تفترض "غايا" وهو اسم ربة الأرض الأسطورية عند الاغريق ان كوكب الأرض نظام يجدد نفسه، ويقيم موازنة بين عناصره، ويتكوّن من مجموع أشكال الحياة فيه وعليه. وهذه الأشكال مترابطة ومتشابكة، ويأتلف منها نظام قيد التطوّر"يحاول"تنظيم الأحوال على وجه الأرض، ويتولى تعديلها لتبقى مؤاتية، قدر المستطاع، للحياة الجارية. وقد تسهم هذه النظرية في تعليل دوام الحياة على كوكبنا، طوال بلايين السنين، على رغم ارتفاع حرارة الشمس. من طريق عدد من العناصر الطبيعية، مثل العصور الجليدية وطحالب المحيطات وتشقق الصخور، نجحت الأرض في حفظ الكمية الضرورية لحبس الحرارة، من غاز ثاني أوكسيد الكربون، فبقيت درجة الحرارة مستقرة الى حد ما. ويختل التوازن الحراري جراء الوقود الأحفوري المفرط، والباعث كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون في الجو. ويرى صاحب"غابا"، لافلوك، ان البشرية المعاصرة تجر الأرض الى شفير الهاوية. ويتوقع أن ترتفع الحرارة في الغلاف ارتفاعاً كبيراً وسريعاً. وقد يفوق الارتفاع المعدلات التي تتكهن بها الكومبيوترات في محاكاتها الحسابية تغيرات المناخ الآتية: ولما كانت الأرض"تلهث"لتحافظ على متوسط برودتها، تهددها الارتفاع الاضافي بخطر محدق. ولن يلبث اتفاق وقوع ظواهر طبيعية متضافرة: فتفنى الطحالب البحرية في مياه دافئة، ويتدى المعدّل الحراري الذي تقي به النباتات الصغيرة الجوَّ من الكربون، وتنقرض الغابات المدارية، وتزيد معدلات التبخّر، وتحدث تغيرات حادة على الأديم الأبيض الذي يعكس الموجات الحرارية، شأن الجليد الذي يردّ أشعة الشمس الى الفضاء، وتحل محله زرقة البحار التي تمتص الحرارة أو خضرة الغابات القطبية في الجبال العالية. وتبتعث كميات كبيرة من غاز الميثان المحتجز في البلورات الجليدية، في الشمال المتجمّد أو تحت البحر. وهذا الغاز هو في مثابة دفيئة تحبس الحرارة. ويؤدي بعض هذه العمليات، وكلها مجتمعة بالأحرى، الى تسخين على نحو تستحيل معه الحياة، كما نعرفها، في عدد من المناطق. ويتوقع لافلوك أن يستطيع 200 مليون شخص البقاء على قيد الحياة أي 1 على 30 من عدد سكان الأرض اليوم، اذا عمد قادة أكفّاء الى انشاء مواطن للبشر قرب المحيط المتجمّد الشمالي. ونظرية التوقعات المناخية التقليدية لم تحتسب تأثير دورات"التقوية"الذاتية التي ينجم عنها ارتفاع درجات الحرارة، وضعف الكوكب المجهد والموشك على خسارة توازنه. وتلقي نظرية"غايا"الضوء على العلاقات والروابط التي يسعى العلماء في تحديدها، ببطء، بين النُظم. وفي أثناء العشرين سنة المنصرمة، مع خطو علم الدفيئة المناخية خطواته الأولى، اشتدت معظم تأثيرات الإحماء في العالم أكثر من المتوقع. وفي المقارنة مع نماذج مناخية افتراضية سبقت، ذاب الجليد سريعاً، وبعثت تربة الغابات من الكربون أكثر مما قدر لها، وتعاظمت عدداً وقوة. ويتسرب غاز الميثان من تحت الجليد السيبيري خمس مرات فوق المتوسط المتوقع. وهذه أخبار سيئة. وثمة من يتوقع 10 سنوات من التغييرات المناخية الى 2015 يتدفق في أثنائها الكربون في الجو، قبل الانتقال الى"كوكب مختلف"تضعف فيه طاقة الأرض على استعادة توازن عناصرها. وهذه سنة انصرمت، وبقيت تسع، وهي برسم"الهيئة الحكومية العالمية للتغيرات المناخية"التي تصدر تقريراً جديداً يلخّص نتائج أبحاث العلماء منذ التقرير الماضي. قد لا يتسع التقرير للمستجدات المتسارعة. وباتت توقعات الفيلم الوثائقي،"الحقيقة المزعجة"، للمخرج دايفس غوغنهايم 2005 الذي يقدم رأي آل غور، نائب الرئيس الأميركي سابقاً، متخلّفة عن الأحوال التي استخلصتها الدراسات العلمية الحديثة. والحق ان سكان العالم يفهمون ببطء أن إحماء الأرض مشكلة حقيقية. وشرعت بعض الهيئات التشريعية خارج الولاياتالمتحدة في معالجتها. ولكن قليلين يدركون خطورة الموجة المناخية الكبيرة الآخذة في الاتساع، والقادرة على تدمير الحضارة. والسؤال الحقيقي هو: هل نستطيع فعل شيء يقلص قوتها المدمّرة؟ عن بيل ماكيبين، "نيويورك ريفيو أوف بوكس" الأميركية، 16/11/2006