ذكرت "الحياة" أمس أن رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات عاد إلى استخدام الرمز في جريدته "الدومري" للتحايل على الرقيب، واستجاب شرط الحكومة حذف صفحتين من العدد الأخير واستبدلهما برسمين "ينعيان" حرية التعبير بسخرية مريرة. الكاريكاتير هو فن الرمز، ورسام الكاريكاتير لا يلجأ إلى الرمز مضطراً بل يمارسه طوعاً، والرمز هو أداة فنان الكاريكاتير و"سلاحه"، وغياب الحرية يثير خياله، ويشعل فيه ملكة الرمزية. ورسام الكاريكاتير هو الوحيد القادر على التعبير عن الأوضاع، وإطلاق الآراء بجرأة في أحلك الأوقات، باستخدام ريشته التي تشبه كاتم الصوت الذي "يطلق" الآراء من دون كلمات وضجة، كما يفعل كاتب العبارة المباشرة. ازدهر فن الكاريكاتير في العالم العربي مع غياب حرية النقد والتعبير المباشر عن الآراء من دون خوف، ولقياس مستوى حرية التعبير في بلد عربي معين تابع فن الكاريكاتير، فإن كان مزدهراً فمعنى ذلك أن البلد في حال عداء شبه مطلق مع حرية الكلمة، وإذا كان مجرد قصص محكية أو نكات سطحية مرسومة فمعنى ذلك أن ثمة مجالاً أمام الكلمة للتعبير. وفي مصر ازدهر الكاريكاتير في أحلك أوقات حرية التعبير، والعكس في بلاد شهدت فيها الصحافة تطوراً في بعض الفترات، مثل الكويتولبنان، وهذا المقياس لا يصح دائماً. إن ازدهار فن الكاريكاتير في البلاد العربية لا يعود إلى غياب الحرية وحاجة الناس إلى وسيلة للتعبير بصمت فحسب، بل لأنه وسيلة تنسجم مع الثقافة العربية التي تخاف الكلمة، وتسمح بالنقد بالإشارة أو التورية. والكاريكاتير بطريقته غير المباشرة يحاكي ثقافة الصمت، ويستطيع التعايش معها، لكن خنق الحرية على الطريقة العربية يصنع كاريكاتيراً يفوق في دويه المدافع، وبعضهم ضاق بناجي العلي وقتله بكاتم الصوت لأنه عبّر بصمت مجلجل، ومحمود كحيل عبّر أمس في "الشرق الأوسط" عن الانسحاب السوري من لبنان بطريقة تعجز عن وصفها الكلمات.