في طريقنا الى متحف الشاعر التشيلي بابلو نيرودا لفّنا شعور بأن طبيعة الدرب الذي نسلكه مختلفة تماماً عن سانتياغو الهجينة التي تركناها وراءنا باردة وموحلة. دفء الشمس وروعة جبال ساحل المحيط اطلقت لذاكرتنا العنان، انا وصديقي "مترجمي" وسام قنبر، نستذكر ما رواه الشاعر في مذكراته وقصائده عن مغامراته الأولى ورحلاته العجيبة في أقاصي الارض، مع ما تبقى من ملاحظات الليلة السابقة مع بعض الاصدقاء التشيليين واختلاف نظراتهم له وحتى في درجة تذوق حلاوة وجمالية قصائده، فالشاعر هنا في مستوى النقد وليس فوقه كما هي الحال مع بعض كبار شعرائنا، فنيرودا الشاعر تجاوز مستواه السياسي وصار قارة الجميع لهم الحق في رؤيته كما يريدون. بعد ساعتين تقريباً من السير في شوارع تحيطها مناظر رائعة تتقاسمها الشمس والضباب ويملأ جهاتها باعة الخبز الحار والفستق المملح، لاحت لنا من علٍ وفجأة جزيرة "نيكرا" كأنها جزء من المحيط الذي يلفها والجبل في مستوى واحد، لتشكل اندماجاً غريباً دفعنا للتوقف وتأمل هذا المشهد بصمت، فصوت المحيط ورائحته يدعوان الى الانبهار. حقاً لم يختر الشاعر هذا المكان عبثاً هو من زار كل شبر في هذه البلاد الطويلة الممتدة من بداية القارة حتى المتجمد الجنوبي. دليلة المعرض الجميلة استقبلتنا ببشاشة ولباقة تنسجم مع عملها ومع مهمة تقديم متحف شاعر صار مقصداً للناس من ارجاء العالم. قالت الدليلة كأنها تقرأ افكار كل زوار المكان: "قد تتساءلون عن السبب الذي دفع نبيرودا الى السكن عند البحر وهو ابن القرية والأرض. لقد احب نيرودا البحر لكنه ظل خائفاً منه، فلم يمتهنه بحاراً، لكنه ظل قريباً منه يملأ عينيه وقلبه من جماله الأخاذ، وحتى يعيش معه على الدوام بنى الشاعر بيته في شكل سفينة كما ترون". لم نفهم العبارة الأخيرة بوضوح فالبيت يبدو من الخارج عادياً ولكن، ما ان دخلنا البهو الصغير حتى واجهتنا مقدمات سفن "الياطرات" عملاقة مشدودة على الجدار بأشكال مختلفة قطعت من سفن قديمة ايطالية وفرنسية وغيرها. وأدركنا على الفور ان منظر البيت الخارجي مخادع لا يشي بما فيه. أتصور الشاعر نيرودا وهو يحمل هذه الأثقال على كتفه أو يذهب سراً في الليالي الى ميناء ما فيخدع بحاراً مخموراً ليحملها الى قاع سفينة مبحرة الى تشيلي او يأخذها الى منزله كلص مبتدئ في منتصف الليل. في قاعة استقبال الضيوف الخضراء يتجسد البناء البحري اكثر. منضدة دائرية عملاقة فوقها مصباح كبير من القماش الابيض الرقيق وكراسً من خشب الصاج. قوارير وكؤوس من الكريستال البوهيمي، لوحات للبحر ولموانئ تقليدية رسمتها أياد مجهولة من اصقاع الارض كم من الحيل وقدرة على الاقناع استخدمها نيرودا لأخذ كأس جميل مرصعة بالعقيق او منفضة سجائر حملها تحت قميصه اثناء زيارة سفير ما او اديب من بلاد الله الواسعة دعاه تقديراً لسمعته التي طبقت الآفاق، كم مرة قلّبها، وكم هدر من الوقت وهو يتأمل جمال مقتنياته الرائعة. لكن، للحق الا تستحق الجهد والوقت؟ تساءلت مع نفسي!. في هذه الغرفة كان يستقبل اصدقاءه وزواره في مناخ ساحر لا دوار بحر فيه ولا خوف من هيجانه، يواجهون عبر النوافذ مياه المحيط الهادئة باسترخاء. قاعة الاستراحة والتدخين تتوزع على ارضيتها حقائب خشبية من غابر العصور والأزمان وتصطف على جدرانها دواليب زجاجية عدة، تعرض فيها غليونات نيرودا المختلفة الأشكال بجانبها قناني الرمل ذات التشكيلات الرائعة لا أحد يعرف فنها سوى سكان جزر المحيط الهادئ في الجزء المقابل لأراضي شمال البلاد. ربما كان واحد من هذه الغلايين معه حين زار الهند وتعرف الى احدى نسائها وهو غارق في