أكثر من خمسين من الوجوه النسائية الشابة، دخلت ميدان الفن في سورية، في السنوات القليلة الماضية، بعضهن أكاديميات تخرجن في المعهد العالي للفنون المسرحية، وأخريات اختارهن المخرجون والمنتجون، من بين المعارف والسهرات والمصادفات، ولا يزال العدد في ازدياد. ولا تزال الشابات الطامحات الى الظهور على الشاشة يقفن في الطابور عند صدور أول نداء من مخرج يعلن حاجته الى وجوه نسائية جديدة لأعماله المقبلة، كما فعل نجدة انزور، عندما طلب وجوهاً جديدة لمسلسليه: "البواسل" و"آخر الفرسان"، وأنور تحسين القوادري عندما كان يبحث عن بطلة لمسلسله الجديد "سحر الشرق". هذه الظاهرة التي تتفاقم عاماً بعد آخر، تعزى أولاً الى اغراء الظهور على الشاشة وأحلام النجومية والكسب المادي، وما في حياة فنان اليوم من بهرج وشهرة وترف، خصوصاً في حياة اللواتي وصلن الى النجومية. خمسون عملاً في موسم واحد والمعروف ان انتاج الدراما السورية التي أصبحت تستقطب طموحات الشباب من الجنسين وأحلامهم، ارتفع في السنوات الأخيرة بوتيرة لافتة، فوصل عدد الأعمال الدرامية المنتجة في القطاعين العام والخاص في موسم 1999 الى ثلاثين، ومن المتوقع ان يصل انتاج العام الجاري الى خمسين، هي الآن قيد التصوير والانجاز، وهذا أمر غير مسبوق في انتاج أعمال يطمح أصحابها الى ايجاد فرصة لها للعرض في شهر رمضان المبارك. قبل هذه "الفورة" الانتاجية، كانت الشاشة السورية، ومثلها خشبة المسرح وشاشة السينما، تعتمد عدداً محدوداً من الوجوه النسائية تتكرر الى درجة الملل، وكان النقص بادياً في الوجوه الشابة بالتحديد، ما جعل المخرجين يضطرون الى اختيار ممثلة في الأربعين من عمرها لتؤدي دور فتاة في العشرين، أو دور طالبة جامعية. وعلى العكس كانت الممثلات اللواتي أصبحت في سن الكهولة، يرفضن دور الأم، ولا نقول الجدة، ما ولَّد آنذاك أزمة حقيقية بدأت بالانفراج بعدها، مذ أصبح المعهد العالي للفنون المسرحية يرفد الميدان الفني بالوجوه الجديدة. ونظراً الى انحسار دور المسرح والسينما، اتجهه الجيل الجديد الى شاشة التلفزيون، وهو يقبل أي دور، ضارباً بعرض الحائط أربع سنوات من الدراسة العليا والتأهيل الأكاديمي. خلل في الأدوار والأجور هذا الواقع ولَّد نوعاً من الخلل في الأدوار والأجور. ففي حين أسند بعض المخرجين أدوار البطولة الأولى أو المطلقة الى بعض هؤلاء الشابات، وبعضهن حديثات العهد بالفن، وبأجور عالية تصل الى ستمئة دولار عن الحلقة الواحدة، في حين تنال اللواتي لم تتح لهن مثل هذه الفرص الذهب، هذا المبلغ عن نصف عدد حلقات المسلسل. وهذا تفاوت كبير سبب هذا الخلل في سوق العرض والطلب عن هؤلاء الفنانين الشباب - من الجنسين - والذين ليس أمامهم من فرص غير الأعمال الدرامية بعد تراجع عروض المسرح ومواسمه، ووجود السينما في حال تشبه حال الموت غير المعلن انتاج فيلم واحد وسطياً في العام. الانتشار على الفضائيات ونظراً الى انتشار الدراما السورية على الفضائيات العربية، أصبحت هناك عوامل أخرى تتدخل في اختيار الأدوار حتى من شركات التوزيع وادارات بعض الفضائيات التي