فاجأت أحداث العنف في فرنسا الكثيرين خارجها، أكثر ما باغتت الفرنسيين أنفسهم. وأدى تلاحق الأحداث وانتشار العنف بسرعة إلى قيام الحكومة الفرنسية بفرض حال الطوارئ موقتاً، وتفويض سلطة حظر التجول إلى المسؤولين المحليين. أدى أيضاً إلى تلاحق التوصيفات والتفسيرات لما جرى. الصحافة الأميركية وبعض المحللين الأوروبيين وصفوا أحداث الشغب التي هزت الضواحي الفرنسية بأنها ثورة المهاجرين المسلمين. لكن التعمق في الأسباب سرعان ما استبعد تمامًا هذا التشخيص بنفس القدر الذي استبعد التوصيف الانفعالي المتعجل من وزير الداخلية الفرنسي، حينما أطلق على المشاركين في العنف انهم"أوباش"... أو"حثالة". لم يكن للإسلام دخل في الموضوع، على رغم أن نسبة معتبرة من أولئك الشبان الغاضبين هم مسلمون. لم يكن دقيقاً أيضاً وصفهم بأنهم"مهاجرون"، فالنسبة الغالبة منهم مواطنون فرنسيون وُلدوا على أرض فرنسا كأبناء، وغالبا أحفاد، لمهاجرين استقروا في فرنسا قبل نصف قرن وأكثر. لم يكونوا انقلابيين أيضاً فليست لديهم رؤى سياسية ولا يعبر عنهم حزب أو تنظيم معلن أو غير معلن. الأقرب إلى الصحة انهم مُهمَّشون داخل المجتمع الفرنسي ولديهم مظالم متراكمة لم تنجح حكومة فرنسية في مخاطبتها، على رغم أن أبعاد المشكلة معروفة داخل المجتمع السياسي الفرنسي منذ عقود. لدينا مثلاً هذا التشخيص:"في الضواحي المحرومة يسود نوع من الإرهاب الناعم. فحين لا يرى الكثيرون من الشباب في انتظارهم سوى البطالة بعد تخرجهم من الدراسة، فإن الأمر ينتهي بهم إلى التمرد. ولفترة من الوقت تستطيع الدولة تفادي الأسوأ من خلال فرض النظام والقانون والاعتماد على منافع التأمينات الاجتماعية. لكن، كم من الوقت يمكن لهذا الوضع أن يستمر؟". اللافت هنا أن صاحب هذا التشخيص هو الرئيس الفرنسي جاك شيراك نفسه، وأنه كتبه قبل عشر سنوات. وطوال تلك المدة أصبح شيراك رئيسا لفرنسا، إنما من دون أن تجد تلك المشكلة الاجتماعية طريقها إلى الحل أو مجرد التراجع. على العكس، كانت الميزانيات الحكومية المخصصة لسكان الضواحي الفرنسية، حيث ينتشر أولئك المهمشون، قد خفضت كما ألغيت مئات الآلاف من الوظائف المخصصة للشباب والتي كانت تدعمها الحكومة، وخفضت المساعدات للجمعيات الناشطة في الأحياء الصعبة ما بين الثلث والنصف. اللافت أيضاً أن هذه الأحداث الفرنسية اشتعلت بفعل شرارة صغيرة تماماً، وعلى أيدي شرطة تتعامل مع الغاضبين برعونة مفرطة. في السابع والعشرين من الشهر الماضي، توفي شابان من أولئك المحرومين أو"المهمشين"اعتقدا أن الشرطة تطاردهما فصعقهما التيار الكهربائي في مبنى لجآ إليه. يذكرنا هذا الحادث فوراً بما جرى في مدينة لوس أنجليس الأميركية في مطلع التسعينات، في السنة الأخيرة من رئاسة جورج بوش الأب، حين طاردت الشرطة المحلية مواطناً أميركياً اسود خالف قوانين السير. وبمجرد أن وضعوا أيديهم عليه طرحوه أرضاً وتناوب عدد منهم على ضربه وركله بقسوة وتوحش. مثل هذا الحادث كان مألوفاً تماماً في لوس أنجليس، وبالذات في تعامل الشرطة المحلية مع الأقلية السوداء من سكان المدينة وضواحيها. لكن ما جعل الأمر مختلفاً تلك المرة هو أن مواطنًا أميركيًا كان يقف في شرفة منزله يجرب كاميرا الفيديو التي اشتراها حديثاً، فأصبح من نصيبه أن يلتقط فيلماً