بلدية البصر توقّع 6 عقود استثمارية ب9.9 مليون ريال لإنشاء مصانع زراعية    "الغرف السعودية" يُطلق استراتيجية تحولية شاملة لتعزيز تنافسية القطاع الخاص ودعم النمو الاقتصادي    برق تطلق خدمة المدفوعات العالمية عبر رمز الاستجابة السريعة QR بالتعاون مع Alipay+    شركة نيكستيرا NextEra تفتتح مقرها الرئيسي في مركز الملك عبدالله المالي كافد بالرياض لدعم مسيرة التحول الرقمي في المملكة    وزير الخارجية يستقبل نظيره الفرنسي    إصابة فلسطيني برصاص قوات الاحتلال في بلدة الرام شمالي القدس    رئيس مجلس السيادة السوداني يؤكد مواصلة الحسم العسكري في البلاد    الذهب يرتفع ويتجه نحو انخفاضه الشهري الثاني على التوالي وسط مخاوف من التضخم    ليلة النصر تُشعل عناوين الصحف العالمية    "الهريفي" يهاجم ديميرال: استعراض الميدالية مناكفة في غير محلها.. ومن يغذي اللاعبين بهذه الأفكار يسيء للرياضة    النائب العام يتفقد جاهزية المقار النيابية في مكة والمدينة    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة عسير تقبض على شخصَين    السعودية تعتمد آلية مشاركة أنديتها في بطولات آسيا بدءا من موسم 2026-2027    بدء التطوير المهني لأكثر من 1500 من قيادات مدارس الأحساء    أمير المدينة المنورة يرعى تخريج الدفعة الثامنة من جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز    مسؤول يكشف أن غياب المرجعية الحاسمة يبطئ القرار.. ارتباك في قمة السلطة الإيرانية بعد الحرب    الحج: بطاقة نسك شرط لدخول المسجد الحرام والمشاعر    تعزيز شراكات واستثمارات إمدادات المعادن    للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.. «سدايا»: إصدار دليل هندسة الأوامر لمطوري البرمجيات    مدينة الحجاج في الشقيق تبدأ استقبال حجاج بيت الله الحرام    الأهلي بطل النخبة    في ذهاب نصف نهائي يوروبا ليغ.. صراع إنجليزي خالص بين فيلا وفورست.. وبراغا يواجه فرايبورغ    المملكة تؤكّد أن السلام يتطلّب وقف إطلاق النار ومنع التهجير وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967    35 كياناً وفرداً تحت طائلة العقوبات.. واشنطن: خطوات صارمة لمنع «التفاف إيران»    «الداخلية»: الوقوف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللحمة الوطنية    «الكاونتر المتنقل» يسهل إنهاء إجراءات الحجاج    «المظالم» يوجه بتسريع الإجراءات لدعم عدالة وشفافية التقاضي    البلديات تدعو الملاك للحفاظ على نظافة الأراضي البيضاء    ثانوية مؤتة تحتفي بالأحمدي    «مانجا» تعزز تمكين المواهب وتدعم المحتوى الإبداعي    دعت لتعزيز نزع السلاح النووي.. قطر: اعتداءات إيران تستهدف السيادة الوطنية والبنى التحتية    الإسلامية تكثف التوعية للحجاج ب«ذي الحليفة»    تحت رعاية عبدالعزيز بن سعود.. «الداخلية» و«الأوقاف» توقعان اتفاقية تكامل في «طريق مكة»    قائمة مشروبات تهدد صحة الكلى    صيني يعود للحياة بعد 40 ساعة من توقف قلبه    جامعة سطام تنظم ملتقى «دور الجهات الحكومية بالقيم الوطنية»    «إسلامية المدينة» تنفذ أكثر من 47 ألف جولة رقابية    حج بلا حقيبة خدمة مريحة للحجاج.. ومولدة لفرص العمل    استعراض أعمال الرقابة على الأراضي الحكومية الزراعية أمام أمير الرياض    محمد بن عبدالعزيز يرعى تخريج طلبة جامعة جازان    جاهزية متكاملة لخدمة الحجاج في مطار جدة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم    مجمع إرادة: الصحة النفسية في العمل ترفع الإنتاجية والاستدامة    اهتمام أوروبي متصاعد.. هل يخسر الأهلي نجمه المميز؟    