حرب الاستقلال كان ثمنها آلاف الشهداء، ونصب تذكاري للجندي المجهول في محلة "السيجومي" وذاكرة مثقوبة كالجبن الفرنسي. عام الجوع، وباء الكوليرا، فيضانات عام 1969 و1984، حملت الى رحاب الله عشرات من التونسيين. الخميس الأسود العمالي، انتفاضة الخبز، الاحتجاجات الشعبية، بعض المحاولات الفاشلة لقلب نظام الحكم في الستينات، الحرب على الإرهاب وتداعياتها، اضافت قرابين جديدة على مذبح الحرية. الشيخوخة، الأمراض "الخبيثة"، الانتحار، الموت غرقاً في البحر الأبيض المتوسط الذي يحاصر تونس شمالاً وشرقاً، الأفاعي والعقارب في الرمال المتحركة للجنوب، سنة الله في خلقه، كانت ومازالت في مستوى معادلتي الموت والحياة الإنسانية. طيبة شعبها وتسامحه واعتداله، دعوات الشيوخ والرضع حمتها من الفتن والحروب الأهلية وبشاعة الجنون الإنساني... شخصية بورقيبة الفذة، مخططات التنمية للحكومات المتعاقبة، تضحيات الناس الطيبين وسياسة تحديد النسل والولادات رفعت معدّل الحياة للتونسي في عام 2002 الى حد تجاوز حاجز السبعين. حمل العام الأول من الألفية الثالثة انجازاً فريداً واستثنائياً، لقد انخفض عدد القتلى في حوادث السير الى مستوى 11 ألفاً في ال365 يوماً، ومقارنة بالسنوات الماضية هنالك تقدم، يحسب لجهود شرطة المرور والجمعيات الأهلية وألطاف الله في حرب الشوارع الصامتة، ولكن هذه الأمة مهددة بالفناء إذا ما استمرت تقدم زهرة شبابها وقوداً لهذه الحرب البلهاء في بلد لا يزيد معدل النمو السكاني على 5،1 في المئة. يرتسم غروب الشمس على البحر الهادئ لجزيرة الأحلام "جربة"، فينطبع على زرقة الموج سجاد ينتقل من الأحمر القاني الى ذهب السنابل. في ذاكرة الأيام وعبق التاريخ الثالث من آب اغسطس هو يوم ميلاد الزعيم بورقيبة ابي الاستقلال ومؤسس الدولة الحديثة الذي لم يشاهده التوانسة قط يقود سيارته بنفسه. على الأرض وغير بعيد من المدرسة الإعدادية "ابن خلدون" ومفترق طريق الماي - ميدون، والطريق غير المعبّدة المؤدية الى التجمع السكني حول معصرة الزيتون ومسجد سيدي عبدالسلام، كان "منتصر" ورفيق دربه "ناجي" يمشيان الهوينى، يتجاذبان أطراف الحديث، على بعد مسافة امان من حافة الطريق الضيقة نسبياً. كان منتصر يدفع دراجته الجديدة التي اهديت إليه بعد نجاحه الباهر في تجاوز اول امتحان دراسي وشهادة "النونيام" وختم مرحلة التعليم الأساسي. كانا يافعين لم يتجاوزا بعد ربيعهما الخامس عشر، حيث الأحاديث المشرعة عن اكتشافات الحياة، وأرق الدراسة وملعب كرة القدم. في سِنة من الزمن، لم يستوعب بعد ناجي تفاصيلها بدقة، طار الفتى الشهيد على علو امتار عدة من الأرض متجاوزاً رأس صديقه، ليسقط مغشياً عليه قرب الجانب الأيمن من الباب الرئيس لمدرسة المدينة. قالت والدته في سرّها "ان شاء الله خير" بعد ان رفّت عينها اليمنى، ولم يتخيل الأب كمال ان الكلمات التي سمعها منه قبل نصف ساعة في الهاتف الجوال كانت الأخيرة. كانت الحادثة بكل المقاييس فاجعة صيف تونس 2002 التي اهتزت لها قلوب التونسيين وانفطرت لها افئدتهم. فموت الشاب أو "العازب" في البلد يتجاوز الخطاب الرسمي عن ثروة الأمة ومخزونها الاستراتيجي ليحتل في الذاكرة الشعبية قمة هرم المحنة والابتلاء وفواجع الحياة الدنيا... وعادة ما تحف بموته حكايات وأساطير وطقوس استثنائية الى مثواه الأخير وبعد العودة من المقابر. كان مشهد الجنازة في شوارع الجزيرة، استثنائياً، وكذلك موكب الفرق بمنزل العائلة. برقيات التعازي، المكالمات في الهاتف الخلوي وموقع الأب على الإنترنت وصفحات الجرائد، كبار المسؤولين والنخب والشعب الكريم شاركهم احزانهم في المصاب الجلل. ايمانهم بالله واطمئنانهم لقضائه، خفف لوعتهم. ولكن