33 عامًا من الإخلاص… العماشي يختتم مسيرته ويترك بصمة لا تُنسى في تعليم جازان    مسؤولية الكلمة    الإحصاء: 988 طالبا خليجيا في التعليم العالي الحكومي و5,036 في العام    وكالة الفضاء السعودية: عام 2025 يشهد نشاطا شمسيا متزايدا    عودة 270 ألف طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة في الطائف بعد إجازة الخريف    القبض على مواطن بتبوك لترويجه ( 4,865) قرصاً من مادة الامفيتامين المخدر    3 شراكات استراتيجية لتمكين 356 مواطن في صناعة السيارات الكهربائية والأجهزة الالكترونية المتقدمة    إعلان القائمة الأولية للمترشحين والناخبين لإدارة "هيئة المهندسين"    الاحتلال الإسرائيلي يطلق قنابل الغاز تجاه المركبات عند المدخل الشرقي لقلقيلية    مارسيليا يفرّط في صدارة الدوري الفرنسي بتعادله مع تولوز    أمطار رعدية على جازان وعسير والباحة ومكة.. ورياح وغبار تمتدان إلى مناطق شمالية وغربية    ميلان يرتقي لصدارة الدوري الإيطالي عقب الفوز على لاتسيو بهدف    في إنجاز سعودي جديد بالفضاء… المملكة تعلن عن نجاح إطلاق قمرين صناعيين سعوديين    وسام المسؤولية المجتمعية يُزيّن مسيرة رئيس مركز الزهراء الاجتماعي بالعاصمة المقدسة.    جدة تختتم منافسات الجولة الرابعة من بطولة العالم لسباقات الزوارق السريعة الفورمولا1    رافد الحرمين تبدأ تدريب العاملين لخدمة ضيوف الرحمن لموسم حج 1447ه بمسارات اللغات.    محمد التونسي ورئيس ثقات الثقافي يكرّمان د/أمل حمدان نظير جهودها    1.7 مليار ريال صادرات التمور السعودية    الاتحاد يقصي الشباب ويتأهل لنصف نهائي أغلى الكؤوس    الفرنسي «سيباستيان أوجيه» يتوج ببطولة العالم للراليات في جدة    في المرحلة ال 13 من الدوري الإنجليزي.. ديربي ناري بين تشيلسي وآرسنال.. وليفربول ويونايتد ينشدان التعويض    تمويلات مليارية لمشروعات (المتجددة)    بحضور محافظ جدة .. القنصلية العمانية تحتفل باليوم الوطني لبلادها    القيادة تعزّي الرئيس الصيني في ضحايا حريق المجمع السكني بهونغ كونغ    طالبت مجلس الأمن بالتصدي للانتهاكات السافرة.. السعودية ترفض الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا    الزهراني يحتفل بزواج عارف    إغلاق 1.3 ألف منشأة مخالفة بحملة «مكة تصحح»    لبّان بروفيسوراً    مصر تؤكد ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة    وسط ضغوط سياسية وقضائية.. جدل التجنيد يتجدد في إسرائيل    أمران ملكيان بالتمديد لنائب ومساعد وزير الاقتصاد 4 سنوات    دعم فرص الرواد في مكة    80 ألف زائر لكأس نادي الصقور 2025 بالشرقية    فيلم سعودي يستعيد بطولات رجال مكافحة المخدرات    احتضنته جزيرة شورى في البحر الأحمر بحضور الفيصل والدوسري.. وزارة الرياضة تنظم لقاء يجمع قيادات وسائل الإعلام السعودية    أطعمة تساعد على النوم العميق    استشاري: ألم الصدر المتغير غالباً ما يكون عضلياً    الربيعة: تنمية العمل الإغاثي على أُسس سليمة وقواعد راسخة    حبيبي راح    أمير جازان يعزي أسرة المحنشي    تركي آل الشيخ يترأس مؤتمر الموسيقى العربية في الرياض    حماية النشء في منصات التواصل    ثقافة الاعتذار    رباعيات «الزعيم» و«العميد» تقودهما لنصف نهائي كأس الملك    الاحتلال قتل 130 طفلاً و54 امرأة منذ وقف إطلاق النار بغزة    الفضة يسابق الذهب ويرتفع 30%    50 مركبة تعبر منافذ المملكة كل دقيقة    القنفذة الأقل ب4 أطباء نفسيين فقط    موجة انتقادات متجددة لShein    الصقور يصلون الدوحة    أفريقيا تعلق عضوية غينيا بيساو    ضبط 1667 متسللا لداخل الحدود    آل الشيخ ل الوطن: المملكة تحمل لواء الوسطية والاعتدال حول العالم    أمير حائل يدشن مستشفى حائل العام الجديد غداً الأحد ب 499 مليون ريال    مدير إقليمي وافد يعلن إسلامه متأثرا بأخلاق المجتمع السعودي والقيم الإسلامية    استعرضا عدداً من المبادرات والمشروعات التطويرية.. أمير المدينة والربيعة يناقشان الارتقاء بتجربة الحجاج    إتاحة التنزه بمحمية الطوقي    أمير تبوك يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مستقبل الدور العربي لمصر
نشر في الحياة يوم 11 - 10 - 2006

تمر مصر بمرحلة مهمة ومنعطف خطير في تاريخها الحديث. فالشارع المصري يتغير بشكل ملحوظ، كما أن الثقافة السياسية السائدة تغيرت هي الأخرى وأصبحنا أمام أسلوب مختلف عند تناول قضايا العمل الوطني العام، فمساحة الديموقراطية تتسع وتظهر تعبيرات جديدة لم تكن متداولة من قبل بهذه الصورة مثل تعبيرات"الفساد الشامل"و"الإصلاح الجذري"، واقتحام مواقع لم يكن مسموحاً بالتفكير فيها، حتى أصبحنا أمام واقع جديد يدل كل ما فيه على أن مصر ستطل على شقيقاتها العربيات خلال سنوات قليلة بفكر مختلف وعقل أكثر نضوجاً وقلب أكثر تفتحاً. لقد تعودت مصر - واعتاد معها العرب - أن تكون"دولة نموذج"وحين أعرضت مصر عن ممارسة دورها الطبيعي والطليعي، فإن جزءًا كبيراً من أضوائها بدا خافتاً وشاحباً ومتوارياً حتى ترددت أحاديث كثيرة عن وراثة الدور المصري، كما تناثرت أخبار عن حال الابتعاد بين مصر والعرب، وهي للمناسبة حال نظرية غير قابلة للتطبيق، فعروبة مصر - كما قلنا مراراً وكررنا في العديد من المناسبات - ليست رداءً ترتديه الكنانة حين تريد وتخلعه متى تشاء، ولكنها قدر ومصير وحياة. وإذا تتبعنا جذور الدور العربي لمصر فسنكتشف أنه مر بمراحل ثلاث: هي العروبة الدينية، والعروبة الثقافية، ثم العروبة السياسية. ويمكننا أن نتحدث عن كل مرحلة بما يعكس دورها على العلاقات المصرية العربية.
- العروبة الدينية:
كان ارتباط مصر بالدول العربية المجاورة ارتباطاً دينياً بحتاً، فعندما تحدث أبناء البر المصري عن بر الشام، وبر الحجاز، فإنما كانوا يتحدثون عن الأبعاد الظاهرة للدولة المصرية في وقتها. وعندما وفدت الحملة الفرنسية إلى مصر وقتل سليمان الحلبي ثاني قائد للحملة الجنرال كليبر فإن التفسير الوحيد لدوافع القتل كان إسلامياً بالدرجة الأولى، إذ عز على طالب الأزهر الوافد من الشام أن يرى عدوان الفرنسيس على ثقافة العامة وفكر الدهماء. لذلك، فإنه عندما تولى محمد علي الحكم في مصر بإرادة شعبية وسعى للاستقلال عن السلطنة العثمانية فإن فتوحاته العربية كانت تعزيزاً له ولأسرته وتأكيداً للروابط الدينية التي كانت تشكل العنصر الأساس في الرابطة القومية القائمة على أساس ديني بين مصر وجيرانها تحت مظلة السلطنة العثمانية أو خروجاً عليها.