العدالة بطلاً لدوري الأولى تحت 15 عامًا    مربط الفرس    «بيت شقير».. عمق التاريخ وواجهة الحاضر    الجمعية العمومية لجمعية المودة تعقد اجتماعها الثاني والعشرين لعام 2026    "كوكب الفن" و"البر التطوعي" يوقعان شراكة مجتمعية لتعزيز دور الفن في خدمة المجتمع    الملف الأمني الخليجي    جازان تهيئ 9327 خريجا لخدمة الوطن    علاقة الأدب بالفنون ومحاولة تطبيق مفاهيم الفنون البصرية    حين تشهر اللغة سلاحا والتاريخ درعا في مواجهة ترمب    نادي خمائل الأدبي ينظم أمسيةً تفاعلية للأطفال بالجبيل    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الفوزان في وفاة والدهم    السعودية تؤكد أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتحقيق التوازن بين ركائزها الثلاث    أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على محمد بن فيصل    «الإرشاد السياحي» يثري رحلة ضيوف الرحمن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اللغة العربية وانتاج المعرفة . مادة اللغة نادراً ما تكون حافزاً على التساؤل والنقد والاكتشاف 2 من 2
نشر في الحياة يوم 10 - 07 - 2004

نشرنا أمس الحلقة الأولى من بحث الناقدة خالدة سعيد، وننشر اليوم الحلقة الثانية الأخيرة. وهما مختارتان من بحث أكاديمي حول العلاقة بين اللغة العربية والانتاج المعرفي.
تعاني المدرسة العربية الراهنة، بإرثها المزدوج، مجموعة من الانقطاعات الخطرة على صعد عدة. وهي انقطاعات، فضلاً عما تولّده من خلل في المشروع التربوي برمته، تقدر ان تتحكم بأي مشروع مستقبلي، اذ تجعل مرور تيار التغيير والاصلاح التعليمي أمراً غير مضمون اطلاقاً فوق انها تبعثر الانجازات الايجابية وتعطل انتاجيتها. ولا بد من اخذ هذه الانقطاعات بالاعتبار اذا أردنا فعلاً التفكير في اصلاحات جذرية وفاعلة.
تبدو لي هذه الانقطاعات في ثلاثة مستويات: انقطاعات بيئية، انقطاعات منهجية، انقطاعات على مستوى الأطر والهيئات التربوية.
أولاً - الانقطاعات البيئية:
1- في مقدمها انقطاع المدرسة عن المحيط الاجتماعي كما سبقت الاشارة في القسم السابق من هذه الدراسة، ولا سيما غرفة الصف: يصطف التلامذة على مقاعد مركبة في غرفة عارية ويتلقون علوماً موحدة ومبادئ وقيماً موحدة مصدرها من موقع وحيد. وعلى رغم سلبيات هذا الانقطاع المكاني فليس كله شراً، وله بعض الفضائل، لأنه يهيئ للطفل الاندماج بجماعة متكافئة، متساوية في الموقع من الزملاء والزميلات ومن محور الصف، كما يهيئ لبعض الاستقلال والمسافة عن المحيط العائلي فضلاً عن تنظيم اكتساب المعرفة وتسريعه. ولكن من جهة ثانية، فإن هذا النظام يعزل الناشئ عن المحيط العملي المهني المباشر وعن منابع الثقافة المحلية وسائر خبراتها وتقنياتها وموروثاتها، ويعزل تفتحه المعرفي عن ميدانه الطبيعي المحسوس، اذ يفصله عن الطبيعة والأسرة وعن المحيط العملي في وقت واحد، فيعطّل فرص التفاعل والتساؤل ووعي المشكلات البيئية الاجتماعية والعملية ميدانياً. وهذا الانقطاع هو العلة المشتركة بين المدارس العربية والغربية على السواء.
