1 اذكُرِ الاسْمَ. اذكُرِ. اذكُرْ فلسطينَ. اذكرْهُ. في الصباح وأنتَ تسلّم على نفْسك. واقفاً. أمام مرآة. به أبْدأ الذِّكْرَ. التحيةَ الأولى في الصباح. اذكُرْ فلسطينَ. مستعدّاً لهبُوط درج البيت. مُسرعاً. ربْما. متباطئاً. منْ يعلْمُ سواكَ. أيّن أنتَ. اذكُرْ فلسطينَ. لا تهتمَّ. باسْمٍ قبْلَهُ. في الصَباح. صباحِكَ. راكباً دَراجَةً. مُقْبلاً على المقْهَى. واضعاً يدَكَ على بَابِ المعْمَل. اذكُرِ. الاسْمَ. فلسطينَ. ناسياً اتجاهَكَ. حاملاً حقيبةَ المْدرسَة. الجامعة. دفَاترَ. أو كراريسَ. اذكُرْ أوْلاً فلسْطين. اسْمٌ لأيَامِك التي لا تُحْسنُ النطقَ بهَا. تتلعثم في تذكُّر أسْمائها. وتسْألُ. أيّ يوْم يومُنا. منَ الأسبوع الذي لم تنْقص منّهُ سوى ثلاثةِ أيّام. ثمّ هي منسيةٌ وأنتَ تقترب من الأسماء. أذكُرْ اسمَ فلسطينَ. مَرةً واحدةً. لنفْسِكَ. مُلقياً نظرتَك على سَماء مُشْمَسةٍ. في الرَبيع. والمطرِ الذي توقَفَ لهُنيْهَةٍ. على أرْضٍ مُبلّلة. بعضُ سَحاب ما زَال في الجهَة الشَرقيَّة منَ المدينة. وأنتَ تقْطَعُ الطَّريق باحثاً عنْ مكان مناسب للتوقُّف. ريثَما تطهرُ حافلةٌ. تُقلّلُك الى المكان الذي أنتَ تتوجّه إلَيْه. في الصّباح. خافضاً رأسَك. تنصتُ الى منْ يُناديكُ. في السرِّ. اذكُرْ فلسطينَ. كلمةً واحدةً. لمرّة واحدةٍ. عاريةٌ. من أيِّ صفَة. صلاةً. لا قبْلَ. ولا بعْدَ. اسمُ فلسطينَ. الواحدةُ. الوحيدةُ. اسْمُ فلسطينَ. وأنا أنظرُ إليْكَ خافضاً رأْسَك. في انتظار الحَافِلَة مادّاً يدكَ الى بَاب. رافعاً صوْتَك. في علُوٍّ جدارٍ من الإسْمَنّت. المسلّحِ. في نهايةِ الشّارع. أذكُرْ اسْمَ فلسْطِين. وما كنتُ أدْرِي ما أقُول. عنْدمَا. غادرتُ شارداً. بيْتِي. سائراً نحْو الممرِّ القريب من الصّرخَةِ التي وصلَتْ. مضرّجَةً بدمَاءِ منْ لستُ أعلَمُ. آنذاك أدركتُ أنني أتكلّمُ. والكلامُ. ليس كلاماً بالتّحْديد. في البحْث. خالجتّني ريْبَةٌ. كدْتُ مِنْ صدمِتهَا أصْرُخ بدوْرِي. هاتفاً في الضَّجيج السّاقط من جدَارِ. الإسْمنتِ. والطّابق العُلْويِّ. في نهايةِ الشَّارع. سياراتٌ. تتزاحُم. بكثْرَةٍ. منِّي. أقولُ لنفْسِي. عليكِ أن تتّكئِي علَى عمودُ الكهْرباءِ القريب من محطَة القطَار. هناكَ أهْدئِي. وعُودي. الى صاحبِكِ. كما كنتِ أوّلَ مرة. لا عنفَ بيْنكِ وبينَهُ. لا شتائمَ. إنّه يذكُر. اذكُرْ فلسطين. وهو في الحقيقة. مشتّتُ الذّهْن. زائغُ العيْنَين. مكدودٌ. في ناحيةٍ مُعْتمة من المقْهَى. يقرأُ الصّفْحة الأولى من الصّحِيفة. كأنما الأخبارُ لا تُغريه. كأنه لا يقْرأ. حاملاً بيديّن. شبْهِ جامدتيْن. كتلةَ أوْراقٍ. وهو يحدّقُ. في