- العروبة الثقافية:
ونوقِّت لها بفترة الهجرة مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما كانت مصر هي ملاذ الحرية لطالبيها من مثقفي الشام الذين نزحوا إلى مصر هروباً من قبضة الاحتلال العثماني وبحثاً عن مناخ سياسي واجتماعي يتواءم مع طموحاتهم الفكرية والثقافية. فوفدوا إلى الكنانة وأنشئوا فيها الصحف الكبرى وانخرطوا في سلك المسرح والسينما وغيرها من مظاهر التحديث التي استثمر فيها الشوام مع إخوانهم المصريين. وظلت العروبة الثقافية هي السائدة في تحديد طبيعة الدور العربي لمصر من خلال الصحف والمسرحيات والأفلام والمعلم المصري والطبيب المصري فكانت العلاقة ذات طبيعة ثقافية تعليمية. وعندما قامت الجامعة العربية، فإن النحاس باشا رئيس الوزراء وزعيم الغالبية كان يتحدث عن العروبة من مفهوم ثقافي يتصل بالجيران، وكان يشير إلى بعضهم بتعبير"الأخوة الشرقيين"فلم تكن للعروبة السياسية أبعاد واضحة في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، على رغم قيام جامعة الدول العربية.
- العروبة السياسية:
إننا نعتبر قيام ثورة تموز يوليو 1952 هو بداية التوقيت الفعلي لعروبة مصر السياسية، إذ أخرج جمال عبد الناصر مفهوم العروبة من مضمونه الديني والثقافي ليضيف إليه البعد السياسي. وكانت حرب فلسطين الأولى هي المخزون الفكري الذي انطلق منه عبد الناصر ورفاقه للتوجه نحو العروبة السياسية، فيما كانت حرب السويس عام 1956 بمثابة نقطة تحول في إظهار عبد الناصر كزعيم وطني تحرري إلتفَّ حوله العرب بشكل غير مسبوق حتى قامت"دولة الوحدة"عام 1958، وبدأت سنوات الحلم القومي في الازدهار. واتجه العرب نحو القاهرة كمركز للعروبة السياسية ليست فقط مركز إشعاع للعروبة الدينية أو الثقافية، وخاض عبد الناصر معارك ضارية تحت مظلة القومية العربية. وكان المفهوم السياسي للعروبة هو الذي يتقدم شعاراته، فلم يركز على العامل الديني أو الثقافي قدر تركيزه على العامل السياسي المتصل بالحرية والاشتراكية والوحدة العربية. وهكذا نجد أن العروبة السياسية ارتبطت تاريخياً بثورة تموز يوليو المصرية وزعامة عبد الناصر التاريخية.
... لقد أردنا من استعراض المراحل الرئيسة في تاريخ الدور العربي لمصر أن نثبت أن مفهوم الدور المصري تطور، إذ لم يكن سياسياً منذ بدايته، ولكنه كان دينياً ثقافياً بالدرجة الأولى. لذلك، فإننا نتساءل الآن ما هو مستقبل هذا الدور؟ ولكي نرصد ملامح هذا المستقبل فإننا نوجزها في النقاط الاتية:
- أولاً: يتعين علينا الاعتراف بخصوصية العروبة في مصر، وهي خضعت لظروف تاريخية مختلفة. والمواطن المصري العادي لا يزال ينظر إلى البعدين الديني والثقافي قبل البعد السياسي في علاقته بالأشقاء العرب، وتلك ظاهرة تستحق الدراسة لأنها تعني أن مصر ما زالت ترى أنها من نسيج مختلف فإذا سألت مصرياً من يكون؟ فسيقول لك أنا مصري مسلم أو مسيحي، ولكن هويته العربية لن تتصدر أولويات تعريفه بنفسه، وهو ينفرد بذلك عن كثير من أشقائه العرب في الأقطار الأخرى خصوصاً في بلاد الشام.