2 - الانقطاع الثاني وهو الانقطاع الأخطر لأنه تحريف أو اجتزاء لمفهوم المعرفة وشروط اكتسابها. إنه اغفال منزلة اليد والعمل اليدوي والخبرة الجسدية إجمالاً في عملية التعلم والنمو النفسي وانطلاق العملية المعرفية من الحاجة ومن المحسوس والاختبار المتكامل. وكأن اليد لم تكن منطلقاً وعاملاً أساسياً في تطور الانسان ولم تكن رفيقة العقل بل رائده ومختبره وسلاحه في تأسيس الحضارة. فوق أن هذا العزل يتسبب في اختلال نمو الملكات لدى الناشئ كما سيبين علماء الاجتماع وعلماء نفس الطفل في القرن العشرين ديوي، مونتيسوري، بياجيه وغيرهم، ويتسبب في تأخر انطلاق العملية المعرفية من الاختبار المتكامل. وقد تدعّم هذا الانقطاع بالانفصال عن المحيط العملي المهني والانصراف شبه الكامل الى الجانب النظري. فلم يجر نموّ المعرفة على تماس وتداخل مع البيئة، ولا جرى تثميرها في البيئة، وبالنتيجة ظلت الهوّة قائمة بين المعرفة النظرية والبيئة الحياتية العملية.
3 - الانقطاع الثالث يتمثل في الفصل أو الفرز بين التعليم النظري والتعليم المهني منذ مرحلة مبكرة وسابقة لمرحلة التخصص الجامعي بسنوات. ويتم الفصل استناداً الى معيار انتقائي تراتبي اعتباطي يجعل التعليم النظري حكراً على أصحاب الدرجات الأعلى بينما يُلزَم الذين لم يحصلوا على درجات كافية بالالتحاق بالمدارس المهنية. وآنذاك يكون الانتقاء سلبياً تماماً إذ يؤخذ في الاعتبار تقصير الطالب في المواد النظرية وليس تقدمه أو تميزه في المواد المهنية. فتصبح العملية عملية تراتب يعلي النظري ويغضّ من المهني العملي، تصبح عملية تنفية أو تصفية واستبعاد أو إقصاء وليس عملية توجيه نحو التخصص المناسب. وسنرى الذين تم التخلص منهم بإبعادهم الى المعاهد المهنية يسعون للعودة الى الفروع النظرية بعد تخرجهم من المعهد المهني، وهو ما يحصل حالياً في بعض الجامعات العربية. وما يعنينا هنا ليس استبعاد هؤلاء بل اعطاء التعليم المهني حقه ومكانته، وإدراجه بصورة جزئية ومتدرجة في مراحل التعليم كلها واعتباره فرعاً معرفياً ومنبع خبرات ومهارات، حيث يمكن للطالب الاختيار بينه وبين أي فرع آخر في ضوء ميوله وقدراته وليس كعملية إقصاء.
4 - انقطاع لغة التفكير والتعبير المنظّم عن الميدان العملي. ويشكل هذان الانقطاعان الأخيران خسارة كبيرة. إذ ما دامت الفصحى لغة الصف والمجالات المعرفية والرسمية فقد تقلص مجالها بتقلص المجال المعرفي، وزادت غربتها عن المعيش والمحسوس والعملي. فوق أن ساحة الحيوية المعرفية وتنامي الاكتشاف لدى الناشئ تنحسر بذلك انحساراً مهماً.
5 - الانقطاع الخامس هو انقطاع التلامذة ومعهم معظم الطلاب الجامعيين عن أوساط النتاج الصحافي والعلمي والبحثي النظري والأدبي الرفيع. وفي الاجمال هناك فقر وقصور في الانفتاح على مصادر الثقافة المعاصرة. وأهل الأدب والعلم بدورهم يعتزلون عالم الناشئين. كما اننا لا نعرف، إلا نادراً عن عالم أو شاعر أو كاتب مبدع حقيقي توجّه في كتاب له الى الاعمار الأولى.
ثانياً - الانقطاعات المنهجية:
1 - أول الانقطاعات التي تعانيها المدرسة العربية في شكل خاص قائم في الانقطاع بين اللغة الأم التي يكتسبها الطفل من المحيط العائلي في شكل طبيعي العامية وبين اللغة الوطنية القومية التاريخية و"الأصلية" اي الفصحى التي يتعلمها في المدرسة. وهو انقطاع بين لحظة الكلام ولحظة القراءة والكتابة، إذ الكلام يبقى بالمحكية. هذا فضلاً عما ذكرناه من عكس للمسار اللغوي الطبيعي المتمثل في أسبقية القراءة بالفصحى على محاولات التكلم بها وانحصاره في أوقات معلومة. وهو انقطاع يتشعب ويتواصل بل يتعقد مع توالي السنوات.