ضبابه المملوء بالأفيون... من اي انواع التبغ عبأت هذه الغلايين صدر الشاعر بدخانها، وأي ذكرى تحمل كل واحدة منها؟... ربما كان نيرودا بحاجة الى قرن من الزمن ليحكي قصصها فوحده كان يعرف تواريخها السرية. في زاويتي الغرفة ينتصب تمثالا الخير والشر الغريبان لقبائل بدائىة نقلهما الشاعر بحراً الى بيته النظر في عين إله الشر يجلب النحس... ترى هل نظر نيرودا في عينه في ذلك اليوم الذي قرر الفاشيون قتله بعد انقلابهم على حكومة صديقه الليندي؟. وفي الغرفة المربعة ايضاً طواطم خشبية افريقية، فعلى رغم انه لم يزر هذه القارة الا انه جمع منها ما يبهر الابصار يقيناً انه كان يحلم بزيارتها، وربما كان مخططاً فالشاعر كان يريد العالم بما يحتويه ولم يخطر بباله الموت القريب. اي صبر ورغبة دفينة تدفع الشاعر الى نقل كل هذه الروائع الى بيته وأي حسية عالية ينفرد بها. على جدران الممر المؤدي الى مكتبه علقت صور اشهر المبدعين والمفكرين الذين احبهم وعرف بعضهم: غوته، أراغون، بودلير، لينين، الليندي، وتخطيط مميز للشاعر لوركا الذي احبه وأحب بلاده وكتب اجمل قصائده فيهما "أسبانيا في القلب" هل خطر في باله ان مصيراً مشابهاً ينتظره في الجانب الآخر من الكرة الارضية، وهل كان تشابه المصير سر مودتهما؟. قبل خطوة واحدة لدخولنا الغرفة الاخرى التفت الى الحقائب فرأيتها مملوءة بالنفائس: مرجان، ياقوت وجواهر لا تحصى من الشرق، ولاح لي اني رزيت مصباحاً سحرياً مركوناً في احدى زوايا الصندوق العتيق وأقمشة الحرير قد حجبته عن الأنظار. على منضدة دائرية وزعت آلات موسيقية لمّها بابلو نيرودا من انحاء العالم، بينها كان عود فاخر وبزق تركي، سألنا الدليلة عنهما فلم تعرف اي نوع من الآلات هما وطلبت منا ان نكتب لها اسميهما. في نهاية الزيارة كتبنا بالعربية واللاتينية اسم العود والبزق وتركنا بصمة متواضعة لنا في متحف الشاعر الشهير. عرفنا ان نيرودا لم يكن يجيد العزف على آلة موسيقية ما... ترى لماذا جمعها اذاً... هل كانت حوريات البحر تعزف له ليلاً؟... ترى ما هي اكثر اعذب الآلات صوتاً لسمعه وأحبها الى قلب حورياته؟... العود؟ ربما من يدري، اذ لا بد من وجود سبب قوي دفعه لحمله الى هنا بجوار المحيط الذي كانت موسيقاه تطغى على الجوار. تحف وهدايا نيرودا لا تعد وتحار العين من ايها تشبع. لقد جمع و"سرق" لقًى من كل الدنيا وراء كل واحدة منها قصة. لكن ما جمعه من هدايا البحر يفوق كل وصف. مئات القواقع والمحار ذات اشكال وألوان مذهلة. وسط هذا الكم العجيب يتوسط ناب عملاق مدبب في شكل رمح لأحد الحيتان، وليقرب صورته رسم الشاعر لوحة زرقاء للحوت بكامل شكله وهو في اعماق المياه الزرقاء، كل هذه المخلوقات والجمال ابقت نيرودا اسير عالمه الغامض وتركته يردد شاكراً: البحر هداياه لا تنضب نيرودا الطفل يجمع القواقع جبالاً ينتقي احلاها ثم ينتقي كل العمر، وبقى منها عدد لم يتحمله قلبه فصار ما جمعه متحفاً للبحر. من اغرب هداياه كما قالت الدليلة منضدة زوجته ماتيلدا التي تأخذ حيزاً من غرفة مكتبها في البيت، فقد صحا الشاعر صبيحة ذات يوم ومسح المحيط بمنظاره كما يفعل كل صباح. رأى من بعيد خشبة طافية على الماء فركض اليها قائلاً "لقد وصلت منضدتك هدية من البحر" هل كان اتفاقاً مسبقاً بينهما لمفاجأة ماتيلدا في عيد ميلادها او في لحظة اراد لها ان تفرح مثله بما يهبه البحر من العطايا!... البحر كان متواطئاً معه على الدوام. مكتب نيرودا بسيط ورائع، رفوف الكتب قليلة، وقصتها معروفة حيث اهدى المكتبة الوطنية 5000 كتاب ظلت في اقبيتها لأن المسؤولين اعتبروها كتباً خطرة، على