أمير القصيم يسلّم وثائق تملّك الوحدات السكنية للمستفيدين من تبرّع ولي العهد    التبادلات التجارية في المملكة تتجاوز (184) مليار ريال في أكتوبر 2025م    «رحلة القلم»… أمسية أدبية تستكشف كيف تصنع الكاتبة عالمها الخاص    مسار حقيقي للقضية الجنوبية اليمنية برعاية وضمانات سعودية    «سلمان للإغاثة» يوزع مساعدات إيوائية على الأسر النازحة في محافظة حلب    ريادة عالمية للنموذج السعودي لجودة التعليم والتدريب    الجبير يستقبل المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط    اختتام التصفيات الأولية لمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن    إطلاق مسار جديد لحافلات مكة يربط المسجد الحرام بحي حراء الثقافي    الإحصاء: 92% من طلبة التعليم العام ملتزمون بالدوام المدرسي    نائب أمير مكة يطّلع على أعمال «موبايلي» خلال موسمي الحج والعمرة    150 عملية منظار للعمود الفقري ب"طبية مكة"    أمير تبوك يواسي فالح الحقباني في وفاة والدته    أمير الشرقية يستقبل رئيس مجلس إدارة جمعية "رعاية" لتيسير الزواج ورعاية الأسرة بالأحساء    رقم قياسي لمحمد صلاح في كأس أمم إفريقيا    بدء العد التنازلي لنهاية محطة الفضاء الدولية    السجل العقاري يبدأ تسجيل 8 أحياء في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة    شعار موسم جدة يلمع بالذهب ويدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية    حفل ل"هارموني عربي" بمهرجان الكُتّاب والقُرّاء    كييف تعلن إسقاط 125 طائرة مسيرة روسية خلال الليل    ضبط مواطن أشعل النار في غير الأماكن المخصصة لها في محمية طويق الطبيعية    صندوق النقد: نمو الاقتصاد السعودي غير النفطي يواصل زخمه القوي    المملكة ترفض أي محاولات لفرض كيانات موازية تمس سيادة الصومال    محافظ النعيرية يفتتح مهرجان ربيع النعيرية في نسخته الرابعة والعشرين    أكثر من 130 ألف زائر ل«بسطة الرياض»    «البلديات والإسكان».. استعدادات متواصلة للأمطار    توظيف الذكاء الاصطناعي يعزز الاستدامة    «كلاسيكو» الأرض.. ثأر ملكي أم استمرار التفوق الكتالوني؟    286 ألف جولة رقابية على مساجد المدينة    خطيب المسجد الحرام: سورة «ق» تبصرة وذكرى لأولي الألباب    الأهلي تفوق على الأخدود.. الرياض يعادل الفيحاء.. الفتح يهزم نيوم    «مليونا» زائر للرعاية الصحية بالأحساء 2025م    فيصل بن نواف يرعى حفل ختام أعمال «استراتيجي تطوير الجوف»    «مجيد» في مسقط.. مشاعر وأغانٍ تختصران التاريخ    وزير الشؤون الإسلامية يستقبل السفير السعودي لدى البوسنة    أمير القصيم يزور متحف العقيلات    أمير الشرقية يختتم زيارته للأحساء    واشنطن تدعم الشعب وتنفي التأجيج.. احتجاجات مستمرة في طهران    في انطلاق الجولة 16 من «يلو».. أبها لتعزيز الصدارة.. والفيصلي والدرعية للتعويض    الجماهير في السعودية شغوفة بكرة القدم.. والمنشآت متطورة    الرياض يقتنص تعادلاً قاتلاً أمام الفيحاء    في ختام الجولة 14 من «روشن».. الأهلي يعبر الأخدود بشق الأنفس    جرينلاند بين الجليد والنار    المظاهرات الإيرانية بين قبعة ترمب وتصريحات المرشد    صينية تهزم «الشلل» وتسدد ديون عائلتها    تدار بإشراف كوادر وطنية متخصصة.. 