2 - الانقطاع المنهجي الثاني يتمثل في ما تمكن تسميته "نظام الأواني المعرفية غير المتصلة" وهو من موروثات المدرسة الأوروبية - اللانكاسترية التي سبق الكلام عليها. إذ لا تكاد توجد صلة بين مادة من مواد المنهاج وأي مادة أخرى، باستثناء الرياضيات التي تحضر إلزامياً في الفيزياء والكيمياء. بينما دروس الكيمياء والفيزياء معزولة عن التاريخ واللغة العربية، وهذان معزولان عن الرياضيات والعلوم الطبيعية والرسم أو غيره. التاريخ نصوص مقدسة أو ميتة، لا نقد، أي لا تساؤل حول الأدلة التي بني عليها النص التاريخي. ولا مجال هنا للكلام على إمكان ذلك. لكنني حضرت خلال نصف عام، مطلع الثمانينات، في احدى المدارس الخاصة كرمل القديس يوسف ببيروت دروساً تاريخية، في الصف الابتدائي الخامس، قام فيها التلاميذ باستنباط المعرفة التاريخية من القطع الأثرية والوثائق والأدلة. وكان كل من التلامذة يكتب نصه التاريخي ثم يتناقش الجميع وتتألف بضعة نصوص متقاربة.
مادة اللغة العربية محصورة في نطاق الديني والأخلاقي والجمالي، كقراءة وأدب، وفي نطاق النظر في قواعدها اللغوية. ليس في مواد العربية إلا نادراً مادة للتساؤل والنقد والاكتشاف: الشعر المدروس هو باستمرار أجمل الشعر، والخطب أو النصوص هي الأبلغ والأكثر حكمة، أما القواعد فسبيلها الوضوح والحفظ، لا يدخل في النصوص المدروسة مصطلح علمي، ولا تدخل في آليات تعلمها أو في آليات التعبير وتأليف النصوص عمليات فكرية علمية ولا تطبيقية عملية، ولا تخرج أساليب الكتابة والانشاء من الأسلوب الخطابي الانشائي المنمّق والخاوي الى الاسلوب المدقق المبني على المناقشة والتنظيم والوضوح والتسلسل والدليل البرهاني. لا وجود في دروس التعبير والانشاء لأصول المقالة العلمية مهما كان الموضوع العلمي أولياً وفي متناول التلاميذ. بل "الإنشاء" هو عملية افتعال ونقل لمحفوظات وتخيل قسري مفرغ من المضمون المعرفي والتجريبي. ولا شك في أن هذه المادة في صيغتها التقليدية، هي ضد كل ابداعية وابتكار وتفكير ومحكمة عقيلة ومعرفة ميدانية. وتتوجب الاستعاضة عنها بكتابة نصوص موضوعية مستندة الى الاختبار والملاحظة أو مبنية على المناقشة أو نصوص إخبارية، أو تجارب شخصية وغيرها.
3 - الانقطاع المنهجي الثالث يعم سائر المواد، العلمية والأدبية. وهو انقطاع قائم بين التجربة والاختبار من جهة والمعرفة النظرية من جهة ثانية. ويتمثل ذلك بنظام التلقين الذي يغفل العمليات المعرفية الطبيعية التي تتجاوز أهميتها الخلاصات المعرفية. يصبح الطالب خازن معلومات متجاورة. وهذا ينطبق في شكل أساسي على اللغة العربية لا سيما حين تكون لغة المواد العلمية. فالطالب يحفظ دروس التاريخ غيباً، كما يحفظ دروس التربية الوطنية ومن ضمنها خطب الخلفاء والقادة والرؤساء والزعماء والملوك في الحاضر والماضي، أياً كانت أهمية تلك الخطب حيث لا مجال لمناقشة أو مساءلة ونقد. لا شيء غير التمجيد، مع ملاحظة أن دروس التربية الوطنية والتاريخ لا تتيح المجال لمناقشة المشكلات الحارة، كالتعدد اللغوي والإتني والطائفي أو غير ذلك.
