يعاني النظام العربي منذ إنشاء جامعة الدول العربية عام 1945 من أزمات متعددة. ولعل أحدث هذه الأزمات الخلافات العميقة حول قرارات القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في ليبيا أخيراً، بصدد تطوير منظومة العمل العربي المشترك. ونشرت جريدة «الحياة» في عددها الصادر في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 أن المندوبية السعودية الدائمة لدى الجامعة العربية طالبت «بالعمل على تحقيق الإجماع حول صيغة القرار الصادر عن قمة سرت الاستثنائية في شأن تطوير منظومة العمل العربي المشترك بدلاً من الانقسام حوله»، وأضافت المندوبية في مذكرتها الموجهة إلى الأمانة العامة للجامعة «عدم موافقتها على هذا القرار، وأنها لا تلتزم به أو بأي نتائج تترتب عليه»، وأضافت المذكرة «أن دولاً عربية عدة أبلغت الأمانة العامة بهذا المضمون»، وتساءلت «على أي أساس ترغب الأمانة العامة في الاستمرار في تنفيذ هذا القرار؟»، ودعت إلى العمل «على اتخاذ الإجراءات النظامية الكفيلة بمعالجة الأمر من كل جوانبه بما يحقق الإجماع حولها». ومن الواضح أن القرار المشار إليه والذي اعترضت عليه المملكة العربية السعودية يتعلق باقتراح الأمانة العامة إقامة علاقات دائمة مع دول الجوار، والمقصود هنا بالطبع هو إيران وتركيا. ويمكن القول إن هذه الأزمة سبقتها منذ عقود أزمات متعددة. ولذلك لم يكن غريباً أن يستقطب «النظام العربي ومشاكله» اهتمام الباحثين ومراكز الأبحاث الاستراتيجية العربية، باعتباره قضية الحاضر والمستقبل، وخصوصاً أننا نعيش في عالم يتطور بسرعة على أساس التكتلات الإقليمية الكبرى، وفي ظل العولمة التي تفرض بذاتها وبحكم قوانين حركتها، ضرورة تغيير الهياكل السياسية على المستوى القطري والإقليمي والعالمي. وعالج المؤتمر الاستراتيجي العربي الأول الذي نظمه كل من «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بالاشتراك مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بعمان، وذلك في ايلول (سبتمبر) عام 1987، موضوع «النظام الإقليمي العربي: الوضع الراهن والتحديات المستقبلية». وعاود المؤتمر الاستراتيجي العربي الثاني الذي انعقد في كانون الثاني (يناير) 1989 في القاهرة مناقشة الموضوع نظراً الى أهميته القصوى وكان العنوان «النظام العربي في بيئة دولية متغيرة». وحاولت في بحث لي نشر بعنوان «تحولات الخطاب القومي العربي» في كتابي «الوعي القومي المحاصر» (القاهرة 1991) أن أرصد ظاهرة ما سميته نهاية الخطاب القومي العربي التقليدي وبزوغ الخطاب القومي الوظيفي، الذي يقوم في الأساس على تحقيق المصلحة القطرية لكل دولة داخلة في النظام العربي. ومن المعروف أن «هجاء» القطرية والزعم أنها هي بذاتها سبب عدم تحقق الوحدة العربية كان موضوعاً رئيسياً من مفردات الخطاب القومي العربي التقليدي. وحين نتحدث عن «الخطاب» فنحن نعني في الواقع نسقاً مترابطاً من المقولات ونوعية محددة من الممارسات في الوقت نفسه. ويثور هنا سؤال مهم وهو كيف شخص الباحثون العرب أزمة النظام العربي؟ هناك اجتهادات مختلفة في هذا المجال، قد يكون من أبرزها تشخيص كل من الدكتور غسان سلامة المفكر السياسي اللبناني المعروف، والدكتور محمد السيد سعيد الخبير في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» والذي رحل عن عالمنا منذ العام للأسف الشديد. ركز غسان سلامة على عدد من المشاكل المحورية التي صاغها في شكل تناقضات. - فقد تحدث عن المفهوم القومي في مواجهة المفهوم الديني ويقصد الاتجاه العربي في مواجهة الاتجاه الإسلامي. - والمفهوم القومي في مواجهة المفهوم الإقليمي. ويقصد التناقض بين النظام العربي والنظام الشرق أوسطي. - والمفهوم القومي في مواجهة المفهوم