50 برنامجاً لإكثار الكائنات المهددة ب«ثادق»    "الداخلية" تنعى الفريق أول سعيد القحطاني    انتشار الأمن الداخلي لإعادة الاستقرار.. الجيش السوري يسيطر على «الشيخ مقصود»    بحضور أمراء ومسؤولين .. الجميعة يحتفل بزواج سطام وسعود    إرساء عقود صيانة ل 6478 مسجداً وجامعاً    «زاتكا»: تسجيل 862 حالة ضبط    باحث: بداية موسم الشبط الخميس المقبل    «العصب السابع» يداهم لقاء سويدان    الإطاحة ب «بالتوأم المخادع» في مصر    لتنظيم العمل ورفع جودة الخدمات.. اعتماد لائحة مقدمي خدمات «السلامة والصحة»    نحن شعب طويق نحن فكرة قبل أن نكون عددًا    الفريق سعيد القحطاني سيرة عطاء ومسيرة وطن    سعاد عسيري تُجسّد حب جازان لقيادتها في قصيدة وطنية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عمارة المسجد الأقصى وتاريخها
نشر في الحياة يوم 15 - 10 - 2000

سكنت القبائل العربية أرض فلسطين قبل الإسلام، ثم استوطنها العرب المسلمون وحكموها منذ عام 635م حتى عام 1917، تاريخ ابتداء الانتداب البريطاني عليها بعد الحرب العالمية الأولى.
افتتحها المسلمون زمن أبي بكر وزارها عمر بن الخطاب أربع مرات وتم فتح بيت المقدس على يديه. وفتح معاوية بن أبي سفيان آخر معقل فيها سنة 19 للهجرة. تعد قبة الصخرة والمسجد الأقصى من أهم العمائر العربية الإسلامية، لكونهما من أقدم الأبنية التي لا تزال تحتفظ بعناصر فنية معمارية متميّزة، ترجع الى عهد البناء الأول حين لعبت دوراً بارزاً في تبلور الطراز العربي الإسلامي.
كانت حادثة الإسراء والمعراج، وما ورد فيها من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية بداية اهتمام المسلمين بهذه البقعة التاريخية، ثم كانت الخطوة الثانية حينما حرر العرب المسلمون القدس من أيدي الروم البيزنطيين وحضر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بنفسه ليشهد الفتح و يزور الصخرة الشريفة ويعنى بها على أنها غدت جزءاً من تراث الإسلام والمسلمين، ومن أكثره قدسية، وقبل أن يغادر بيت المقدس أمر بإقامة مسجد للمسلمين.
وما نعرفه عن مسجد عمر، لا يتعدّى ذلك الوصف البسيط، الذي قدّمه لنا الأسقف الفرنسي اركولف الذي زار فلسطين سنة 670م، ويقول فيه: "إنه بناء مربّع مبني من اللبن والخشب" كما ذكر أركولف أنه عاش في زمن الخليفة معاوية ملك المسلمين، وأقام أركولف في القدس تسعة شهور، كان في أثنائها يقوم بجولات في المناطق المجاورة، ويذكر أن سور القدس كان يضمّ أربعة وثمانين برجاً وست بوّابات، ويقول إن جماهير غفيرة من المسلمين، من مختلف الأمم، تجتمع في القدس يوم الخامس عشر من أيلول سبتمبر من كل سنة لشراء البضائع التجارية أو بيعها.
ويذكر الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" أنّ مسجد عمر قد أعيد بناؤه في العصر الأموي، فقد شيّد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان المسجدين الهامين: الأقصى، وقبة الصخرة. وهذا ما أجمعت عليه اكثر الروايات التاريخية، والكتابة التاريخية التي لا تزال في أعلى قناطر مسجد الصخرة مكتوبة بالفسيفساء بالخط الكوفي وتتضمن تاريخ الإنشاء من عام 72 للهجرة، واسم عبدالملك الذي دخله التحريف ليوضع مكانه اسم المأمون.
وبعض المؤرخين ينسب أعمال البناء الى الوليد بن عبدالملك، والأرجح أنه جرى التخطيط للمسجدين والقيام بأعمال البناء في أيام عبدالملك، واستكملت الزخارف والرخام والفسيفساء في عهد الوليد، فقد عثر على بردية في مصر، تتضمن أمر الوليد لعامله قرة بن شريك بإرسال العمال الى بيت المقدس للإسهام في أعمال البناء في المسجد الأقصى وقصر الإمارة. ويقع المسجد الأقصى على محور قبة الصخرة باتجاه الجنوب وبمحاذاة السور الجنوبي للحرم وهو يتصف بميزات وخصائص معمارية وفنية نادرة الشيوع في المساجد الإسلامية، يرجع معظمها الى العهد الأموي، وقد وصفه المقدسي أنه كان أحسن من مسجد دمشق قبل انهدامه، وهو يخلو من الصحن أو الفناء الداخلي المكشوف، وامتاز بعدم توسّط محرابه لجدار القبلة، ومن المستبعد أن يكون للأقصى الأموي قبة، كالموجودة حالياً، ولكن غناه بالزخرفة المكوّنة من الكسوة الرخامية والفسيفساء الزجاجية، على شاكلة مسجد دمشق وقبة الصخرة أمر لا شك فيه. وتقول الروايات إن المسجد تهدّم في زلزال سنة 130 هجرية، وأمر أبو جعفر المنصور بترميمه، ثم تعرّض لزلزال آخر في عام 158 فأمر المهدي بإعادة بنائه واستحدث في سنة 163 هجرية توسيعاً في البلاطة الوسطى بعد الاستغناء عن صف من الدعامات كان يتوسط بيت الصلاة وغطاها بسقف ضخم يعلوه منور لإدخال الضوء وقبة خشبية مزدوجة مغلقة بصفائح الرصاص من الخارج ومزينة بالجبس من الداخل، وتم الحفاظ عليه بوساطة سلسلة من المساند.
وقد أحدث الخليفة الظاهر الفاطمي ترميماً في المسجد سنة 436 هجرية، بعد الزلازل العنيفة التي ضربت بلاد الشام لاسيما في سنتي 406 و425 هجرية، كذلك ينسب الهروي حين زار المسجد في عام 569 بناء القبة الى الظاهر، وأول من أسمى الجامع بالمسجد الأقصى الرحالة ناصر خسرو الذي زار القدس في عام 438 هجرية وتبعه الهروي الذي زارها في عام 569 ه. هجرية. ثم تأكد التخصيص بشكل واضح عند ابن شداد في القرن السابع وعند ابن بطوطة في القرن الثامن، وعند مجير الدين الحنبلي في القرن التاسع الهجري، وهكذا تتميز أعمدة المسجد الأقصى بقصرها وسمك قطرها.
وقد تأثّر المسجد بقبة الصخرة، بتعدد مداخله وتصفيح أبوابه بالذهب والفضة واستخدام الفسيفساء التزيينية فيه، ووجود العوارض ذات الكسوات المزخرفة التي تحمل سقف البلاطة الوسطى. وتتمثل الكسوات المزخرفة بعناصر الكؤوس، وثمار الرمان وأوراق العنب المركبة والمحورة والوريدات المفصصة والحبيبات المجمعة والمزهريات التي تحمل عناصر نباتية. وتتمثل العناصر المعمارية ببعض الحنيات المسطحة، يتوجها عقد يحمله عمودان، وبعض أعمدة الحنيات تتكون من حلزونات مائلة ومتقاطعة، تتكوّن من قسمين، نصفها السفلي على هيئة جذع نخلة ونصفها العلوي على هيئة عمود حلزوني، وبهذا يكون فنان المسجد الأقصى قد جمع بين العناصر المعمارية والنباتية الطبيعية معاً.