4 - الانقطاع المنهجي الرابع هو ما يقوم بين مراحل الدراسة، بين الصفوف المتوسطة والثانوية، بين الثانوية والجامعة. ينتقل الطالبل من مرحلة الاتكال الكامل على الكتاب والمعلم الى مرحلة المحاضرات وما تفترضه الدراسة الجامعية من الاعتماد على النفس في البحث وتنظيم المعطيات. لكن الطالب لم يُهيأ طوال المرحلة السابقة للبحث عن مصادر المعلومات، ولا يملك أي منهج لتدقيق المعلومات - في حال توافرها - أو لتوظيفها لبناء معرفة جديدة. وهذا المستوى من المشكلات نجده في شكل خاص في كليات الآداب حيث الازدحام الأكبر وحيث يركن الطلاب في معظم الحالات الى الاعتماد على المحاضرات وحتى على المحاضرات المطبوعة. وبالتأكيد هناك استثناءات تعود الى مبادرات بعض الأساتذة والى مستوى بعض الطلاب. ما عدا ذلك تبدو مرحلة الإجازة، في معظم سنواتها، وبخاصة بالنسبة للعربية، نوعاً من توسع لمعلومات البرنامج الأدبي للثانوية، لكن مع مزيد من الجمود على مستوى توظيف المعلومات.
ثالثاً: الانقطاعات على مستوى
الأطر والهيئات التربوية
نأتي أخيراً الى التجمعات والتنظيمات والهيئات التربوية التي تعنى بالتعليم وما بينها من انقطاعات.
1 - أول هذه الانقطاعات هو ضعف نفاذية المؤسسات الرسمية على التطورات المعرفة والتربوية إجمالاً وكذلك على التقارير والبحوث والتوصيات العلمية: منذ ثلاثة عقود، وهذه حدود متابعتي للموضوع، وُضعت توصيات ودراسات عدة حول مشكلات اللغة العربية وطرق تعليمها وقدمت توصيات تتناول أساليب مختلفة لتيسير تعليمها، كما عقدت مؤتمرات للبحث في أوضاع التعليم في البلدان العربية وفي تعليم اللغة العربية ونبهت الى تدني الانتاجية الثقافية. وتوصلت الى نتائج ان لم تكن مثالية فإنها تدفع بالمعرفة المستقرة خطوات جدية الى الأمام. ولا يمكن هنا التوسع في الكلام على هذه المؤتمرات.
السؤال الذي تطرحه هذه الفقرة حول أول الانقطاعات هو، ما مصير الأبحاث والمؤتمرات ونتائجها؟ وأين يصب الجهد العلمي الذي تمثله؟ ما مصير المناقشات والتوصيات؟ ما مصير التقارير العديدة؟ لا شك أن بعض البلدان العربية ولا سيما دول الخليج التي تسهم في تمويل بعض البحوث والمؤتمرات قد أفادت منها لتطوير مناهجها بعض التطوير. ويمكن أن نجد في بعض المناهج كالمنهج اللبناني لعام 1997 بعض الأثر كذلك.
مع ذلك تبقى هذه الجهود في حيز البحث العلمي النظري والنضال الوطني الثقافي والمعرفة التاريخية لأوضاع التعليم. ولكن ليست لها أي صفة ملزمة بل كأنه لا مصبّ لها ولا طريق لها الى وزارات التربية في البلدان العربية، وهي وزارات ضخمة تثقلها البيروقراطية والتفصيلات القانونية والعناصر المتفاوتة في علاقتها باللحظة التاريخية ما يجرى في العالم. فوق أنها تخضع، في الدرجة الأولى، لاعتبارات سياسية متنوعة لها أولوياتها المختلفة.
