مضحك «انتصار» فيلم «في انتظار أبو زيد» على الرقابة في لبنان. مضحك لأن المعركة لم تكن معركة فن وإبداع وحريات، إنما معركة لبنانين: لبنان الذي اراده الفيلم منارة الشرق، ولبنان الذي يخشى حاضره ماضيه. هذا ما تبوح به الدقائق الآسرة التي عاشها جمهور مهرجان «ايام بيروت السينمائية» في حضرة نصر حامد أبو زيد بعد إفراج الامن العام اللبناني عن الفيلم ليل اول من امس. دقائق ليست سوى نوع من «فلاش باك» أو إعادة تجميع ذكية لطروحات فذة ومحطات مسجلة احتضنتها العاصمة اللبنانية نفسها في فترات متفاوتة، وأمام جماهير لا تقل عدداً عن جمهور «ايام بيروت السينمائية». من حوار مفتوح للمفكر المصري المشاكس مع الجمهور البيروتي، الى لقاء مع طلاب الجامعة الأميركية في بيروت، الى إطلالاته على شاشات الفضائيات الأشهر في العالم العربي («الجزيرة» و «العربية» و «بي بي سي»)، ولقطات من كواليس هذه الحلقات... فهل إجازة ما كان مباحاً هو انتصار ام إنه احتضار لحرية الرأي في مدينة الأنوار؟ مؤشر مخيف طرحته الساعات التي فصلت بين لفظ الرقابة (الجهات الدينية المختصة) على الرقابة (الأمن العام) كلمتها، وبين تحرير الفيلم. مؤشر يبوح بمرحلة جديدة عنوانها تكبيل حرية التعبير باسم الحرص على السلم الأهلي. ولنا في ذلك شواهد كثيرة. بعضها لم يبرد بعد. عنينا فيلم «شو صار؟» للبناني ديغول عيد الذي جال في مهرجانات العالم، لكنه لم يجد مكاناً في عقر داره، وللسبب ذاته: حرصاً على السلم الأهلي. واقع الثقافة المكبّل بألف اعتبار يدعو الى القلق على صورة بيروت اليوم. ومع هذا في الأمر انتصار. ليس انتصاراً لماضي المدينة التي احتضنت كثيرين من المثقفين العرب المنبوذين في ديارهم. إنما هو انتصار للتلفزيون. نعم، مرة جديدة يُسجل جهاز الفرجة هذا، هدفاً جديداً في مرمى الرقابة. مرة جديدة، يثبت ان عصر السماوات المفتوحة يلغي كلمة اسمها رقيب... والفيلم خير دليل: في إحدى اللقطات يسأل مخرج الفيلم محمد علي الأتاسي الرجل موضوع الفيلم (نصر حامد أبو زيد) بعد تنقله معه من شاشة تلفزيونية الى أخرى، هل يمكن ان تصل أفكارك من خلال التعامل مع وسائل الإعلام هذه؟ ثم لماذا لا تضع شروطك على مقدمي البرامج التلفزيونية مسبقاً كي لا تُفاجأ بأسئلتهم الاستفزازية؟ يجيب أبو زيد، بما معناه ان الأفكار تصل بحدود كل برنامج، لكنّ الجواب الشافي، يأتي مع تلك اللقطات من البرامج التي تكشف قدرة ابو زيد على أخذ دفة الحوار الى المكان الذي يشتهيه. هنا، بالتحديد، بإمكان التلفزيون ان يعلن انتصاره. صحيح ان لكل قناة عربية أجندة لا تحيد عنها. وصحيح أيضاً ان في التلفزيون شيئاً اسمه مونتاج يحذف ما لا يناسب سياسة المحطة ويترك ما يجده مناسباً... لكن هناك أيضاً أجندات متضاربة. بالتالي، كل شيء يدور امام المشاهد. فما لا يُقال على محطة ما، يُقال على أخرى، والعكس صحيح، ما يُلغي مفهوم الرقيب. كما تُلغيه تلك الحرية التي تبيحها الدقائق المفتوحة على الهواء، والمشرعة الأبواب على كل الاحتمالات... تجربة فيلم «في انتظار أبو زيد» في بيروت، انتصار يستحق ان يفتخر به التلفزيون... وهزيمة يخجل بها إرث المدينة.