قول الكاتب الأميركي جون ريتش في توصيفه ل «محنة التلفزيونات» بعد ظهور وسائط عدة تسعى إلى بث سينما تراجيدية حية، إنها (التلفزيونات) أصبحت على مقدار كبير من الهشاشة والضعف بحيث لم تعد تستطيع مجاراة الواقع، وباتت تكتفي ببث مقاطع من الذاكرة تدور حول الموضوع ولا تتناوله مباشرة. ويعزو الكاتب هذا الضعف إلى أن القنوات تفترض أن «المشاهد رأى أو تخيل أو تسنت له مشاهدة ما تم بثه من قبل على شبكة الإنترنت، وهي لا تفعل سوى تذكيره بما شاهد»، وذلك في معرض تعليقه على بث «داعش» عملية إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وعلى مستوى أقل عنفاً ودرامية من سطوة «داعش» السينمائية، التي ساعدت الرغبة البشرية باستحضار العنف والتخويف على تثبيتها، يلاحَظ أن التلفزيونات اللبنانية وقعت في المحنة نفسها خلال الأسابيع الماضية، حيث كان جلياً حجم التفاوت في معايير التغطية المباشرة للتظاهرات التي وقعت على مدار الأيام الأخيرة في بيروت. وبما أن الناشطين اللبنانيين اعتمدوا في تغطية أخبارهم على وسائط «الإعلام الجديد»، وجدت القنوات التلفزيونية نفسها مجبرة على اتخاذ موقف واضح وصريح في انحيازه إلى طبيعة هذا الحراك. ذهب بعض المحطات إلى تبني هذا الحراك جملة وتفصيلاً، بل حتى وصلت إلى التفضيل وحمله على الأكف والأكتاف بمواجهة «سيف التسلط الرسمي» الممثل بالحكومة وأجهزتها التنفيذية، في حين التزمت محطات أخرى التحريض على هذا الحراك بوصفه «مشروعاً ارتهانياً لدول خارجية تريد تخريب البلد». وإذ أن الحوار الذي انبثق منه هذا الحراك هو إنترنتي بامتياز، بدت القنوات التلفزيونية كما لو أنها الحلقة الأضعف، وظهرت على نحو يجعلها تلوك الخبر بعد الحدث لا في لحظة حدوثه، مخالفة بهذا التأخر علة وجودها وانتشارها على حد سواء. وبدلاً من تغطية الحدث وجدت القنوا ت التلفزيونية نفسها مساقة، بفعل تقادم عهدها كوسيلة لإشاعة الأخبار، إلى التعليق على الحدث وليس متابعته. ويلاحظ من طريقة التغطية أن المحطات هدفت في صورة من الصور إلى استمالة جمهورها المفترض في تغطيتها، إذ عمدت إلى إعلان مواقفها من الحدث جهاراً، على ألسنة مراسليها. هذا الأمر ليس جديداً على الإعلام اللبناني، إذ لطالما جاهر بانحيازه لهذا الطرف أو ذاك، ولكن انحياز بعض المحطات لجهة «الشعب» كان أمراً غير مسبوق في تاريخ الإعلام اللبناني الحديث على الأقل. وهذا الانحياز كبد هذه المحطات، في أسوأ الأحوال، خسارة بعض المشاهدين، في حين اكتسبت في لحظات كثيرة قدرة على احتكار الجمهور المتحيز مع الحراك أو ضده. ولكن من أبرز ما أرساه هذا الحراك في تأثيره على الإعلام اللبناني هو انهيار مهنة «المراسلين»، إذ كان لزاماً على المراسل، بغض النظر عن الجهة التي ينتمي إليها، أن يتخذ موقفاً واضحاً من الحدث على الهواء مباشرة. وتحولت هذه المهنة إلى أداة لشحن وتشجيع المتظاهرين على النزول إلى الشارع، أو لذم التحرك وانتقاده، وذلك تبعاً لتوجهات كل محطة من المحطات التلفزيونية. والحال، وجّه هذا الحراك ضربة قاصمة إلى الإعلام قد لا تقوم له قائمة من بعدها. لقد بدا واضحا أن المصورين هم الذين كانوا الأبطال الحقيقيين في هذه المعركة الإعلامية. حين غاب تأثير التعليق، وتالياً الكلمة وثبتت الصورة الحية الخالية من أي تعليق سلطتها على المشهد العام. أكثر من ذلك، يبدو أن المحطات التلفزيونية خسرت على وجه السرعة قدرتها على التعليق على الحدث، حيث إن النقاشات والتعليقات انتقلت على نحو واضح إلى فضاء العالم الافتراضي بعدما كانت حكراً أو شبه محتكرة للتلفزيونات حصراً. ورغم خسارتها الواضحة إلا أنها لم تلجأ إلى اعتماد التحليل الموضوعي غير المنتمي أو الموجه سلفاً. ومع هذين التأخر والنكوص، تسيدت التعليقات المنشورة على مواقع التواصل والإعلام الجديد، واضطر المراسلون الصحافيون إلى إعادة نقلها والتعليق عليها، ما حوّلهم من ناقلين للحدث إلى مشاركين في صنعه، فتحولت الصحافية فتون رعد إلى متظاهرة أكثر شراسة حتى من عماد بزّي في دفاعه عن الحملة، كما أصبحت راشيل كرم أداة بأيدي المتظاهرين لنشر ما يريدون التعبير عنه والدفاع عنه في وجه «الحاقدين»، فتعمد تارة إلى استضافة المؤيدين وتُسكت المعارضين الذين قد يستغلون الهواء للاعتراض على الحراك. هذه الحوادث وكيفية التعامل معها، ثبتا الكاميرا بوصفها البطل الأخير في تغطية الأحداث، وأشرا على نحو واضح إلى احتمال موت التعليق والتأويل وولادة حقبة جديدة من إعلام الصورة.