الانقطاع الثاني يتمثل في الكتاب المدرسي
لنفرض مجرد افتراض ان شخصيات منفتحة تسلمت زمام القرار في وزارات التربية ودعمتها ظروف سياسية مؤاتية أو ملحة كما كانت حال لبنان بعد الحرب الأهلية وجمود المناهج طيلة ربع قرن وإلحاح التغيير واجتمعات هيئات ذات كفاية، فإن في الإمكان الاهتداء بأهداف كبرى ومبادئ متطورة، لكن من دون أن يعني ذلك التوصل الى منهاج عملي يلبي تلك الأهداف. لكن لنفترض أيضاً أن تلك الهيئات كانت منبثقة من قلب مهنة التعليم ومزودة بتجربة مهمة، كما حصل في لبنان وبعض دول الخليج وهذه حدود معلوماتي ثم وضعت منهاجاً جديداً متقدماً يهتدي بأفكار متطورة وتوجهات جديدة. فكيف يتم تطبيق هذا المنهاج؟
المشكلة الفعلية هي في التطبيق أي في المستوى العملياتي: وخصوصاً الكتاب المدرسي، والمعلّم، والامتحان. هذا إذا تناسينا موقتاً البعد الافتراضي أكاد أقول الوهمي لما توصي به المناهج من حيوانات ملحقة بالصفوف ومشاتل ومحترفات ملحقة بالمدارس وبالطبع مكتبات ومختبرات واسعة وأجهزة سينما وتصوير وتسجيل وما تستدعيه من تساؤل حول كيفيات توظيفها، بينما أعداد من التلامذة لا يجدون أماكن في المدارس. أكتفي هنا بالإشارة الى ما يتصل بالكتاب المدرسي:
يلحظ المنهاج مثلاً ضرورة تيسير القواعد العربية منح الاهتمام الأول للتطبيق بدل التركيز على القاعدة. غير ان الاطلاع على كتب القواعد الموضوعة لا يكشف عن أي فارق بين الكتب القديمة المعقدة والكتب الجديدة إلا فارق الشكل. فالمبدأ هو ذاته. ويوصي المنهاج اللبناني مثلاً باختيار نصوص متنوعة للقراءة تشمل الموضوعات العلمية.
لا بد إذاً من اعادة نظر جذرية في الكتب المدرسية ونقدها نقداً واضحاً مفصّلاً. وما يدعو الى التساؤل هو استبعاد الكتّاب وأهل الاختصاص العلمي عن ميدان الكتب المدرسية العلمية واللغوية والأدبية على السواء، ولو على سبيل الإشراف والمراجعة أو حتى الاستشارة.
الانقطاع الثالث والأهم يتمثل في المعلم
المعلم هو ركن أساسي في العملية التربوية مقابل الركن الأساسي الأول: الناشئ. وهو بدوره يعاني من مشكلات وعقبات في حال امتلاكه للمؤهلات. ونعرف أن الغالبية العظمى من المعلمين من معلّمي اللغة العربية بوجه خاص لم يحصلوا على تأهيل خاص بالتعليم؟ وأنهم في الغالب، بالنسبة الى الصفوف الابتدائية أو السنوات الأولى، يؤخذون من حملة الشهادات الثانوية أو حملة الدرجات الأدبية. وهؤلاء بدورهم دفعوا الى الاختصاصات الأدبية لغياب مؤهلاتهم العلمية أو لتدني درجاتهم في الشهادة الثانوية أو امتحانات القبول، أو لعدم قدرتهم على الانتماء الى الفروع العلمية المتخصصة، إما لاضطرارهم للجمع بين الدراسة والوظيفة وإما لنقص كفاياتهم العلمية. يضاف الى هذا ضغوط أوضاع المعلمين وما يواجهونه من إجحاف مهين وساحق وهو وضع عربي مشترك مع بلدان أوروبية غنية وهذا ما يدفعهم الى البحث عن أعمال اضافية تعليمية أو غيرها. وذلك كله ينقص قدراتهم على تجديد المعرفة وتحسين شروط الإعداد للدرس.
الى هذا كله ينبغي أن نضيف الفوضى والتقصير في إعداد أفراد الهيئات التربوية والتساهل في اختيار مدرسي اللغة العربية بشكل خاص.
نأتي الى الحلقة الأخيرة من الانقطاعات وهي الامتحان. ان نمط الامتحان واختيار الكفايات وكيفية وضع الأسئلة تتحكم الى حد يفوق تصورنا بالعملية التربوية. ان الطالب، ولا سيما في سنوات الشهادات يتخذ أسئلة الامتحان مقياساً وكاشفاً لما ينبغي أن يوليه الاهتمام. وكل من درّس في صفوف الشهادات يعرف جاذبية الكتيبات التي تعالج أسئلة السنوات الماضية، والامتحانات في نسقها الحالي تعزز مبدأ التلقين والاعتماد على الذاكرة. إنها تمتحن كمية المعلومات المحفوظة أكثر مما تمتحن الأهليات والكفايات للإفادة من هذه المعلومات لمواجهة مشكلات جديدة. أي أنها لا تُُبنى على اختبار مدى المهارات والقدرات على الابتكار أو مواجهة التحديات والعقبات على الأقل بالتوازن والتوازي مع المعلومات المحفوظة.
* كاتبة لبنانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.