بدأ الأمر صدفة في مطلع هذه السنة، ففي كانون الثاني يناير قرأت خبراً عن غضب الجماعات اليهودية في بريطانيا على متجر هارودز المشهور بعد ان امر مالكه السيد محمد الفايد بعدم بيع منتجات من الضفة الغربية والجولان. وحمل اليهود البريطانيون بحدة وشدة على المتجر ومالكه، واشتركت السفارة الاسرائىلية مع الاتحاد الصهيوني في ادانة القرار، غير ان السيد الفايد لا يخاف المعارك، بل يطلبها، والانكليز لم يعطوه جنسيتهم على رغم انه يدفع ملايين الجنيهات لمصلحة الضرائب كل سنة، وكانت النتيجة ان تصرف كمصري اصيل. كنت قلت في نفسي انني اذا رأيت السيد الفايد في قسم الفاكهة والخضار من متجره، وهو القسم المفضل عندي، فسأشكره، ثم وضعت خبراً عن الجدل داخل مجلة "نيويورك ريفيو اوف بوكس" التي اقرأها منذ سنوات. هذه المجلة التي تراجع الكتب الجديدة وتنقدها وتعرضها تصدر من نيويورك لذلك لا يخلو عدد منها من كاتب يهودي او ناقد، او موسيقي او شاعر، ولا غضاضة في ذلك البتة، فلليهود دور كبير في الثقافة العالمية. كان هذا في الشهر الاول من السنة، وحل الثاني وتوافرت لي اخبار اخرى وتعليقات، رميت اكثرها في سلة المهملات، ولكن احتفظت بعدد من مجلة "الصنداي تلغراف" وضعت بداخله خبر محمد الفايد، إذ ضم عدد المجلة تحقيقاً طويلاً عن ادولف ايخمان كتبه بيتر كيسلر الذي انتج فيلماً لتلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية عن هذا النازي الذي خطف من الارجنتين الى اسرائىل وحوكم وحكم عليه بالاعدام واعدم سنة 1962. التحقيق كان ذكياً وشاملاً تحدث فيه عشرة اشخاص عرفوا ايخمان بمن فيهم سكرتيرة المانية يهودية انقذ حياتها لأن ساقيها جميلتان وعميل الموساد الذي خطفه. ولا اعتقد انني احتفظت من الاخبار المماثلة في شباط فبراير بغير خبر عن فيلم يتحدث عن اقارب هتلر، وخبر آخر عن ضجة أثارها طلاب من جامعة مانشستر حاولوا اصدار قرار يعتبر اسرائىل دولة تمارس التفرقة العنصرية مثل جنوب افريقيا قبل تحولها الى حكم الغالبية. وجاء آذار مارس وقرأت اخباراً اسرائىلية وأهملت اخرى، ثم لاحظت انه في مقابل زيادة النازية الشارونية ضد الفلسطينيين كانت هناك زيادة مماثلة في الاخبار عن المحرقة النازية، وما ارتكب من فظائع بحق اليهود في اوروبا، مع قصص مشابهة او ذات علاقة. كنت اعرف انني سأشارك في الاسبوع الاول من هذا الشهر في اجتماع لمؤسسة الفكر العربي في بيروت، فأخذت اجمع قصص اسرائىل والنازية، مكتفياً فقط بما اجد خلال قراءتي العادية للصحف والمجلات ولما يصل اليّ من مراكز الابحاث. بكلام آخر، لم احاول ابداً ان ابحث عن شيء لأثبت شيئاً، ومع ذلك انتهيت مقتنعاً بأن هناك جهات تنشر خبراً عن المحرقة او اللاسامية مع كل خبر عن قتل نساء وأطفال فلسطينيين، او ضرب مسجد او كنيسة، او اغتيال رجال عزل برصاصة في الرأس. طبعاً ليس كل خبر يهودي له علاقة بالمواجهات الدامية بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، فقد احتفظت بخبر عن الليدي شيرلي بورتر، الرئىسة المحافظة السابقة لمجلس مدينة وستمنستر التي حكم عليها بغرامة تبلغ 5،26 مليون جنيه بتهمة فساد سياسي. وخسرت القضية نهائياً امام مجلس اللوردات فرفعت قضية امام المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في ستراسبورغ. هذه القضية ليست نقطة في القانون بل وقاحة من امرأة ثرية جداً منحت لقباً، ثم تدعي ان حقوقها انتهكت وهي فرت الى اسرائىل بعد الحكم عليها. غير انني ابقى مع الاخبار الاخرى التي جمعتها من دون طلب الشهر الماضي. فقد طوى المحيط الاطلسي حتى جاءني خبر عن اعتذار المبشر بيلي غراهام عن عبارات لا سامية رددها في حديث له مع الرئيس نيكسون في البيت الابيض قبل 30 سنة. ولعل من القراء من يذكر القصة، فقد اذيعت شرائط جديدة من تسجيلات البيت الابيض، وسمع في احدها غراهام وهو يشكو من سيطرة اليهود على وسائل الاعلام، واعترف نيكسون بأن هذا رأيه، ثم جرى حديث عن ضرورة كسر هذه السيطرة. وواضح من اعتذار غراهام بعد 30 سنة ان السيطرة باقية، والمبشر الخرف يعتذر عن امر لا بد ان يكون نسيه، فصحته متردية وكذلك ذاكرته. ذاكرتي جيدة، ما يجعلني أتذكر ان غراهام جاء الى لبنان مبشراً في الخمسينات، ونصبت له خيمة كبيرة في ارض خلاء حيث تقوم سينما ستراند الآن، في شارع الحمراء. ما اذكر من تلك الزيارة ان بائع فاكهة على الجهة المقابلة من شارع الحمراء ابدى اهتماماً بالمقاعد المعدنية التي تطوى والتي جلس عليها المستمعون، ووجدنا بعد اسبوع انه سطا على عدد منها، فكنا نجلس معه في حلقة، وهو يحكي لنا عن مغامراته. غير انني لا اعتذر عن سرقة الكراسي، فقد سقطت التهمة بمرور الزمن. وأختصر الزمن الى الشهر الماضي، فقد ارتكب الاسرائىليون مذابح نازية بحق الفلسطينيين، وبدل ان يقوم ضحايا النازية ويدينوا الارهاب الاسرائىلي بعضهم فعل وكان شجاعاً، فإنهم حاولوا نشر دخان تعمية باثارة قصص المحرقة واللاسامية، وبالعودة الى احداث مضى عليها اكثر من نصف قرن، فيما هناك جرائم ترتكب امام عيونهم، ويرفضون رؤيتها. وأكمل غداً.