يفضّل رئيس الحكومة رفيق الحريري ان تكون العودة الى السرايا الكبيرة والمقررة منتصف الاسبوع الجاري من دون مظاهر احتفالية، مثلما يفضل المقربون منه التعاطي بتحفظ كبير مع الحديث عن عملية التجديد التي خضعت اليها السرايا في ظل التشجنات السياسية السائدة هذه الأيام بين ساحة النجمة والصنائع والتي ان قدّر لها ان تستمر فلن يفصل بينهما سوى شارع المصارف! العودة الى السرايا في موقعها المشرف على الوسط التجاري لبيروت شأنها شأن عودة رئيس الجمهورية الياس الهراوي الى قصر بعبدا بعد تهجير قسري الى بئر حسن فرضته الحرب، وشأن انتقال رئيس المجلس النيابي نبيه بري من منزله الشخصي في بربور الى مقر اقامة رئيس السلطة التشريعية في البلاد الذي شيد حديثاً في منطقة عين التنية غرب العاصمة، وإذا كان ثمة ما يميز العودة الأخيرة عن السابقتين فهي عملية اعادة الروح الى صرح السرايا التاريخي ليبقى شاهداً نادراً على الماضي بعدما جرفت الحرب ومشاريع السلم معالم كثيرة في قلب المدينة. كان مجلس الوزراء في جلسته في 18/8/1993 وافق على هبة مقترحة من شركة "أوجيه لبنان" يملكها الحريري للقيام بدراسات تصميمية والإشراف على تنفيذ تأهيل مبنى السرايا الكبيرة. ويشير مستشار رئيس الحكومة للشؤون الإعلامية نهاد المشنوق الى "ان اعادة تأهيل السرايا كان حلم الرئيس الحريري منذ مجيئه الى السلطة في العام 1992 بهدف تجميع دوائر رئاسة الحكومة المشتتة على غرار ما يفعل بالنسبة الى الجامعة اللبنانية مثلاً، وإيجاد مكان لائق بلبنان لاستقبال ضيوفه بدل استضافتهم في الفنادق". وقد بوشر العمل في العام 1995 وساهمت الخزينة العامة بمبلغ مقداره 18 مليون دولار الى جانب تبرعات شخصية يرجح ان تبلغ تسعة ملايين اخرى ومعظمها من عائلة الحريري والتي بلغ مجموعها ستة ملايين ونصف مليون دولار" وأشرف الحريري على الخرائط بتفاصيلها بعدما عاين السرايا مرات عدة وفي شكل شبه يومي، فيما حشر المشنوق نفسه في هذا الاشراف لشغفه بتجديد الأبنية القديمة والحفاظ على رونقها. أَن تُدفعَ ملايين الدولارات لمجرد تحقيق حلم مسألة تثير تحفظ الكثيرين خصوصاً معارضي سياسة الحريري، أما مؤيدوه فيرون في انجاز الحلم تواصلاً تاريخياً مع الماضي وانتعاشاً اقتصادياً للحاضر وإظهار لبنان بمظهر حضاري امام العالم الخارجي على غرار معالم الدول الأخرى كقصر الأليزيه في فرنسا مثلاً... وقد لاحظ بعض من تسنى له دخول قصر الأليزيه والسرايا الكبيرة ثمة تماثلاً في الساحة الداخلية. تبقى للسرايا الكبيرة حكايتها مع التاريخ فهي من الإنشاءات العثمانية التي اقيمت في "بيروت المحروسة" في النصف الثاني من القرن ال19 الميلادي حين تغلب ابراهيم باشا ابن عزيز مصر محمد علي باشا في العام 1831 على الجيوش العثمانية واستولى على بلاد الشام بما فيها بيروت واختار الهضبة الواقعة خارج السور المطلة على بيروت لاقامة الثكنات العسكرية، وعُرفت الهضبة منذ ذلك الحين باسم الثكنات الى أن غادرها بعد تسع سنوات عقب قصف الأساطيل الإنكليزية والروسية والنمسوية المدينة، وقد استفاد العثمانيون في العام 1848 من موقع