وزارة الطاقة: مزاولة العمليات المتعلقة بالمواد البترولية والبتروكيماوية تتطلب الحصول على التراخيص اللازمة    "إيفان توني" يعزز صدارته لهدافي دوري روشن للمحترفين    في جولة" يوم التأسيس".. الاتفاق يتغلّب على الفتح برباعية في دوري روشن    في جولة يوم التأسيس.. الرياض يكسب الخلود بثنائية في دوري روشن للمحترفين    ثيو هيرنانديز يشارك في جزء من مران الهلال    جمعية «عطاء» تبارك حلول شهر رمضان المبارك وتطلق برنامجها الرمضاني لعام ١٤٤٧ه    اقتران زحل بهلال رمضان يزيّن سماء الحدود الشمالية    الأهلي يُحبط مفاجأة النجمة وتوني يبتعد بصدارة الهدافين    «اقتصاد اللغة العربية».. محرك جديد يواكب تقنيات العصر    الشِّعار بوصفه نصاً بصرياً مقاربة لغوية في مفهوم التأسيس    في شيء من فضائل الصيام    أسامة عبدالله خياط    ترمب يمهل إيران عشرة أيام لإبرام صفقة «مجدية» أو مواجهة «أمور سيئة»    الوداد تطلق حملتها الرمضانية "بيدك تكمل فرحة يتيم" لدعم مسيرة الاحتضان    الجبير: السعودية ستقدم مليار دولار لتخفيف معاناة الفلسطينيين    ريال مدريد يسلم كل الأدلة في قضية عنصرية فينيسيوس    إحباط تهريب (36,300) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي في جازان    موعد مباراتي الأهلي والدحيل في دوري أبطال أسيا للنخبة    الزهراني مديرًا عامًا للإعلام بأمانة الشرقية إضافة إلى مهامه متحدثًا رسميًا    موعد مباراتي النصر مع الوصل الإماراتي في دوري أبطال أسيا 2    سوق الأولين الرمضاني في جيزان حراك تجاري متجدد يعكس روح الشهر الكريم     نائب أمير الشرقية يطّلع على استعدادات أمانة المنطقة لشهر رمضان    نائب أمير المدينة يستقبل محافظي المحافظات    صرف أكثر من 3 مليارات ريال معونة شهر رمضان لمستفيدي الضمان الاجتماعي    مسؤولو مخابرات أوروبيون يشككون في فرص إبرام اتفاق سلام في أوكرانيا خلال العام الجاري    من التأسيس.. إلى الرؤية    أمير جازان يُدشِّن حملة "الجود منا وفينا" لتوفير مساكن للأسر المستحقة    الذهب يرتفع فوق 5000 دولار وسط تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران    أمير جازان ونائبه يستقبلان المهنئين بمناسبة حلول شهر رمضان    ترقية الدكتور علي القحطاني إلى درجة أستاذ "بروف" في جامعة الإمام محمد بن سعود    الأمم المتحدة: المستوطنات الإسرائيلية ليس لها شرعية قانونية وتنتهك القانون الدولي    تايوانية تزعج جيرانها بمكبرات الصوت عامين    سموتريتش يدعو لتشجيع هجرة الفلسطينيين    استعراض تقرير «تراحم» أمام نائب أمير القصيم    مُحافظ جدة يستقبل المهنئين بحلول شهر رمضان المبارك    أمير الشمالية يتسلّم الملخص التنفيذي لفرع "الاتصالات"    إعتماد خطة مطار الملك عبدالعزيز لموسم ذروة العمرة لعام 1447ه    موسم الدرعية يعلن تمديد عدد من برامجه    خالد سليم بين «مناعة» و«المصيدة» في رمضان    دعم مختلف مشاريع رؤية 2030.. شراكة بين «السعودية» والقدية لدعم تجارب المتنزهين    أكد القدرة على دمج عائلات داعش بأمان.. مصدر سوري: فوضى مخيم الهول مسؤولية «قسد»    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين ونيابة عنه.. أمير منطقة الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم للبنين في دورتها ال27 الجمعة المقبل    هرم كينيدي الجديد    كندية تفوق من التخدير بلكنة روسية    بائع شاي.. يقود إمبراطورية عالمية ناجحة    إنقاذ ساق مواطن من البتر في الدمام    جوائز عالمية تحتفي بروائع التصوير    «كأني أنظر إليك تمشي في الجنة»    رامز جلال يكشف عن ضحاياه    الطلاق النومي ظاهرة تتسلل إلى غرف الأزواج    صحة جازان تُكرّم مسيرة عطاء متقاعديها    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    أمير تبوك يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    بطليموس يعظ    التمكين الكلمة التي أنهكها التكرار    تعليم الشرقية يحتفي بيوم التأسيس لتعزيز الهوية والإنتماء    تسرب بيانات في "أسبوع أبوظبي المالي" يضر بشخصيات سياسية واقتصادية    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«تاريخ التحليل النفسي في فرنسا»: تاريخ حقبة شكسبيرية مدهشة
نشر في الحياة يوم 15 - 06 - 2011

كانت تلك حقبة من المعروف أن فرنسا عرفت خلالها كيف تجعل من الحياة الثقافية والفكرية، ناهيك بالحياة الإبداعية فيها مادة للتاريخ والنقاش والأثارة والقضايا والمساجلات العنيفة. ولم يكن هذا على أية حال بالأمر الجديد على بلد كان منذ عصر التنوير يهتم بالحياة الثقافية بشكل عام. كما لا يتوقف عن ابتداع التيارات والمدارس الفكرية. ولعل هذا ما يجعل الثقافة الفرنسية قادرة على التأريخ لنفسها تيارات وجماعات أكثر كثيراً من قدرتها على التأريخ لمبدعيها أفراداً. ومن الطبيعي القول إن هذا لا يأتي صدفة بل إن له أسبابه التي لا مجال للتوقف عندها كثيراً هنا. كل ما في الأمر أننا شئنا أن نورد هذه المقدمة لمناسبة حديثنا عن كتاب مهم يستدعي مثل هذا التقديم بخاصة انه حين صدر في فرنسا أواسط ثمانينات القرن العشرين أثار صخباً وسجالات عاصفة، قد يستغرب البعض أن جزأه الأول الذي كان صدر قبل ذلك بسنوات، لم يثر مثلها. ونحن هنا نتحدث عن الجزء الثاني من كتاب «تاريخ التحليل النفسي في فرنسا» للباحثة إليزابيث رودينيسكو.
*من الواضح أن التفاوت في إثارة السجال والضجيج بين جزءي الكتاب يعود إلى أن الجزء الأول أتى يتحدث عن ذلك التاريخ في مراحله الأولى، أي كما انرسم خلال الفترة بين 1885 و1935. في معنى أن كل «الأبطال» الذين صنعوا المرحلة الأولى من تاريخ حركة علم النفس والتحليل النفسي في فرنسا، كانوا حين صدر الجزء قد ماتوا ولم يشأ كثر أن يدافعوا عنهم أو عن أدوارهم، ناهيك بأن الحقبة الأولى من ذلك التاريخ لم تكن في شقها الفرنسي مهمة. حيث كان فرويد لا يزال حياً والزعامة في مجالات التحليل النفسي، كانت لفيينا عاصمة النمسا ومهد الحركة بأسرها، وما ارتبط بها. وفي المقابل أتى الجزء الثاني ليؤرخ لمرحلة كانت فيها فرنسا قد بدأت ترسم لنفسها في تاريخ التحليل النفسي دوراً كبيراً .. ومن هنا إذا كان الجزء الثاني قد أتى ليؤرخ للحركة في فرنسا ويثير سجالات، فإنما كان ذلك انطلاقاً من طبيعة المرحلة التي ارخها، أتى سجالياً حياً طالما أن معظم أصحاب الأسماء التي تحدث عنها كانوا لايزالون أحياء، أو ماتوا لتوهم وأعمالهم ملء السمع والبصر والقراءة والفعل أيضاً.
