ينبغي توقع عقود من الزمن ترتفع في أثنائها أسعار المواد الأولية، فالاقتصاد العالمي ينمو أسرع من التوقعات، وعليه استقبال 2.5 بليون هم سكان الصين والهند. وينجم عن هذا طلب إضافي قوي لا يستدرك التجديد التكنولوجي ولا يوازنه. واضطلع هذا التجديد، الى اليوم، بكبح ارتفاع الأسعار، وفي بعض الأحيان اضطلع بتخفيضها. وفي الأعوام 1980 وپ1990، ادت الأرباح والمكاسب في فاعلية القطاعات الزراعية والتعدينية الى تخفيض الأسعار. والحق ان الاقتصاد لن يتحرر تماماً من الدورات والأزمات وعلى سبيل المثال، فالسعر الواقعي لبرميل النفط أقرب الى 50 دولاراً منه الى 70 دولاراً. ولا ريب في ان أسعار بعض المواد الأولية تنزع، على المدى البعيد، الى الزيادة أعواماً كثيرة. على رغم ان استبدال بعض الموارد بمنتجات تحل محلها يسهم في امتصاص الصدمة. وعلى خلاف أحوال سابقة انتهت بالمواد الأولية الى فائض انتاج بعد مدة من القصور، تبدو الصدمة هذه المرة أقوى من سابقاتها. وتتولى استجابة الطلب المتعاظم بلدان منتجة مستوى حوكمتها وتدبيرها الاقتصاديين والسياسيين، مترد وضعيف. ولا يُتوقع ان تنهض بإنتاجها الى مستوى الطلب والحاجات قبل وقت طويل. ولو ان البلدان الافريقية والأميركية اللاتينية تحظى بتدبير من صنف تدبير استراليا وكندا، لما دعا الأمر الى القلق. وأزعم، آسفاً، ان طاقة افريقيا على حل مشكلاتها لا تبعث على التفاؤل. وإلى الطاقة، وهي عامل استراتيجي يقوي التطور الراهن دوره في المنازعات الدولية، لا شك في ان استغلال الموارد الطبيعية يؤذن ببلورة توترات وليس باندلاع منازعات. فطفرة الصين والهند تخلف آثاراً عميقة في ميزان السلطة العالمي. ولا يضارعها خطورة وجه آخر من وجوه العولمة وتظاهراتها. ولا يبدو ان البلدان المتقدمة تعد العدة لقبول حال من التبعية المتبادلة: فتطلب المواد الأولية على نحو ما تطلب البلدان النامية السلع المصنّعة والتكنولوجيا، وعلى مقدار طلبها. ولا ننسى، ان الحرب العالمية الأولى اندلعت، جزئياً، جراء قلق ألمانيا من احتكار القوى الأخرى حصة كبيرة من النفط العالمي والمواد الأولية الأخرى. ولا تتردد بكين، اليوم، في عقد انواع الاتفاقات كلها في سبيل تلبية حاجاتها على المدى البعيد. ولكن المقارنة بين الحالين قاصرة وضعيفة. وليس معنى القول هذا ان سياسة الصين الخارجية تبعث على الاطمئنان. فهي لا تتورع في سعيها المحموم الى تلبية حاجاتها عن التفاوض مع حكومات مارقة وفاسدة، على خلاف ما يفترض في دولة كبيرة. وهذا ما ليس في مستطاع الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي الرضى به طويلاً. وعليهما، عاجلاً أم آجلاً، حمل الصين على الامتثال لمعايير العلاقات الدولية. وإذا لم تمتثل الصين، ادى ذلك الى تفشي الفساد في العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية، وتفاقمت التوترات، وتبلورت على نحو يتهدد الأمن الدولي. عن كينيث روغوف مدير مركز التنمية الدولي في جامعة هارفرد، "لوموند دو ليكونومي" الفرنسية ، 13/6/2006