الهضبة فشيدوا عليها وبإيعاز من والي سورية راشد باشا ثكنة عسكرية بسبب موقع الهضبة الاستراتيجي إذ ترتفع أربعين متراً عن سطح البحر. وكانت "القشلة" حسب التعبير البيروتي مؤلفة من بناء سفلي لإيواء الدواب وطابق أرضي لإقامة العسكر، وأضيف اليها بين العامين 1877 و1894 الطابق الأول وتحولت في العام 1888 الى مركز لوالي بيروت، ما استقطب اعيان المدينة للسكن بجوارها خصوصاً في منطقة زقاق البلاط. وتحولت "القشلة" تدريجاً الى اسم السرايا الكبيرة تمييزاً لها عن "السرايا الصغيرة" التي كانت قائمة شمال ساحة البرج وهدمت في العام 1951 وبقيت السرايا مقراً لمن تولوا حكم بيروت من المتصرفين والولاة حتى 1918 وتحولت مقراً رسمياً للمفوض السامي الفرنسي طوال مدة الانتداب وادخل الفرنسيون بعض الاضافات على واجهتها الشمالية. في العام 1926 في عهد رئيس الجمهورية شارل دباس اتخذت اول حكومة برئاسة أوغست أديب السرايا مقراً لها، وفي العام 1941 مارس سامي الصلح مهامه كرئيس وزراء منها، وفي العام 1943 بعد الاستقلال اتخذ رئيس الوزراء رياض الصلح السرايا مركزاً للحكومة اللبنانية وبقيت مقراً لها حتى العام 1981 حين غادرها الرئيس شفيق الوزان وانتقل ودوائر رئاسة الحكومة الى مبنى الصنائع لتتحول السرايا مقراً لوزارة الداخلية في مراحل متقطعة. فموقع السرايا وان لم يكن ضمن خطوط التماس التي فرضتها الحرب اللبنانية في العام 1975، كان على مرمى "رصاصة" منها وقد أتت الحرب على جزء كبير من المبنى. لا يمكن الفصل بين موقع السرايا وضخامة المبنى ووظيفته فانبساط بيروت تحت اقدام البنيان مكّن الحاكم العثماني من ايصال رسالته الى الناس إذ ان الاطلالة عليهم من فوق ومخاطبتهم من عل حدد بوضوح موقعه منهم في حين ان فخامة المبنى وضخامته أريد لهما ان يوحيا للجمهور بالمهابة والعظمة لمن توليهم الدولة العثمانية مقاليد الأمور... لكن بيروت اليوم ليست كما كانت عليه بالأمس، واضافة طابق ثالث خلال عملية تجديد السرايا لا تعني مزاحمة الأبنية الشاهقة في المنطقة لتأكيد مهابة السلطة. فثمة أساليب عدة لممارستها في لبنان، إنما لحاجات جمالية ولوجستية كما ذكر فريق المهندسين الذي أشرف على التأهيل، وبتوجيه من الرئيس الحريري وباقتراح منه. وراعت الدراسات التي اعدتها "أوجيه لبنان" بإشراف مديرها السابق منذر الحسيني ورئيس قسم الهندسة عبدالناصر برجاوي، والتي استمرت سنة، التصور الذي وضعه رئيس الحكومة والأمانة العامة لمجلس الوزراء والدوائر التابعة لرئاسة الحكومة لحاجاتهم بالحفاظ على الواجهات الأربع الخارجية المبنية من الحجر الرملي وتحديث الداخل مع الحفاظ على جماليات القديم، والتصور المطروح هو تضمين السرايا مقراً لإقامة رئيس الحكومة وبيتاً للضيافة الى جانب دوائر رئاسة الحكومة وقاعة مجلس الوزراء وقاعة للمؤتمرات الصحافية وأخرى لمراسلي المقر. وتطلبت زيارة السرايا سلسلة اجراءات ادارية وأمنية سمحت ل"الحياة" في النهاية من رؤية النذير وجمع ما هو مسموح من معلومات والتقاط ما هو مسموح به من صور اقتصرت على الأماكن الخارجية، ل"دواع أمنية" وربما