مهما يكن من أمر، لابد هنا من التوقف في صدد هذا الكتاب الضخم (800 صفحة من القطع الكبير) عند إشارة أساسية وهي انه إذا كان قد حمل مئات الأسماء لأشخاص وكتب وأفكار لعبت ولعبوا أدواراً كبيرة في تاريخ الحركة التحليل نفسية الفرنسية خلال حقبة تمتد من 1935 إلى 1985 ( العام الذي يتوقف عنده هذا الجزء) فإن هؤلاء جميعاً يبدون أشبه بكومبارس أمام النجم الحقيقي للكتاب وهو عالم التحليل النفسي ذو الأصل السويسري جاك لاكان الذي كان في ذلك الحين قد رحل حديثاً عن عالمنا. ولكن بعد أن كان قد أثار عاصفة لم تهدأ عبر اتخاذه قراراً اعتبر انتحارياً حينها بحل جمعية باريس للتحليل النفسي التي كان هو مؤسسها و«كاهنها الأكبر» طوال حياته وحياتها.
إن لاكان، كما يصوره الكتاب هو أشبه بأن يكون فرويد فرنسا. وهو نفسه عرف دائماً كيف يكون، من خلال محاضراته الجامعية ودروسه العامة وندواته ومطبوعاته ولا سيما من خلال تلك المدرسة، زعيماً أوحد تماماً على نفس الشاكلة التي جعلت صديقه الشاعر والكاتب اندريه بريتون زعيماً أوحد للتيار السوريالي في الآداب والفنون. والحقيقة أن إشارتنا إلى بريتون هنا ليست عفوية أو بفعل الصدفة، بل هي مقصودة وفي محلها لأن بريتون يشارك لاكان البطولة والزعامة في بعض فصول الكتاب وصفحاته. وذلك بالنظر إلى تداخل بيّن بين تاريخ التحليل النفسي وتاريخ الحركة السوريالية في فرنسا خلال الحقبة التي نحن في صددها، تماماً كما أن تداخلاً مشابهاً سوف يضم إلى هذين، البنيوية والنقد الأدبي خلال عقود تالية. وهذا ما يجعل الحياة الفكرية الإبداعية الفرنسية تصوّر في الكتاب ابدع تصوير. ولعل ها هنا تكمن فضيلة عمل رودينيسكو هذا.. فهي جعلت كتاباً كان له اول الأمر أن يبدو أكاديمياً جافاً، عملاً روائياً مشوّقاً، إذ خرج عن طابعه العلمي إلى رحابة الرواية الشيّقة في أحيان كثيرة متحولاً إلى ما يشبه التأريخ لفرنسا الثقافية كلها، تاريخاً تتداخل فيه الشخصيات والأحداث وتلعب فيه العواطف الشخصية والإنسانية أدواراً أساسية، إلى درجة أن القارئ سرعان ما ينسى في فصول كثيرة انه في صدد نصّ يؤرخ لواحد من أصعب العلوم الإنسانية والأصناف الفكرية ليخيّل إليه انه أمام مسرحية شكسبيرية صنعت من الغيرة والإنتقام والحسد والأهواء الذاتية والبغضاء وقتل الأب وما شابه. ولعل هذا ما جعل أرقام مبيع الكتاب تسجل قفزة مدهشة يوم صدوره وبعدما ظهرت مؤلفته على شاشات التلفزة تتحدث عنه.