لهذا الذي يجري ليلاً في أرض الشارع أمامه. بانتشار ذلك الدليل الموثق على وحشية الشرطة، اشتعل الموقف فوراً في كل أنحاء مدينة لوس أنجليس وضواحيها، حيث انطلق السكان السود في غضب عارم وأعمى، اختلط فيه العنف مع الاحتجاج والنهب والسرقة والفوضى، ما أدى بالحكومة الفيديرالية إلى فرض حال الطوارئ - بما فيها من حظر للتجول - وتأكيد محاكمة سريعة وجادة لرجال الشرطة الذين سجل فيلم الفيديو وحشيتهم. أوجه التشابه بين الحادثين الفرنسي والأميركي لافتة، فالسكان المتمردون الغاضبون هنا وهناك معظمهم شباب وفقراء وعاطلون عن العمل ويعيشون مهمشين على حواف الحياة في مدينة كبيرة صاخبة تعمها مظاهر الثراء والنجاح والنعمة التي لا تطالهم، وليس لديهم حتى الأمل في أن تطالهم يوماً ما. هناك أيضا التمييز العرقي والعنصري الكامن في النفوس والمتراكم عبر السنين. تمييز ضد الأميركيين السود في الحال الأميركية، وضد أحفاد وأبناء المهاجرين في الحال الفرنسية. في وسط تلك الحال من الاغتراب عن المجتمع تلعب البطالة الدور الأكبر في الإقصاء والتهميش. وفى الحال الفرنسية تحديداً، نجد نسبة البطالة بين أبناء وأحفاد المهاجرين ضعف أو ثلاثة أمثال النسبة السائدة بين بقية شرائح المجتمع. وجه آخر مهم في التماثل، فالأميركيون السود هم أحفاد أجيال أُحضرت قسراً إلى الأرض الأميركية كأيدٍ عاملة رخيصة لازمة تحديداً لمزارع القطن في ولايات الجنوب، لكنها استمرت جيلاً بعد جيل مجردة من حد أدنى من الأجور والحقوق والإنسانية. في الحال الفرنسية ذهب الأجداد المهاجرون إلى الأرض الفرنسية اختيارًا وليس قسراً، لكن هذا جرى أيضًا في سياق التشجيع الحكومي الرسمي لجلب مئات الآلاف من سكان المستعمرات الفرنسية في شمال وغرب إفريقيا للمساهمة في إعادة إعمار فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، لكن بأجور متدنية وبحرص على أن يعيش أولئك المهاجرون وأبناؤهم وأحفادهم على حواف المدن الكبرى. ومع أنهم أصبحوا يمثلون الآن عشرة في المئة من شعب فرنسا، إلا أنهم غير ممثلين بالمرة في البرلمان الفرنسي، أو الحياة السياسية الفرنسية عموماً. للفرنسيين والأميركيين رؤاهم المختلفة في تفسير ما يجري في كل مرة. مع ذلك فإن في المسألة بُعداً يعنينا نحن أيضاً في العالم الثالث. وكما حدث في لوس أنجليس رأى العالم بالصوت والصورة أن لدى الأميركيين أيضاً وداخل مدنهم"عالمهم الثالث"الذي يعاني من التمييز والفقر والمرض والبطالة من دون أن ترد السيرة في أفلام هوليوود وهي أحد أحياء لوس أنجليس ولا في مواعظ الساسة الأميركيين للآخرين باتساع العالم. أدرك الأميركيون أيضا أنهم ما لم يعالجوا جذرياً التهميش والحرمان داخل مدنهم فإن تلك المشكلة الاجتماعية لن تختفي أو تتراجع من تلقاء نفسها، بل ستتفاقم وتؤدي إلى قلاقل اجتماعية/ سياسية كبرى تأخذ شكل العواصف المفاجئة عند أول شرارة. ربما انطلاقًا من هنا كان شعار"انه الاقتصاد.. يا غبي"الذي رفعه المرشح بيل كلينتون في حملته الانتخابية وفاز به ضد الرئيس وقتها: جورج بوش الأب. قد يخرج الفرنسيون أيضًا برؤيتهم الخاصة. ولكن بالحكم من خلال ما أعلنته الحكومة الفرنسية حتى الآن، فإن البداية هي مواجهة التهميش الاجتماعي من خلال مكافحة التمييز وخلق فرص العمل علاجاً