الطاولة قلم مداد فاخر مملوء بالحبر الأخضر. لقد كتب كل قصائده عن تشيلي بالحبر الأخضر مثل لون اراضيها. غرفة نوم الشاعر تأخذ الطابق العلوي كله تقريباً. نوافذها على البحر عدا نافذة واحدة يدخل ضوء الشمس منها الى جسده بحسابات فيزيائية، فالطاقة تتسرب بدءاً من الرأس وتسري حتى أخمص قدميه، تملأه بالطاقة اللازمة لنشاطه اليومي. سريره قصير على جسده العملاق. السر بسيط: لقد كان نيرودا ينام القرفصاء. وفي خزانته ظلت الملابس نظيفة ومكوية. من هذا العلو كان بابلو يسرح نظره الى المحيط. انا قبطان السفينة التي تمخر عبابك ومن علوي اقاوم امواجك. لماذا ظل الشاعر يخاف البحر؟... ربما من هذه الغرفة العلوية كان يشعر بتفوقه وانتصاره. وربما كان يمازحه كلما شعر بهديره المرعب يتقدم من الغرف الارضية فيهرب الى غرفته/ الكابينة ليرسي سفينته الغالية على ساحل الأمان. أكان نيرودا ينظر الى المحيط ليلاً؟ لم تخبرنا الدليلة ولا هو باح بالسر. عندما نزلنا من الغرفة واجهنا تمثال حصان بالحجم الطبيعي لم نلاحظه عند صعودنا الى الغرفة من الجهة اليسرى. انه هدية الهنود الحمر "الموبوشيون" السكان الاصليين للبلاد والذين دافع عن حقوقهم وعدالة قضيتهم التي يريد المتأوربون طمسها. لقد اراد نيرودا الحصان نفسه عندما كان في الثانية عشرة ولكنه حصل عليه في الخمسين. واشترى له سلة من الخوص ملأها بالعلف. ظل نيرودا يتحسر علىه كل هذه السنين وهل كانت رائحة عرقه وعلفه تنفذ الى انفه وهو في الطابق العلوي فيزيد احساسه بأنه على ارض أمان بجوار حصانه الجميل؟. في لقائي أحد قادة الحركة الموبوشية في احد مطاعم المدينة الجميلة سألته عن نيرودا وموقفه من قضيته. نيرودا شاعر عظيم وموته جسد بطولته وحبه للعدل ولكني لا افهم كيف كتب قصيدة يمجد فيها "ستالين" وهو المحب للديموقراطية! ظل نيرودا يجمع في سفينته حبه للأرض والبحر في انسجام وتوازن عجيبين انعكسا في اشعاره وبفضلهما صار شاعراً لكل الوطن وناسه. فجأة قالت الدليلة هذا هو كل بيت الشاعر لم يتمكن من اتمامه بسبب موته الدرامي على يد الانقلابيين البينوشيين، ان ما شاهدتموه لا يزيد عن اربعين في المئة مما كان مخططاً له بابلو. لقد ترك نيرودا وصية واحدة قبل مقتله هو ان يدفن ووجهه للمحيط، وكان له ما اراد. بامكانكم مشاهدته في الخارج بأنفسكم وأشارت بيدها الى الباب الخلفي للحديقة. هكذا ودعتنا الدليلة. لم يفصل المنزل/ المتحف عن رمال ساحل المحيط سوى امتار عدة ملأها الشاعر بأحلى ازهار الارض. قبره وزوجته يتوسطانها ووجهاهما الى المحيط الفيروزي الذي عشقه عن بعد. القبر من المرمر الأسود كتب عليه بلون ذهبي تاريخ ولادته وموته تحيطه هالة من الورود يجلبها زوار متحفه. في هذا القبر بقي جسد الشاعر ملامساً للأرض التي احبها، وراءه منزل صار متحفاً يخلد حياة شاعر عاش حياة معطاءة وثرية، شهد نفسه ذات يوم انه قد عاشها. في كل مساء يحكي نيرودا لماتيلدا ما يريد زيادته على داره، وأي الاحجار والمحار سيضيفها الى مجموعته، او التخطيط لرحلة قصيرة ليجلب تحفة ما!! يقيناً لن تتذمر بعد الآن، فهي تعرف ان منزلهما قد خلد كما تركاه، ولن يزيد سعة الا في قلب الشاعر الذي لا يريد تركه ابداً. في اثناء عودتنا الى سانتياغو ظلت في نفسي طيلة الطريق الذي غطاه الضباب حسرة على موت الشاعر وعلى منزله الذي لم يكتمل بعد. وعلى مشارف سانتياغو بدت المدينة في شكل مختلف. اكثر جمالاً وبهجة وراودني احساس انها تشكر زيارتنا لشاعرها... ففتحت لنا ابوابها المنيرة بوهج ليلي ساحر لم نألفه من قبل. قلت في نفسي ما أغرب المدن!. * كاتب عراقي.