لقد كان واضحاً يومها أن القارئ الفرنسي ولو كان ذا ثقافة متوسطة، إنما قرأ هذا الكتاب ليتعرّف على خفايا صراعات علماء النفس والمحللين كاشفاً من خلال ذلك تواريخ وصفحات تتجاوز حدود ذلك الحيّز لتحكي تاريخ فرنسا أواسط القرن العشرين ولا سيما سنوات الجبهة الشعبية وكواليس السوريالية والصراعات الحزبية في المجال الثقافي والجامعي، ويقترب من سرايا الفكر اليميني واليساري وضربات ما دون الحزام، ليجد نفسه بعد ذلك في خضم الحرب العالمية الثانية والاحتلال الألماني ويراقب سلوك أقطاب الفكر والتحليل النفسي إزاء ذلك كله. ثم يصل إلى ما بعد الحرب ليجد نفسه في مواجهة سطوة سارتر، مع لاكان أو ضده، مع سارتر أو ضده، مع ريمون آرون أو ضده. في ذلك الحين راح « الصراع» يدور مع الوجودية ومن حولها. بيد أن التحليل النفسي كان حاضراً بالطبع في ذلك كله وأصبح أقطابه في واجهة الأحداث واختلطت البنيوية باليسار واليسار الجديد باليمين الجديد. وراح رهط من نقاد الأدب يتجمعون من حول المنشورات والمجلات آخذين معظم أفكارهم وتحليلاتهم، من التحليل النفسي على غرار ما راح يفعل أستاذهم وعدوهم في الوقت نفسه سارتر في كتابته عن فلوبير صاحب « مدام بوفاري» محللاً إياه بوصفه «أحمق العائلة» وفق كتابه الشهير عنه. وهنا يبدأ إحساس بالخطر يداهم لاكان فيتقوقع داخل شرنقة مدرسته الباريسية للتحليل النفسي. لكن هذا لم ينقذه من الشعور بأن أموراً كثيرة راحت تفلت من بين يديه... فالبنيوية راحت تتجاوزه وتحلق بأجنحتها الخاصة وها هو تلميذه المصري مصطفى صفوان يؤلف دون استشارته كتاباً عن «التحليل النفسي والبنيوية» فيثور لاكان ويحدث انشقاق خطير في صفوف المدرسة الباريسية. وبعد ذلك، بدلاً من أن يهتم المحللون النفسيون بتحليل الناس والمنتوجات الفنية، يصبح عليهم أن يحللوا انفسهم وخلافاتهم وأوديبيتهم.
في خضم ذلك تكون فرنسا قد تبدلت كثيراً وبعد اقل من عقدين على انقضاء أحداث ربيع 1968 كلحظة ذروة في لعب المثقفين دوراً أساسياً في تاريخ البلد، يتضاءل هذا الدور جذرياً، وبالتالي يتضاءل الاهتمام العام بالتحليل النفسي وصراعات أقطابه ولا تعود مدرسة باريس كما كانت... فماذا يفعل جاك لاكان؟ بكل بساطة يحلّ المدرسة ويغلق أبوابها ثم يقبع حزيناً يائساً في انتظار نهايته.
وهكذا يصبح بالتالي في إمكان إليزابيث رودينيسكو، تلميذة لاكان وناقدته المحبة أن تجلس لتكتب تاريخ «كل» ما حصل... لكن هذا لا يعني بالطبع أن نهاية لاكان ونهاية حقبته، هما نهاية التحليل النفسي. فهذا النشاط الفكري ظل حاضراً وصار له أقطاب جدد وأفكار وربما أيضاً أدوار جديدة. أما ما تختتم به رودينيسكو كتابها فهو نهاية الحقبة اللاكانية التي كانت - بالاستناد إلى الكتاب - حقبة بطولية مدهشة ساهمت في أن تجعل لفرنسا مجداً فكرياً وثقافياً لا شك في انه عاد وتضاءل كثيراً بعد ذلك. والحق أننا حين نقرأ هذا الكتاب نتذكر ابن خلدون الذي أعطانا في ما أعطى، ذلك الدرس الثمين وفحواه أن الحضارات لا تؤرخ لنفسها بشكل حقيقي إلا حين تبدأ عيش بدايات نهاياتها وانحطاطها. وما كتاب « تاريخ التحليل النفسي في فرنسا» سوى برهان على ذلك ، حتى وإن كنا نعرف أن التحليل النفسي الفرنسي في حد ذاته لم يختف بل لا يزال حياً وإنما ازدادت صعوبة أساليبه وعاد حكراً على الأوساط العلمية الجامعية على يد مؤلفين ومفكرين كبار... كبار إنما في شهرة أسمائهم لا في مقروئية كتبهم.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.