لم يجرؤ الأمين العام للأمم المتحدة على اضافة اسم فلسطين الى قائمة البلدان التي لم تحترم فيها اتفاقات جنيف. كان الرجل يتحدث في احتفال اقيم في جنيف، امس، لمناسبة مرور خمسين عاماً على اقرار تلك الاتفاقات. ومثل هذا الاحتفال يدل مرة اخرى على ان المجتمع الدولي يفضل احياء الذكريات والتباهي بانجازات انسانية يفترض انها بالغة الأهمية - حضارياً، الا ان اهتمامه بتنفيذ الاتفاقات وتجسيد تلك الانجازات يبقى مسألة أخرى. كوفي انان رجل ضمير، وهذه مهنته او بالأحرى مهمته الأولى والرئيسية في المنصب الذي يشغله. وهو يعرف تماماً عما يتكلم لكنه يعرف أيضاً ما عليه ان يغفل ويتناسى. لو ذكر اسرائيل كدولة صاحبة سمعة مزمنة في انتهاك الاتفاقات، بل في احتقار اتفاقات جنيف تحديداً، لكان كمن يبحث عن المتاعب ليس مع الدولة المعنية فحسب وانما خصوصاً مع الولاياتالمتحدة التي نذرت نفسها لتغطية جرائم اسرائيل ومنع ادانتها. ولكن المناسبة كانت تستحق من أنان اشارة، للتاريخ، الى ان "الانسانية" التي تباكى عليها مع سائر المحتفلين عانت كثيراً على هذه الأرض العربية. ألم توضع "اتفاقات جنيف" من اجل حماية المدنيين، ولا سيما الأسرى منهم؟ ألم يكن الشعب الفلسطيني طوال نصف القرن الذي مضى اسيراً تحت الاحتلال الاسرائيلي؟ ألم تدمر البيوت والأرزاق وتمحى القرى والبلدات من الوجود، ألم تكن هناك مجازر مبرمجة وعمليات قتل جماعي واعتقالات وتعذيب وإذلال وضرب للاقتصاد ونهب لمصادر العيش ونفي وابعاد ورفض لحق العودة واحتيال على العدالة؟ كل ذلك معروف ومثبت، كل ذلك بدأ غداة الحرب العالمية الثانية على ايدي الذين تلقوا خلال تلك الحرب ظلماً كبيراً على أيدي النازيين، فتحولوا الى ورثة امناء للنازية. وكان الأمر يستحق من الأمين العام للأمم المتحدة، بصفته هذه تحديداً، ان يتمايز عن قذارات الكواليس السياسية والضغوط الديبلوماسية فلا يجاري الاميركيين والاسرائيليين - وحتى السويسريين - الذين عملوا بجد لحمل الفلسطينيين على قبول تأجيل المؤتمر الدولي الذي كانت اقترحته الجمعية العامة للأمم المتحدة للنظر في تطبيقات اتفاقات جنيف في فلسطين/ اسرائيل. اذ ان كوفي انان اكد بحق، أمس، ان تلك الاتفاقات "لم تفقد شيئاً من مضمونها"، وكان من الأفضل ان يشدد على ان التزام الاتفاقات أو بالأحرى عدم التزامها - كما في حال اسرائيل - جعل "المضمون" مجرد حبر على ورق. تكلم انان عن "جلادين وضحايا" في كل نزاع، وتذكر البوسنة ورواندا وكمبوديا وكوسوفو وسيراليون. والواقع ان الجلاّدين الاسرائيليين سبقوا سائر الجلاّدين وفاقوهم شهرة، بل اعطوهم النموذج ولم يكونوا احياناً بعيدين عن تدريب بعضهم. الجلاّدون الآخرون انشئت محاكم خاصة لمحاكمتهم، أو كلفت لجان دولية للتحقيق في ممارساتهم، او اتخذت قرارات دولية لنبذهم وعدم التعامل معهم. اما الجلادون الاسرائيليون فيستقبلون في كل العواصم ويحاطون بالترحيب والاحترام، وفي امكانهم ان يصبحوا رؤساء حكومات او وزراء او قضاة على رغم سجلاتهم المعروفة في الارهاب المبكر الذي كان سبباً مباشراً لنشوء ما يسميه الصهيونيون الاميركيون والاسرائيليون "ارهاباً عربياً" أو اسلامياً. سيبقى كوفي انان رجل ضمير، وهو لا يستطيع ان يكون الا كذلك، وإلا يصبح مجرد موظف ينطق بما تقول به اوراقه وبيروقراطيته. لكنه عندما زار اسرائيل لم ينس اعلان اعتزازه بالغاء القرار الذي يعتبر الصهيونية عنصرية، بل ذهب الى حد اعتبار ان المنظمة الدولية لم تحسن معاملة اسرائيل. وفي جنيف، امس، ظل مخلصاً لتلك الاعتبارات والمشاعر، مساهماً بدوره في "احترام" استثناء اسرائيل من اطاعة القانون الدولي. هذا يعني الاعتراف لاسرائيل بأن أفضل ما فعلته منذ نشوئها هو احتقارها القرارات الدولية وعدم التفكير، مجرد التفكير، في التزامها.