سياسية. تقع السرايا على مساحة 38 ألف متر مربع كمساحة مبنية وهي عبارة عن أربعة مبانٍ متلاصقة تشكل مستطيلاً وفي الداخلية تتوسطها بركة رخامية مزخرفة على الطراز الشرقي تعلوها نافورة تنساب منها المياه رقراقة في كل الاتجاهات وتتوزع حدائق صغيرة جوانب الساحة، أما أرضها فرصفت بحجارة ال"بولفيريو" وهو حجر بركاني يشبه حجر "البازالت" الذي يمتاز بقدرته على تحمل تداعيات الزمن. الدخول من بوابة الموظفين اي من الجهة الجنوبية للسرايا يعني عبور باب خشبي يزيد ارتفاعه عن ستة أمتار يستخدم أيضاً لدخول سيارة الضيف الى الساحة الداخلية، وحين يكون الباب مقفلاً يمكن فتح كوة في جزئه الأسفل لدخول الأفراد كان عبورهم لها في زمن السلطة العثمانية يتطلب الانحناء وزيد الآن ارتفاع الكوة الى مترين لتجنب هذه "العادة". ويقول المهندس عبدالقادر الشعار أحد المشرفين على تنفيذ المشروع من ضمن فريق "أوجيه" يرأسها الآن الدكتور نزيه الحريري أن "سماكة الحجر الرملي المؤلفة منه واجهات السرايا 80 سنتم فهذه الجدران كانت بمثابة حيطان دعم وقد تمت المحافظة على هذه السماكة في الطابق الثالث أيضاً باستخدام الباطون بسماكة 70 سنتم وحجر رملي بسماكة 10 سنتم استقدم من الوسط التجاري منعاً لحصول فارق في لون الحجر بين الطوابق". أكثر من 400 نافذة تتوزع واجهات المبنى الخارجية والداخلية، وبين هذه النوافذ ما يعرف ب"المندلون". وهي عبارة عن نوافذ مقنطرة تمتد في أسفلها شرفة ترتفع على اظفار مزخرفة الى جانب الشرفات التي تزينها القناطر والأعمدة المكسوّة بالحجارة المنقوشة بدقة متناهية في ما يشبه التطريز. يلفحك الهواء المبرد وأنت في وسط الساحة والمنبعث من مداخل الأبنية الأربعة فيغريك أكثر لدخول احداها لكن الأوامر تقضي فقط بدخول قاعتين أو ثلاث. انه المبنى المخصص لمقر رئيس الحكومة، وبيت الضيافة ندخله من بوابة مزخرفة بالرخام هي تقليد شبه حرفي لبوابات قصر بيت الدين، وقد حملت نقوش الباب أشكالاً هندسية تشكل نجوماً خماسية. مقتبسة من فن العمارة العربية والإسلامية تعود للقرن السادس عشر. ويقول السيد مروان خياط وهو متعهد الحجر والخشب في السرايا ان مؤسسته صنعت نحو مئة باب من خشب الأرز والجوز المستورد، ويتفاوت ارتفاع الأبواب بين مترين وستة أمتار. وتزين الطبقة الأرضية من جناح رئيس الحكومة تزينه واجهات من الزجاج المصفح ضد الرصاص تغطيها المشربيات الخشبية ويقول خياط انه اعتمد في تخريمها على رسوم من العهد الفاطمي وهي عبارة عن أشكال أوراق الأشجار والنجوم. ذلك الانبهار الذي يرافقك منذ لحظة دخول حرم السرايا يزداد مع دخول احدى القاعتين المتقابلتين اللتين خصصتا للاستقبال. لا يقل طول القاعة عن أربعين متراً أما عرضها فيصل الى 18 متراً ويرتفع سقفها 12 متراً وزينت جدرانها النقوش الرخامية بألوان غلب عليها الأخضر والقرميدي والأصفر غاية في الجمال وكست السقف مربعات خشبية محفورة يدوياً بالخيط العربي الأندلسي، تتداخل فيها الألوان لتتدلى الستائر من تحتها مضفية على جمال المكان المزيد. أما القاعة المقابلة والتي هي في الحجم ذاته فهي "بانكويت" تتسع