتعلق بذكاء فني بصري تلك التي صورت شجرة كبيرة مترامية الافرع في مقدمة الكادر وفي الخلفية أحد الجسور التي تسير عليها السيارات بحركة أسرع من الحركة العادية لتقول إن القيم الاصلية كقيم محمود وأبيه وزوجته هي قيم ثابتة مهما كانت سرعة تغير المجتمع وتحولاته الى الاسوأ. لكن على طريقة الأفلام الأميركية التجارية افرط جلال في استخدام الحركة البطيئة ولولا الاستخدام الأخير لها مع مشهد إلقاء رجال النيابة العامة القبض على ضابط البوليس المرتشي لكان من الممكن استخدامها في صورة درامية ودالة بشكل أفضل وأهم، بحيث تصبح"ملازماً"لشعور محمود بالخطر من حوله. أوحت الاستخدامات الثلاثة الاولى للحركة البطيئة فعلاً بذلك الميل، فكانت المرة الاولى اثناء واقعة القتل من المرأب والثانية عند تلقي محمود اتصالاً هاتفياً من المذيعة تقول له فيه انها تعلم أنه قام بتغيير أقواله، والثالثة عندما يعلم بوفاة زوجته ويقرر خطف السلاح من الجندي. كلها بدت من تأثيرات الأسلوب الأميركي التقني، ولكنها نفذت هنا في شكل جيد وطبيعي وهذا هو المهم فأثناء اشتباك محمود مع قوات حراسة فيلا كمال ابو العزم تأتي لقطة لمحمود وهو يستلقي مصاباً على نقالة الاسعاف فيما يكون المشهد ما زال دائراً على الشاشة. اما شخصية ضابط الشرطة المرتشي بالصورة التي جاءت عليها وبأداء شومان لها فهي من المؤكد متأثرة بنمط الشرطي الأميركي المرتشي المتطرف. وكما يفعل البطل الأميركي المنتقم والمسالم اصلاً بذهابه الى قبر زوجته قبل البدء في تنفيذ خطته ووعده لها بالأخذ بالثأر وهي صورة متكررة في أفلام هوليوود كان أحدثها في فيلم"الصخرة"عندما يذهب اد هاريس الي قبر زوجته واضعاً عليه نيشان بزته العسكرية قبل إقدامه على الانتقام، يذهب محمود الى قبر زوجته واضعاً على قبرها بطاقة بريدية تصور الشلالات عين السلين بالفيوم التي كانت تأمل في زيارتها وكان هذا أكبر حلم في حياتها. لكن بعد كل تلك المشاهد الكبيرة والمكلفة والمنفذة على مستوى أميركي جيد لإحراق سيارات معرض المنوفي، وكما يقول المثل الشعبي القديم ان"الطبنجة باظت بسب حبة ملح"نجد لافتة على قبر الزوجة مكتوب عليها ولدت العام 1979 وتوفيت العام 2006 والواقع أنها توفيت عام 2003 حيث ان محمود قضى في السجن ثلاث سنوات كاملة بعد مقتلها مباشرة إلا اذا كانت احداث الفيلم تدور في فترة مستقبلية العام 2009 مثلاً. حبة الملح ايضاً بخل بها صناع الفيلم على الاهتمام بالصحف التي كان يقرأ محمود داخل السجن اخبارها عن رجل الأعمال السجين قبل لقائه اذ جاءت هذه الأخبار على ورق ابيض ملصوقاً على صفحات الجرائد أكثر من خمس مرات في صورة واضحة ومستفزة اخذت كثيراً من صدقية الجهد المبذول في العمل ككل. وعلى طريقة افلام هوليوود بمبالغاتها السلبية ففي مشهد ما قبل النهاية من سيارة ابو العزم التي امطرها رجال المنوفي بطلقات الرصاص واحترقت عن آخرها يخرج محمود حياً سالماً كالشعرة من العجين. من ناحية أخرى يبدو أن بلال وجلال تذكرا فجأة أن المذيعة بسمة يجب أن تكون تأثرت جسدياً بذلك الانقلاب الكبير الذي حدث لسيارتها في الطريق السريع على أيدي الشرطي ورجال ابو العزم فاظهروها في آخر مشهد لها وهي تسير بنوع خفيف من العرج حتى لا يعلق أحد. هذا ليس تصيداً لاخطاء الفيلم بقدر ما هو نوع من اللوم لصنّاعه على الاستسهال والاستعجال لكي يلحق الفيلم بموسم الصيف. فهذه الاشياء البسيطة تقلل من قيمة العمل وفي الوقت ذاته كان يمكن معالجتها من اجل الحفاظ على صدقيته، بعض ملامح هذا الاستسهال وردت على لسان ابو العزم في المشهد الأخير داخل سيارته عندما يقول لمحمود"يجب ان تشكرني لانني ادخلتك السجن وإلا لما كنت ستصبح على هذا المستوى من الذكاء"ويقصد الذكاء الذي خطط به للانتقام. هل هذه الجملة كافية لجعل المشاهد يقتنع بان تجربة السجن هي التي منحت هذا الشاب البسيط العادي كل ذلك الذكاء وتلك العقلية الدقيقة والمدبرة في التخطيط والتنفيذ؟ وعلى المنوال نفسه، ولأنه لا يمكن التخلص من البطل مبكراً وإلا فلن يكون هناك فيلم، يقول المحامي لابو العزم في استسهال فج، بل استخفاف بذكاء المشاهدين:"اننا لن نستطيع التخلص من محمود لأن ليس لديه سيارة كالمذيعة وليس لديه دافع للانتحار كالمجند الذي شنقوه"وكأن هؤلاء الطغاة، بعد كل ما رأيناه منهم على الشاشة وما نسمع عنه كل يوم في الواقع، يمكن ان يقف أمامهم أحد.