تقتني هذه الأعمال، حتى أصبح البعض مثلاً يشترط اسناد بطولة هذا العمل الى فنانة بعينها، حققت في مسلسل سابق نجاحاً ملحوظاً و"جماهيرية" بادية. ومن الوجوه الجديدة التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية وقلبت معادلة الدراما السورية: مرح جبر وليلى جبر وفرح بسيسو وسوزان نجم الدين وجيانا عيد وأمل عرفة وأماني الحكيم وتولاي هارون ونورمان أسعد ويارا صبري ولينا حوارنة وواحة الراهب ومي سكاف وضحى الدبس وأميمة ملص ورنا جمول وسلافة عويشق. وهناك جيل آخر أتى بعد هؤلاء منه: كاريس بشار وسحر كوكش وجيهان عبدالعظيم ورغدة الشعراني وسلاف معمار وليلى سمور ونجوى قندقجي وسلاف فواخرجي وسوسن ميخائيل وجيهان عبدالعظيم ووعد تفوح وريم عبدالعزيز ومرام نور ولانا الزين وايمان الغوري ومانيا نبواني وزينة حلاق وسمر عبدالعزيز وهدى الخطيب ورندة مرعشلي وغيرهن. بعض هؤلاء حقق شهرة سريعة وصلت الى درجة النجومية، والبعض الآخر لا يزال يراوح في موقع الدرجة الثانية أو الثالثة أو الخامسة. ولا بد من الاشارة الى ان نقابة الفنانين ليس لها أي دور في تنظيم تشغيل هؤلاء الفنانات، بل ان عملها محصور في متابعة أعمال فناني الملاهي والأندية الليلية، وتبقى فرص الاختيار في أيدي المخرجين والمنتجين وأحياناً المؤلفين أو كتّاب السيناريو أو حتى الموزعين. ولا يزال التنافس قائماً بين وجوه هذا الجيل. وكل واحدة تحاول أن تؤكد حضورها بعطاء أفضل ولو بأجرٍ أقل، واللواتي حالفهن الحظ، خرجن من اطار المحلية الى المستوى العربي ليعملن في أعمال عربية أو أعمال مشتركة، خصوصاً في الأعمال المنتجة بالتعاون بين سورية وكل من لبنان والأردن والخليج... وهناك استثناءات قليلة بالنسبة الى العمل في مصر. ولعل المقارنة الطريفة تبدو أكثر غرابة في محاولة لجوء بعض الفنانات الشابات الى تجارب الانتاج على رغم انها كانت تجارب قليلة ومحدودة، ولم تتكرر بعد الانتاج الأول. ما الحل؟ لا يرى أحد من المسؤولين ومن أصحاب القرار في مجال الانتاج الفني ان هناك مشكلة حتى نبحث لها عن حل. انهم يعتبرون الفن نوعاً من الصناعة والتجارة، ويعدون العمل الفني سلعة من نوع خاص تحكمها شروط التسويق وأرقام العرض والطلب، والمنافسة مطلوبة في هذا المجال، ولكل "شاطر" وليس لكل مجتهد - نصيب، في حين تؤكد كثيرات من الفنانات الشابات ان هناك خللاً واضحاً في هذا الواقع من مظاهره: 1- المساواة الظالمة بين الخريجات والوافدات على سوق الفن. 2- التفاوت غير المدروس في الأجور. 3- ديكتاتورية المخرج في توزيع الأدوار من دون أن يستأنس بآراء الآخرين. 4- عدم وجود تنسيق بين شركات الانتاج لاتاحة فرص العمل للفنانين الذين يعملون في أكثر من عمل. 5- اعتماد الذوق الشخصي والمصادفات في اختيار الوجوه. 6- عدم وجود دور فاعل لنقابة الفنانين في هذا المجال. 7- تفاوت الأجور بين القطاعين العام والخاص. ولا تزال المشكلة قائمة مع ازدياد عدد شركات الانتاج، وخصوصاً في القطاع الخاص وازدياد كمية الانتاج وبحث المخرجين الدؤوب عن المزيد من "الوجوه الجديدة"، خصوصاً من الجنس اللطيف.