الكلمات. اللاّكلِمَات. متيقّناً منْ أنّه يقرأُ. ما لا يُبْصِرُه. مواصلاً قراءَتَهُ. بعينين مفتُوحتيْن. ثابتتَيْن. والتماعٌ في الأهْدابِ. يحسّهُ. حارَاً. يحسّ العيْنَ تغرقُ في شُوَاظ. 2 ومهما حاولتُ أن أفسّر ما تريدُ الكلماتُ أن تدلَّ عليه، فلن أكونَ إلا متسوّلاً أمَامَ بابٍ مقْفُول. ذلك ما يدفَعُ القلبَ الى خفَقانِ. أعنْي التنفسَ باضْطراب. وفي الكلماتِ. ما لا أغربُ في الرّمَي بهِ على الأرَض. ذلك ما أعجزُ عنْهُ . في الكلماتِ كلُّ ما أحافظ عليّه. وذلك سرُّ حياةٍ بكامِلها. في المَادّةِ. التي أحْتاج اليْهَا كيْ أتنفّسَ. وأنا أنظرُ الَى هذا العذابِ الفلسّطينيِّ. اسمعُ. رعباً مَا في الدخيلة. يتدافعُ. صامتاً حيناً. مُجّلجلاً. حيناً. وأنا أكادُ أنظرُ إلى العالَم من حوْلي. حيثُ المعْنَى. مجرورٌ على الإسْفلْت بحبَالِ اللاَّمُبالاَة. مطعونٌ بسيوف الضّميرِ الإنسانيِّ. وفي الكلمات. ما يبْقَى متهدّجاً. حتى الساعاتِ المتأخرةِ من الليل. وأنتَ تُحاول أن تفهمَ ما الذي يصيبُ مَعاني الكَلِمَات. ولي أن أضاعفَ التأملَ في فلسطين. مرّةً واحدةً. كلمةٌ واحدةٌ. وفي العذاب الذي يقْسُو. من زمَنٍ الى زمَنٍ. فيه الأجيالُ الفلسطينيّةُ تتعرّفُ على معْنىَ الكلمات. وأولُ الكلمات. فلسطين. محدّقاً. في سَماءٍ. في وجُوهٍ تمر غيْر مكترثةٍ بما يحدُثُ. سبْعُ بجْعَاتٍ تطيرُ في سماء المدينة. البجع الأزرقُ. والعيون مشدودةٌ إلى مركز الشارع، حيث القادمونَ يحْكُون عن نتائج المُسابقة الكبرى. على شاشَة التلفزيون. في الطّبقة السفليّة. من الشّارع. تظهرُ فلسطينُ. مطوقةً. وفلسطين. تتحول الَى فَريسَة. يتقاسمُها الصّامتُون. في العالَم. جميعُهُم. يلتقُون في منطق الغَنِيمة. بالصّمْت. مُوقِداً نيرانَه في الصُّور التي لمْ تصِلْ. وهيَ الآن غارقةً في رمادِهَا. في الصّمْت وما خلْفَه. تتعرّى الكلماتُ. والمعنى يمزّق القَطِيفَة. والأقنعَة. صارخاً في عالَم لا يُبالِي.. أنا الحقُّ. أنا الحقُّ. من يستغيثُ؟ من يَجنُّ؟ من يَهْذي؟ أسئلة. لنفسي. وأنا أبحثُ عن معْنَى الصّمْت. الذي يُضْرم النيرانَ. في شعْبِ. كأنه ليس موجوداً. كأنّما الاسمُ. فلسينُ. كانَ في عهْد ثم انقضَى العهْدُ. انقضَى الاسمُ. في الأزمنة التي لم يكُنْ فيها لسانٌ مشتركٌ للحقيقة. لكنّني أتأمّلُ. مَا لا أفهمُه كثيراً. في عالَمٍ. يُنسَى ولا يغتمُّ لما ينْسَى. أعْني المعّنَى. الحريةَ. كلمةٌ واحدةٌ. لا أضيفُ اليها كلمةً. هي وحْدها الحريةُ. كلمةٌ. لم يعد البحثُ عنْهَا مُسْعفاً. عندما ننطقُ بها. مقترنةً باسم فلسطين. صعبٌ إدراكُ ما يحْدُث. السنواتُ. المعارفُ. السِّياساتُ. المصالحْ. صعبٌ. أن