إن المسجد الأقصى يمثل من حيث التصميم والعناصر المعمارية والفنية نمطاً جديداً في العمارة العربية الإسلامية، استمد أصوله من الأذواق العربية ومن بعض الأنماط السابقة للإسلام، ولكن المعمار الفنان لم يقف عند حد الاقتباس، بل جاوزه الى التحوير والابتكار والتطوير، معتمداً على ذوقه وخياله مراعياً النواحي الدينية والمناخية والهندسية والجمالية، مما أدى الى ظهور طراز جديد في فن العمارة، هو الطراز العربي الإسلامي، الذي بدأ مع نهاية القرن الأول الهجري السابع الميلادي.
إن غالبية الأبنية الحالية في المسجد الأقصى هي من أعمال الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أخي صلاح الدين، وكان صلاح الدين قد أمر بتجديده وزخرفته بالفسيفساء وذلك بعد فتحه لبيت المقدس في 27 رجب من عام 583 ه، بعد ثلاثة أشهر من موقعة حطين، فقام بإزالة آثار الفرنج وإجراء الإصلاحات الضرورية، وأمر بصنع منبر له، ولكنه علم بمنبر فخم كان قد صنع بأمر من الملك العادل نورالدين بن رنكي الشهير ب"الشهيد"، وكان الفنانون المهرة من أبناء حلب قد أنجزوه على أروع مثال، في عام 564 هجرية، واستمر بناؤه عاماً كاملاً، فأمر بإحضاره وإقامته في المسجد، ويبدو على جانبه عبارات تتعلق بمنشئه وصانعيه وتاريخ الصنع، وقد صلى صلاح الدين في المسجد الأقصى وخطب منه الناس.
لقد سعى الملك العادل الى بناء المنبر في حلب، وهذا يعود الى جودة خشبها وتوافر العمال الفنيين فيها الذين اشتهروا ببناء المنابر في أسر متخصصة، تتناقل تعليم هذه الحرفة من جيل الى جيل، وتورّث ابناءها سر هذه الصناعة.
استعمل الصناع لبناء المنبر الخشب المأخوذ من أشجار السرو الروماني، الذي كان ينتشر بكثرة في البساتين المحيطة بحلب، واستخدمت له دهانات مصنوعة من الصباغات المحلية المعجونة بصمغة الفستق الحلبي وبماء الذهب، لتدهين التاج والأقسام المذهّبة، كما استورد له خشب الأبنوس لحشوات الزخارف الهندسية، وجلب العاج من افريقيا وبلاد الهند لصنع لوحات رقيقة تنزّل فوق الحشوات، وتتميّز صناعة المنبر بانعدام المسامير فيه، ويجمع الى بعضه بطريقة التعشيق، وزخرف المنبر القدسي بنوعين من الخطوط النسخي والكوفي فكتبت بعض الآيات القرآنية ولفظ الجلالة وسيرة الملك العادل.
حينما أمر الملك العادل بصناعة المنبر، كان ذلك من أجل وضعه في المدرسة الحلاوية، وبعد أن انتهت صناعته فيها أودع في باحتها، ثم حصل حريق في الجامع الأموي الكبير بحلب، وأتى الحريق على منبره، فأمر السلطان بنقل المنبر الى هذا الجامع، ليقوم بوظيفته، وكلّف الصناع بعمل منبر توأم خاص بالجامع، أتمّه، ثم أقامه في الطرف الثاني من محراب القبلة، وحين تم الفتح على يد صلاح الدين، أمر بنقل المنبر الى المسجد الأقصى، وقد ظل المحراب يزيّن المسجد كأحسن منابر الإسلام، ويحمل إصلاحات صلاح الدين والكتابة التي تؤرخ ترخيمه على الفتح، إلى أن أحرقه الصهاينة في حادث إحراق الأقصى المشهور 21 آب اغسطس عام 1969.
وفي آب من عام 1974، أطلق سعد زغلول كواكبي، رئيس جمعية العاديات آنذاك، في حفل افتتاح قاعة العرش بقلعة حلب، نداء لإعادة بناء المنبر على شاكلة سابقيه، وفي المكان ذاته، على أن ينقل الى الأقصى يوم الفتح، وشكلت لجنة خاصة من لجان الجمعية، وضعت الخطوط العامة وأسماء الصناع والفنانين، وبقي الأمر حبراً على ورق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.