المحلي، ويقصد بالمحلي هنا التجمعات العربية الوسيطة (كمجلس التعاون الخليجي ومجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي). - وأخيراً المفهوم القومي في مواجهة المفهوم السياسي، ويقصد به سياسة المحاور السياسية العنيفة التي تنشأ داخل النظام. من كل هذه الجدليات الأربعة أثبتت الممارسة أن جدلية القومي في مواجهة المحلي أصبحت هي الجدلية التي تفعل فعلها في الوقت الراهن. غير أننا لو ركزنا على الأزمة الراهنة التي أعقبت مؤتمر القمة الاستثنائية التي انعقدت في سرت لاكتشفنا أن التناقض بين المفهوم القومي في مواجهة المفهوم الإقليمي، أي التناقض بين النظام العربي والنظام الشرق اوسطي أصبح في الوقت الراهن هو التناقض الرئيسي. ونحن نعرف جميعاً أن المشروع الشرق اوسطي الذي بادرت الولاياتالمتحدة الأميركية الى اقتراح تنفيذه ليصبح تنظيماً يضم الدول العربية إضافة إلى إسرائيل، قد فشل فشلاً ذريعاً ولم يقدر له أن يقوم. غير أن التغيرات الإقليمية الكبرى التي حدثت في السنوات الأخيرة، وأبرزها على الإطلاق ظهور إيران باعتبارها قوة إقليمية مؤثرة على اتجاهات السياسة العربية، وخصوصاً من خلال علاقتها الاستراتيجية مع كل من سورية و «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في غزة، إضافة إلى الدور التركي الذي أصبح مؤثراً في الإقليم، كل هذه التغيرات دفعت بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية إلى اقتراح إقامة نظام يجمع بين الدول العربية ودول الجوار، وهو الاقتراح الذي عارضته السعودية ودول عربية أخرى. وحاول المفكر المصري الراحل محمد السيد سعيد في بحث قدمه للمؤتمر الاستراتيجي العربي الثاني وعنوانه «هياكل العمل العربي المشترك: تجاوز أزمة النظام العربي» أن يشخص أزمات النظام العربي في كونه يعاني من ثلاث فجوات رئيسية في بنيته وهي فجوة التراضي وفجوة الالتزام وفجوة الفعالية. أما فجوة التراضي فالمقصود بها وجود خلافات عميقة في التوجهات الاستراتيجية والإجرائية بين دول عربية رئيسية نحو عدد من القضايا الجوهرية، الأمر الذي يؤدي إلى شلل في المؤسسة الرئيسية للنظام العربي أي الجامعة العربية. ويكفي للتدليل على صحة هذا التشخيص الإشارة إلى اختلاف دول الخليج العربي في موقفها من إيران، ومن حركة «حماس»، وفي طرق حل المشكلة الفلسطينية. أما فجوة الالتزام فتعني المدى الكبير بين ما تعهدت به ووافقت عليه الدول العربية الأعضاء في الجامعة، وتنفيذ هذه التعهدات سواء تمت الموافقة عليها في مؤتمرات القمة أو في مجلس الجامعة. بعبارة أخرى لا تقوم بعض البلاد العربية بتنفيذ القرارات التي صدرت ووافقت عليها، لأنها لا تحقق – في نظرها – مصلحتها القطرية الخاصة. فما بالنا بقرارات كتلك التي صدرت في القمة الاستثنائية في سرت والتي دار حولها خلاف كبير، على أساس أن الأمانة العامة لم تراع الإجراءات القانونية اللازمة بصددها، وشرعت في تنفيذها برغم اعتراض المملكة السعودية عليها هي ودول عربية أخرى. وأخيراً فإن فجوة الفعالية تعني على وجه التحديد عجز النظام العربي ذاته عن مقابلة المهمات والتحديات المطروحة عليه في إطار المستوى الراهن من التعهدات، وحتى لو تم تنفيذها بسبب عدم كفاية القوة والجهود الجماعية المتضمنة لتحقيق أهداف النظام بنجاح، والتغلب على التحديات والعوائق التي تواجهه، وخصوصاً في ميدان الأمن القومي العربي. وهكذا يمكن القول إن الأزمة الراهنة في مجال تجديد منظومة العمل العربي المشترك ليست سوى حلقة من سلسلة حلقات من الأزمات التي مرت بها الجامعة العربية مذ إنشائها إلى اليوم. ويبقى أن نتساءل هل يمكن للجامعة أن تتجاوز الأزمة الراهنة في ظل توافق عربي شامل؟ سؤال نترك الإجابة عنه للمستقبل القريب. * كاتب مصري