ل400 شخص تزينها القناطر في الجزء السفلي من الجدران لترتفع جدرانيات من الرخام المنقوش والموزاييك والزجاج الملون. ويقول متعهد الرخام في السرايا السيد نزيه نجم ان الرسوم التي استوحت منها النقوش المحفورة باليد مستوحاة من قصور لبنانية قديمة أبرزها بيت الدين وقد استغرق العمل بها سنتين، أما أنواع الرخام المستخدمة في كسو الأرضية والجدران فهي من الشملاني والفرني الأصفر والرخام الأحمر اللبناني والكارارا الإيطالي والغرانيت السويسري ورخام اسباني، نفذها 200 حرفي في المعامل و500 في داخل السرايا. ويرى نجم من خلال خبرته "ان الحريري لم يعتمد البذخ من أجل البذخ في عملية التجديد انما ما يوفر شرطي الحماية واظهار الجمال". ويقول: كان يمكن للحريري اختيار غرانيبت "بلوبهيا" مثلاً وسعر المتر منه ألف دولار، الا انه فضّل الرخام الوطني. لا وجود للفانتازيا هنا. وإذا ذكرت لك ما نصنعه من حمامات لبعض القصور الموجودة في لبنان لوجدت اننا لم نفعل شيئاً في السرايا". ما سُمح لنا بزيارته أيضاً الحمامات الرخامية المخصصة للضيوف فأحدها يتضمن 12 مغسلة مع مرايا تزنرها أطر خشبية محفورة بأشكال الزهور وحنفيات نحاسية مع أرضية غلب عليها اللونان القرميدي والأبيض. وإذ منعنا من زيارة مكتب رئيس الحكومة وقاعة مجلس الوزراء وبيت الضيافة حاولنا الاستقصاء عنها من المتعهدين، ويتحدث خياط عن سقوف خشبية عجمية وزخرفات تغلب عليها الألوان الكحلي والذهبي والقرميدي، ويشير الى ان بعض العمل في القاعات استوحي من الجناح الشرقي في القصر الجمهوري في بعبدا ومن قصر فرعون معوض حالياً الى جانب قصور لبنانية أخرى. وفي القسم المخصص للصحافة، قاعة للمؤتمرات الصحافية ستتضمن ترجمة فورية والى جانبها قاعة مجهزة ب16 مكتب مزودة بشاشات الكومبيوتر "وهواتف منفصلة وأجهزة فاكس وعلا اسقفها "العقد" ولكن من جفصين. وفي الساحة الداخلية للسرايا ستثبت لوحة كتب عليها أسماء المؤسسات التي تعهدت عملية التجديد بعدما رست المناقصة عليها والتي اعتمدت فيها معايير الخبرة والحد الأدنى للأسعار، وأشار بعض المتعهدين الى ان حسومات طرأت في نهاية العمل على المبالغ المستحقة لهم اضافة الى مبالغ أخرى تبرعوا بها، ومن المتعهدين أيضاً "كوكش" للستائر والخشبيات وعرقجي للزجاج والألمنيوم وسوبرة للحديد ودباس للإضاءة". وسترفع على مدخل السرايا لوحة كتب عليها: أنجز تجديد السرايا الكبرى توسيعها في عهد الرئيس الياس الهراوي ورعاية واشراف رئيس الحكومة رفيق الحريري. مع لمحة تاريخية عن المبنى. وعند مدخل جناح اقامة رئيس الحكومة سترتفع لوحة رخامية نقش عليها بالخط النسخي "لو دامت لغيرك ما اتصلت اليك"، وبين الأمس واليوم حكام توالوا على السرايا منهم من هُزم، ومنهم من رحل، لكن السرايا بقيت أثراً معمارياً رائعاً، ستتمكن من العبور الى القرن الحادي والعشرين كما فعلت قبل مئة عام مع غيره. فالحريري، كما يقول المحيطون به حقق حلماً. لكنه لن يسكن في الجناح المخصص لإقامة رئيس الحكومة، حتى إذا بقي في منصبه، بل سيبقى في بيته في قريطم ليدع غيره من رؤساء الحكومة يقطن فيه.