في توشكى بالصحراء المصرية، تدور آلة المستقبل، تبني وتعمر وتشق شرايين حياة في ارض كانت عامرة بالحياة في عصور ما قبل التاريخ. فهذه المنطقة من جنوب مصر كانت ملائمة لإقامة انسان عصور ما قبل التاريخ، اذ انها كان مطيرة ومليئة بالغابات، ويرجح ان قدماء المصريين بدأوا منها خطواتهم الوئيدة باتجاه مراحل الحضارة المخلتفة. وتنتشر الآثار التي تركها الانسان بامتداد هذه المنطقة الشاسعة ومنها نقوشه على الصخور وعلى الكهوف، كما في شرق العوينات، تمثل انشطته المختلفة من صيد وسباحة وغيرهما. كما سنجد الادوات التي كان يستخدمها في حياته اليومية، ومنها مقابر مختلفة الحجم والقيمة، وهي آثار تعود الى تسعة آلاف عام قبل الميلاد، وعناصرها غاية في الدقة والجمال. ولأهمية هذه المنطقة فقد انضمت اخيراً الى قائمة التراث العالمي التي تتبناها "اليونيسكو" كما ستتحول المواقع الاثرية التي تضمها الى محميات أثرية. وتمتد منطقة توشكى من ضفاف النيل حول شمال ابو سنبل وغربا حتى العوينات وينفذ فيها حاليا مشروع حفر ترعة من اجل استصلاح اكثر من 460 الف فدان وإقامة مجتمعات زراعية وصناعية جديدة لتخفيف معاناة الوادي القديم الذي اكتظ عن آخره بالسكان. وكما يقول الدكتور محمد الصغير مدير قطاع الآثار المصرية في المجلس الاعلى المصري للآثار فإن في مقدم المواقع التي ستدرج ضمن قائمة التراث العالمي كمحميات أثرية في هذه المنطقة، مواقع "بنطة" على طريق شرق العوينات الذي يبعد مسافة 185 كم من مدينة أبو سنبل، وهي تحتوي على مواقع عدة مهمة لجهة انها تزخر بآثار من العصر الحجري الحديث ترجع الى الفترة من سنة 9200 الى سنة 6000، وقد ترك المصري القديم في هذه المنطقة دلائل على استغلاله الطبيعة وبداية تعامله مع احجار البيئة وتشكيلها. ومن اشهر ما ترك "مزولة" لقياس الزمن ترجع الى 9000 سنة ق . م. وهى اقدم مزولة أو تقويم وضع في التاريخ، وهذه المزولة لا تزال باقية بعناصرها المعمارية المختلفة. ومن المقرر ان يقام نموذج مجسم لمحتويات هذه المنطقة الاثرية يطلع عليه الزائر قبل الدخول اليها. ومن المواقع المهمة أيضا والتي ستدرج ضمن قائمة التراث العالمي، منطقة "محاجر خفرع" وفيها احجار الديوريت، أصلب انواع الاحجار في مصر والتي كان المصريون يصنعون منها التماثيل ومنها تمثال خفرع الشهير المعروض في المتحف المصري. وفي هذا الموقع آثار توضح كيفية قطع قدماء المصريين الاحجار ونحتهم التماثيل بأدوات بسيطة جدا، رغم صلابة الاحجار الشديدة. وتتصل منطقة توشكى ايضا بمواقع مهمة في جنوب الوادي الجديد وواحة الخارجة، ومعبد وقلعة "دوش" عند واحة باريس في الجانب الغربي من توشكى، وتتصل ايضا بوادي دنقلة الى الغرب من اسوان. حيث توجد في المنطقة نباتات نادرة من العصور التاريخية القديمة، لا تزال باقية ولا بد من حمايتها. ويقول الدكتور محمد الصغير إن آثار الوادي الجديد وكذلك آثار واحة سيوة، ومنطقة ابيدوس، ستنضم بصفتها محميات اثرية مهمة في خريطة التراث العالمي. وهي مناطق شديدة الاهمية ولا بد من اضافتها الى الخريطة السياحية في مصر. فتوشكى لا حدود لمقوماتها الاثرية والطبيعية ويمكن ربطها سياحيا بمجموعة المعابر الموجودة في النوبة. ونسأل الدكتور محمد الصغير عن اهم البعثات التي تعمل في منطقة توشكى الآن والعناصر المصرية المشاركة فيها، فيقول ان هناك بعثات اميركية وكندية وفرنسية وبلجيكية والمانية، وتقدمت بعثات من جامعات بوسطن وشيكاغو واكسفورد بطلبات للعمل في المناطق نفسها. وتشارك عناصر من المجلس الاعلى المصري للآثار في العمل مع تلك البعثات، ونحن حريصون على دعم هذه البعثات بمختلف التخصصات وقد قام بالمسح الاثري حول مشروع ترعة توشكى شبّان من المجلس الاعلى المصري للاثار من اثريين ومساحين، ولدينا مدرسة تهتم بالاثار الصحراوية لتدريب الاثريين الذين سيعملون في الصحراء. فالصحراء المصرية زاخرة بالآثار التي تحتاج الى طبيعة عمل تختلف عما في الوادي او الدلتا وستختص هذه المدرسة بالتدريب والابحاث والاكتشاف والبحث في اهمية دور الانسان في هذه المناطق الصحراوية في تطور الحضارة. وعن ضوابط حماية آثار هذه المواقع في توشكى وبخاصة مع نشر فكرة سياحة السفاري والسير بالعربات او الاقدام لمساحات واسعة ما قد يتلف بعض الآثار التي تركها الانسان في المنطقة الى جانب عمليات التوسع الزراعي والحضري، المواكبة لشق ترعة توشكى واستصلاح حوالي 450 الف فدان. يقول الدكتور الصغير إن المجلس الاعلى للآثار سيقيم معرضاً لآثار هذه المناطق الاثرية الصحراوية، يقدم نماذج طبق الاصل لسياح السفاري في المواقع التي يخشى عليها. وبعد اتمام مرحلة المسح الاثري والحفائر المنظمة سيكون ذلك نواة متحف خاص لعصور ما قبل التاريخ في هذه المنطقة، يحوي معلومات ونماذج مجسمة وخرائط لدقائقها واسرارها، وقد بدأت وزارة التعمير انشاء مدينة سكنية تمثل منشآت حضارية مختلفة يكون من ضمنها المتاحف ومراكز ابحاث الصحراء في الاثار وفي مختلف المجالات وهو ما ينهض بالمنطقة نهوضاً شاملاً. اما في ما يخص ترعة توشكى واستصلاح الاراضي في هذه المنطقة فهناك تنسيق كامل بين المجلس الاعلى المصري ووزارات الري والزراعة والاسكان حتى لا يحدث اي اتلاف للآثار وحتى لا يمتد الاصلاح الى المناطق الاثرية، وقد أعدت هيئة المساحة التابعة لوزارة الري خرائط مساحية جديدة توضح الاماكن الاثرية ستوضع امام كل الجهات المعنية.