لا قوة على الأرض تمنع تلك الدمعة الساخنة التي لم تكف يوماً عن الانسياب من مقلة العين لفقدان الابن الأوسط. ولا خلية في الدماغ الإنساني تسمح بفهم دوافع سائق العربة الذي تجاوز في ادنى الحالات وأقلها السرعة المسموح بها في طريق سريعة والمحددة ب110 كلم في وقت الغروب والطريق الضيقة لمحلة الماي من جزيرة السياح جربة. في اقصى الحالات سيقضي سائق السيارة المشؤومة بضعة ايام في غياهب السجن وربما دفع فدية مالية بعث ثبوت إدانته بتهمة القتل من طريق الخطأ بحسب فصول القانون الجنائي... رحل "منتصر" الى رحاب الله، لم توضع باقات زهور في مكان الحادث كعادات الفرنجة، لكن الدعوات الصالحات رافقته في موكبه الأخير من مطلع الفجر الى غروب الشمس وما بينهما. لو عدنا الى بدايات الاستقلال عام 1956 وإلى يوم الناس هذا، لاكتشفنا الأطنان من الأوراق التي حبرت في الوقاية من حوادث السير، وكذلك من البرامج التلفزيونية في اوقات المشاهدة القصوى، الأرقام الرسمية مفجعة وجهود الشرطة والحرس الوطني والمرصد الوطني للمرور متواصلة في الليل والنهار، في بلد يخاف فيه السائق من عون الشرطة اكثر من قابض الحياة. الجمعيات الأهلية اكتسبت تقاليد منذ عقود عدة. الجمعية التونسية للوقاية من حوادث الطرق، الجمعية الوطنية للسلامة المرورية الهلال الأحمر التونسي، جمعيات الطب الاستعجالي، اطباء شبان بلا حدود... التطور المهم في حال الطرق والبنية الأساسية، علامات المرور في المدن والأرياف والفيافي، السيارات الشعبية الجديدة التي عوضت الأسطول القديم، مخفضات السرعة في غالب الأماكن الحساسة... ومع ذلك فإن المقابر والمستشفيات ما زالت تستقبل سنوياً الآلاف من الأطفال والشبيبة، نساء ورجالاً، ملتهمة في صمت قاتل اهم ثروة ومخزون استراتيجي لبلد صغير... ابناءه البشر وإمكانات مالية ضخمة لو سخر نصفها منذ الاستقلال لأعادت تعمير افريقيا من جديد. وتفيد الإحصاءات الرسمية بحوادث السير في تونس ان اكثر من نصف ضحايا هذه الحرب، هم من فئة الشباب الذين لا تتجاوز اعمارهم الثلاثين، وأشارت دراسة رسمية انجزتها وزارة الشباب والطفولة عام 2000، الى أن نسبة الشبيبة الذين يرون ان القيادة المتهورة تعد ظاهرة سلوكية يمكن ان تخل بتوازن المجتمع، هي نسبة ضعيفة جداً. وأوردت أن الشبيبة التونسية واعية لمخاطر الخمور والتدخين والمخدرات والاغتصاب والعنف اكثر من وعيها بأخطار الطريق. وتساءلت الأوساط الرسمية عن جهود الجمعيات الأهلية وأين ذهبت حملاتها التوعوية... داعية الى تحسيس الشباب بأهمية السلامة المرورية وطرق التعايش في الطريق ومنادية بأن تكون أندية الشباب في المحافظات رافداً جديداً لترسيخ الثقافة المرورية لدى الشبيبة. علماء الاجتماع، رجال الشرطة وخبراء الجريمة وعلماء النفس ورجال الإعلام والاتصال الأطباء، اصبح اهم سؤال يؤرقهم في البلد: كيف السبيل لتحقيق اقل الخسائر في هذه الحرب المستمرة... بحث بعضهم في الإرث الاستعماري حيث تحتل فرنسا المرتبة الأولى اوروبياً في حوادث السير، ودعا البعض الآخر الى تكثيف المشاهد التلفزيونية المفجعة، قال بعضهم لنبحث في شبكات التأمينات، واقترح البعض الآخر التشدد مع مدارس تدريب السائقين الجدد ورخص القيادة... ولكن بما ان كل التونسيين ما زالوا يبحثون عن صديق أو قريب ليتدخل لهم عند الشرطة التي تحجز رخصة المرور بعد مخالفة مرورية، فلا احد يضمن وقف هذا الجنون الجماعي. وفي هذا المشهد السوريالي، ربما كان الأجدر، بالسلطات ان تكثف لعبة سباقات السيارات Carting، ومواقع سيارات الملاهي وصراع السيارات القديمة ولعبة القاع على الطريقة الأميركية pit، لعل تلك الشحنة من الجنون تنصرف في اللعب عوضاً عن شوارع المدينة.