للبطالة. هذا لا يصح على المستوى المحلي فقط، ولكنه أكثر إلحاحاً أيضاً على المستوى الدولي. فطوال المواجهة بين الرأسمالية والشيوعية على مستوى العالم حرصت الرأسمالية على استعارة بعض عناصر الفكر الاشتراكي لتحصين مجتمعاتها، مثل الاهتمام بحد أدنى للأجور إلى التأمينات الاجتماعية وإعانات البطالة وحتى إقامة المشروعات العامة لامتصاص البطالة في أوقات الأزمات. حرصت أيضاً - في حالي فرنسا وألمانيا في المسرح الأوروبي واليابان في المسرح الآسيوي - على إعطاء دور جاد للدولة في الاقتصاد، مباشرة أو من خلال البنوك العامة، لضمان معدل من النمو الاقتصادي يكفل تحرك المجتمع بكامله من حال التخلف والفقر والبطالة إلى حال التقدم والغنى والتشغيل شبه الكامل لقوة العمل. باختفاء المنافس الاشتراكي من المسرح الدولي، عادت الرأسمالية الأميركية تدفع العالم خلفاً إلى نوع الرأسمالية المتوحشة التي كان الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت كبح بعض جماحها في ثلاثينات القرن الماضي. تراجعت حقوق العمال بشكل منتظم وفقدت النقابات قدرتها التفاوضية وتحلل المشروع الرأسمالي من مسؤولياته الاجتماعية وأطلق العنان للشركات عابرة القارات، لكي تنهب موارد العالم الثالث بوحشية وبسرعة تحت عنوان"الخصخصة". في بريطانيا مثلاً، تحرك حزب العمال الحاكم - وهو الناشئ أصلاً تعبيرًا عن حقوق العمال والنقابات العمالية - إلى اليمين المحافظ على أرضية حزب المحافظين ومارغريت ثاتشر في سنوات ارتفاع نجميهما. في بولندا، تراجعت نقابة"تضامن"التي نشأت أصلاً دفاعاً عن حقوق العمال في مواجهة الحكم الشيوعي، لكي تتحول إلى حزب سياسي مناهض لحقوق العمال أنفسهم بحجة تشجيع الاستثمارات الأجنبية في ظل اقتصاد السوق، فتراجعت عضويتها من عشرة ملايين إلى ثمانمئة ألف... وفي النازل. بريطانيا تستطيع أن تدبر حالها، فهي منشأ المشروع الرأسمالي. بولندا لها الله والاتحاد الأوروبي. فرنسا في سبيلها إلى إعادة اكتشاف أن أقصر الطرق إلى الفوضى والخلل الاجتماعي والعنف الأعمى والجريمة هو انتشار البطالة. لكن ماذا عن عالمنا الثالث في الجنوب الذي أصبحت تفترسه الشركات عابرة القارات بلدًا بعد آخر تحت عناوين اقتصاد السوق بمعنى فوضى السوق والخصخصة وتحرير التجارة وتشجيع رأس المال الأجنبي على نهب الشركات العامة برخص التراب، تاركاً للحكومات المحلية مهمة قمع الرافضين التوجه طوعًا إلى التهميش اجتماعياً واقتصادياً. في لوس أنجليس وباريس يعيش المهمشون على حافة المجتمع. لكن في القاهرة والجزائر وصنعاء والخرطوم أصبح المهمشون في قلب المجتمع. بل انه - وبناء على مشورة وإلحاح صندوق النقد الدولي - أدخلت الحكومات المتعاقبة إلى مصر في العقد الأخير بدعة ستسجل لها تأكيدًا اسمها"المعاش المبكر". بدعة تعنى أن بيع أي شركة عامة يستلزم لمصلحة المشتري الأجنبي إغراء النسبة الأكبر من العاملين بالخروج إلى المعاش والتقاعد حتى لو كانوا في سن الأربعين. وبدلاً من خلق وإضافة فرص عمل جديدة، فإن حكوماتنا الرشيدة تغري العاملين بالمال لكي تدفعهم دفعًا إلى سوق البطالة، بينما تتحول أرباح الشركات المباعة إلى الخارج أولاً بأول، فتكسب مصر رضاء صندوق النقد الدولي ويتضاعف عدد المهمشين فيها وغضبهم المتراكم. كاتب مصري.