يبدو أن للكولستيرول قصة مع الجسم البشري لم تتم فصولاً بعد. فقبل أيام أشارت دراسة أميركية مهمة إلى خطورة خفض الكولستيرول، خصوصاً لدى من تجاوز الستين من العمر، منبهة إلى أن هبوطه أدى إلى زيادة نسبة الوفيات والإصابة بنوبات القلب في هذه الفئة من الأعمار. وأخيراً، أعلنت شركة "باير" الألمانية للأدوية، ومقرها مدينة ليفركوزن، أنها سحبت عقار خفض الكولستيرول "بايكول" من الأسواق، بعدما ثبتت علاقته بأربعين حالة وفاة في دول عدة من العالم، بينها 31 في الولاياتالمتحدة وحدها. وأشارت التقارير إلى أن 12 من الوفيات الأميركية حدثت لمرضى اعتادوا تناول دواء ثانٍ لخفض الكولستيرول، هو "جيمفيبروزيل" Gimfibrozil. وبيّنت التقارير ظهور آثار جانبية مترتبة على استعمال هذا الدواء الذي يعرف أيضا بإسم "لبو باي" Lipobay، أبرزها ضمور شامل للعضلات مع هبوط في عمل الكِلية. ومن غير المعروف الطريقة التي يتسبب بها هذا الدواء في ظهور الأعراض الضارة، أو في الوفيات. والمعلوم أن الكولستيرول من الدهون الأساسية في الجسم، ويدخل في تركيب الأنسجة والأعضاء، وتعتمد ليونة العضلات على التوازن بين معدل البروتين والدهون فيها. وحرص مسؤولون في الشركة على التشديد على الموافقة الطوعية التي أبدتها الشركة عندما طلب "المكتب الفيديرالي للغذاء والدواء" الأميركي منها سحب هذا الدواء. ومن الغريب أن المرضى اليابانيين لم يعانوا هذه الأعراض، لذا أبقت الشركة دواءها في اليابان وسحبته من التداول في مختلف أسواق العالم! ويُذَكِّر الاستثناء الياباني، إذا جاز الوصف، بنقاش طبي طويل في التفاعل بين نمط الحياة وطرق العيش وخصائص الأطعمة والوجبات اليومية وغيرها، مع الآثار العميقة للكولستيرول في الجسم. وفي عبارة موجزة، فإن التفاوت بين تفاعل جسد اليابان، عما هي الحال في الغرب، يشير إلى ضرورة التروي قبل اختزال موضوع الكولستيرول إلى مجرد أرقام وقياسات في المختبر. وقبل بضع سنوات، أظهرت دراسة دولية موسّعة شملت مرضى من قارات عدّة، أن نمط الغذاء في بلدان البحر الأبيض المتوسط عموماً، يقلل من الآثار الضارة الناجمة عن ارتفاع مستويات الكولستيرول في الجسم. وفي قول آخر، فإن المريض الذي لديه كولستيرول مرتفع ويأكل من المطبخ اللبناني، لا يكون على المسافة نفسها من الإصابة بأمراض القلب والضغط، مثل مريض بريطاني أو أميركي لديه المستوى نفسه من الكولستيرول. ولعل هذه "المصادفة" هي من حسن حظ المواطن العربي الذي لا يميل عموماً إلى التشدد في نمط غذائه، بل يبدو كأنه "يحرص" على توافر الأطعمة المرتفعة الدسم في مأكله اليومي! ويعدّ "بايكول" من أنجح الأدوية التي أنتجتها الشركة أخيراً، وهو مصنف ضمن الأدوية الأكثر مبيعاًَ في أسواق عِدَّة، ويستعمله نحو مليون شخص في الولاياتالمتحدة. وكان من المتوقع أن يعود بأرباح قيمتها بليون دولار نهاية العام الجاري، على شركة "باير" التي تعاني أزمة واضحة في مبيعاتها. وعلّق أحد المسؤولين فيها على هذا الأمر بالاشارة إلى أن سحب هذا الدواء يعني خسارة ربح متوقع قيمته 600 مليون دولار، إضافة إلى أن الدواء هو الوحيد الذي يدر أرباحاً مقبولة على هذه الشركة. عنوان ذو صلة على الإنترنت: http://wwww.news.bayer.com