أفهمَ. كُلّما أطللتُ. اصطدمتُ بمَا لا يُمسَكُ. ما لا يبرَّرُ. عالَمٌ يفقد طاقةُ الكلام. عندما تنطق باسْم فلسطين. كلُّ ما قِيلَ. ما أمْلَتُه الآلهةُ. ما سطرتّهُ الإراداتُ الحرةُ. في فلسطين. اسمْ فلسطينَ. يتوقّف عن الاشْتغَال. مُعطَّلاً. عنَ المعْنَى. وهو أمرٌ يعسر إدراك أسراره. بالمنّطق الاعتياديِّ للتّحليل. للفهْم والتأويلِ. تلك الطُرقُ التي تتبعُ مناهّج لها ضوابطُ. مع اسْم فلسطينَ. المناهجُ والضوابطُ. تَفّقد طاقةَ الكلام. خرساءُ. في اللّيل. والعذابِ. كلمةَّ وحْدها. واحدةٌ. وحيدةٌ. في الخَلاَء. وفي كُلّ مرة شيءٌ نفْقدُه ونحن نُحاولَ الصعودَ الى الكلمَاتِ. نفقدَ الثقةَ بالعالَم الذي علّمَنا المعْنَى. ولك أن تهيمُ. منذُ الساعات الصباحيّةِ. التي كنتُ فيها عزمتَ على العوْدَةِ الى الشارع والنّظر الى ما يُمكن أن يحدّثَك به الناسُ. بائعُ الحليب. موظفٌ في مكتب البريد. حارسٌ ليليٌّ في معمل للنسيج. كَنّاسٌ يفضل تدخينَ سيجارة كلّما كان على وشْك الشروع في كنّس أرضيةِ محطّة القطار. هؤلاءُ. مثلاً. أولئك الذين تبحثُ لديهم على المعْنَى. وهُمْ لا يكذبُون. لا يعنيهم الكذبُ. وهُمْ يتبادلون الكلامَ معَ قريب. أو مَنْ يثقونَ فيه. وهذا ما لا يتحقّقُ بسُرعة في مُواصلة الكَلاَم مع أصحاب القرار. وهُمْ في أمْرٍ كهذا لا يستبشُرونَ بمَنْ يسأل. في الصّباح يرغَبُون في احْتساء قهوةِ الصبّاح. والخَدَمَات. 3 لماذا الهَذيانُ؟ سؤالٌ. بحدِّ ذاته يفاجئُني. لستُ أهْذِي. للتأمُّل منطقٌ. داخليُّ يتْبعُه. تأملّْ فيه يختلطُ الحوارُ مع الذات بالحوار معَ الآخرِ. ولا حدودَ بينْهُمَا. تبدأُ الجملةَ صامتاً لتَفصِحَ عن طَرفٍ منْهَا. والمخاطبُ لا يفْهَمُ ما المقصودُ من جملة ناقصةٍ. ونطقُك يحْتمِلُ أن يكون على نحْوٍ مُخْتلف. جملةٌ لا تتمُّ في حِوَار مع الذاتِ ولا في حِوَارِ مع الآخر. تلك هي الجملةُ التي تنْطقُ باسْم فلسطينَ. هذه الأيامُ. أعودُ بمثْل هذه الجملةِ الى المرْحلة التي أقبلتْ فيها حمامةُ. السّلاَم. آنذاك كان التأمُّلُ يهْجُم. على أمّكنةٍ لا يقْبَلُ بها الحُكَماء. أصحابُ القرار. فيما النّاسُ. البُسطاء. كانوا أكثرَ إدراكاً لما سيحّصُل لاحقاً. شعبٌ في سجْنٍ كَبِير. ولي الآن أنْ أتأمَلَ. عنْدمَا تأملتُ من قبْلُ. في غُرفةٍ صغيرة. مكسّوةٍ بالشّمْسِ. أحاول أن أبتعد عن اليومِّي. الذي يُحاصِرُني. في الصّمْتُ. أحكُّ مقدمةَ الرّأْسِ. ومع الصمت. أسمعُ هاتفاً يقول أذكُرُ فلسطينَ. أُنصتُ اليْه. أتركه يهْتِفُ. يدنُو وينّأَى. صوتاً. لا أخصُ به شخصاً معيّناً. هو صوتٌ. إنْسيٌّ. من دون ملامحَ مشخّصَةٍ. يقول لي اذكُر فلسطينَ. مَرةً واحدةً. هذا الأسمَ. الذي يتكوّمُ. في الهَواء. مع الشَمْس. والصّمْت. يخلف أشّجار الصّنَوبَرِ. يتوارَى. والصباحَ كلمتُك اذكُرْ فلسطين. بِشفتيْن هادئتيْن. أذكُر. ذاكراً. هذا الاسمَ. كأنّه اسمٌ للوجُود. سأنكِرُ الفجيعةَ إنْ أنا توهّمْت أنّ الاسمَ مقرونٌ بغيْر الاسْم. فلسطين. والصُّورُ تتقاطع في مُخيّلتي. ما شاهدتُه منذ عقود. في لمْحةٍ صاعقةٍ. تركّب المخيلةُ صٌُوراً لا عَدَّ لهَا. للدُّخان. الدِم. الشهداءِ العلم الفلسطينِّي. أسلاكِ الحدود. النساءِ. الخيامِ. المدارسِ. المذابِح. المساعداتِ من القمْح والزّيْت. في خيامٍ. أبيضُ وأسودُ. كمَا شاهدْتُها عبر سنواتٍ في الوثَائق المُصوَّرة. والدمُ الذي لا يُفارقُ. فلسطينَ. بلدٌ من دماءٍ. ودمْعٍ يحدّقُ في جُثّه الكلِمَات. فلسْطينُ على الأرضْ. أرضِ التّاريخ. وأرضِ الذّاكرة. شعبٌ فلسطينُّ. فلسطينُ. هجراتُ أُمَمِ وتوافُد أدْيانٍ. فلسطينُ. ملْحَمَةٌ. تغَطّي جهاتٍ الأرض بأجْنِحَةِ النّشيدِ. فلَكَّ يطوفُ بنا. يرفعُنا الى سَماوة الكَلِمَاتِ. الحريةِ. وعلى الجدران الصمتُ. وفي المكاتب الصمتُ. وفي الأزقة الصمتُ. وفي الكتب المهذارة الصمتُ. فلسطينُ كلمةٌ. هي العذابُ في زمَنِي. وهي الألمُ. فلسطينُ أنظرُ الى الكَلِمَة. من أنْحاء الدّمْعِ. أنظرُ اليها. في مُعجَم أعلنُوا ذاتَ يوم عن إحْراقِه. وفي الدخيلة كلمةٌ. لا تحْتَرقُ أبداً. فلسطينُ. المحبةُ حرْفُها الأولُ. على الأرْضِ. ضاحكاً. أقولُ أذكُرْ فلسطينَ. ضحكٌ به أبْكِي. والدمُ في الكلِمَة. التي أنظرُ بهَا الى نَفْسِي. سجنٌ كبيرٌ. سيّاراتٌ عسكريّةٌ. دبّابات. ذروعٌ فُولاذيّة لهدْم البيُوت. والرشّاشاتُ مصوبَّةُ نحْو جميع الصُّدور. الطفلُ الذي يموتُ. والطفل الشهيدُ. والطفلُ الذي يُضرم النارَ في العجَلاتِ. جداراً منَ النيران. سهولٌ وجبالٌ. في الممرّات. قِفْ. سلاسلُ من نِضَالِ حديديَّةِ. كُتلاتٌ ضخمةٌ من الإسمنْتِ والحَدِيدِ. والطفلُ معَ الأطفالِ. والجوعِ. والأنقاضِ. والبكاءِ. والشيْخِ. والنساء الواجِمَات. أذكُرْ فلسطينَ. لا تنقطع عن ذكْرِهَا. لا تنْسَ أن تُعيدَ وتعيدَ. اسماً. في الحُنجرة. ماسكاً بسقْف الفَمِ. واللَّهاةِ. والأسْنَان. 4 أنتقل بيْن العمَل والصّمْت. متأمّلاً. في هذا الزمَن. والسّجْن الكبيرِ. والدِم. والقبرِ. والعلَمِ. المشدودِ بالسّلْكِ. والهوَاء الرّاكِض في الشّوارع. والكلمةُ. فلسطينُ. في الدّم. تنطقُ. ناطقةً في وجْهِك. اذكُر فلسطينَ. صخرةٌ واضحةٌ. على أرْضِ التّاريخِ. والنّشيدِ. في دفْتر مدرستي. والطفلُ الذي يُشير الى العذَابِ الفلسطينيِّ. فِلسْطِين.