- ثانياً: إن أصداء الحضارات المتعاقبة، وفي مقدمها الحضارة الفرعونية، أسهمت في تغذية الشخصية المصرية بدرجة عالية من الاستقلال والإحساس بالذات. ولاحظت أن النعرة الشعوبية بدأت تتصاعد في عدد من الأقطار العربية، بينها مصر. وازدهرت تلك النعرة عندما اتجه الرئيس الراحل أنور السادات إلى توقيع اتفاق"كامب ديفيد"واتفاق"السلام"مع إسرائيل، فارتفع شعار"مصر أولاً"في ردة واضحة عن سنوات العصر الناصري. وإن كان الملاحظ حالياً أن درجة من التوازن بين العروبة الدينية والثقافية في جانب، والعروبة السياسية لمصر في جانب آخر، بدأت تظهر، خصوصاً مع تزايد مخاطر السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وتجاه المنطقة كلها.
- ثالثاً: إن التيار العروبي في مصر - حتى الثقافي منه - واجه تحديات معروفة في النصف الأول من القرن الماضي، فظهرت حركة في الفكر والأدب تدعو إلى التغريب وتربط مصر بدول حوض البحر الأبيض المتوسط، حتى أن كاتباً كبيراً بحجم عميد الأدب العربي طه حسين ربط في كتابه"مستقبل الثقافة في مصر"بين الثقافتين المصرية واليونانية، كما أن أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، والمفكر الاشتراكي سلامة موسى، وعميد المسرح المصري توفيق الحكيم، اتجهوا في الاتجاه نفسه، وهو اتجاه لم يكن يرحب بالعروبة كثيراً بل كان يتحمس للارتباط بالثقافات الغربية قبل غيرها.
- رابعاً: إن نظرة كثير من الشعوب إلى الدور العربي لمصر تعزز هي الأخرى تلك النزعة الشعوبية التي نشير إليها. ولعلي أتذكر أنني عندما كنت ديبلوماسياً صغيراً وأحضر الحفل السنوي لملكة بريطانيا الذي تقيمه على شرف البعثات الديبلوماسية الأجنبية، فإنني أتذكر جيداً الحوار الذي بدأه الأمير فيليب زوج الملكة عندما خاطب سفير الجمهورية العربية المتحدة قائلاً:"أين كلمة مصر، عودوا إليها فأنتم مختلفون عن بقية الأقطار العربية!". ولا أزال أتذكر أن سفيرنا حينذاك، وهو كان عروبي الاتجاه، رد على الأمير البريطاني بقوله إن"مصر جزء من أمتها العربية".
- خامساً: إن هناك نغمة مصرية تطفو على السطح بين حين وآخر، مؤداها أن مصر يجب أن تلتفت لشؤونها الداخلية وأن تنكفئ على مشاكلها الصعبة، بدلاً من أن تبدد طاقاتها في معارك تتصل بالتزاماتها القومية. ولحسن الحظ، فإن هذا التيار ضعيف وغير مؤثر جماهيرياً ويغيب عنه أن دفاع مصر عن الأمن القومي العربي كان ولا يزال هو دفاع ضمني عن الأمن القومي المصري أيضاً، وأن الكنانة مهددة من إسرائيل بقدر قد يزيد عن تهديدها لدول عربية أخرى.
... هذه عجالة أردنا منها أن نستشرف عوامل الشد والجذب في تكييف الدور العربي لمصر، موقنين أن ذلك الدور ليس مسألة تكتيكية ولكنه تراكم حضاري واضح لا يمكن الإقلال منه أو الاستغناء عنه، كما أن الشعب المصري من أكثر الشعوب العربية حساسية لانتمائه العربي والإسلامي وعاطفة تجاه معاناة الشعب الفلسطيني. لذلك، فإن سلخ الدور العربي لمصر عن السياق العام للشخصية المصرية هو أمر مردود عليه لأنه لا يمكن أن تتخلى السياسة المصرية عن ثوابتها الإقليمية ذات البعد القومي المتصل بأمنها ومصالحها العليا. وأنا ممن يظنون أن مستقبل الدور العربي لمصر سيظل مرتبطاً بقضايا العروبة مدافعاً عنها، حامياً لها، عاملاً في سبيلها.
كاتب مصري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.