الخبرة هي المهارة في أداء الأعمال العملية أو الفكرية بجودة عالية وبسرعة وسهولة دون بزل مجهود كبير. واكتساب الخبرة يتم نتيجة تعلّم الدماغ المهارة في تنفيذ الأعمال المطلوبة , بشكل يمكّنه من القيام بهذه الأعمال دون تدخل الوعي بشكل مفصل , فهو يقوم عندها بالإشراف ومراقبة التنفيذ والتدخل عند الضرورة أو عندما تكون المهارات المكتسبة غير كافية أو غير ملائمة , فيطلب المعلومات والمشورة من الذاكرة اللحاء .مثال على ذلك: لقد كان أحد الموسيقيين الكبار يقود الأركسترا بنغمتين في نفس الوقت , وعندما سؤل كيف يفعل ذلك أجاب أقود النغمة الأولى بشكل واعي وأترك النغمة الثانية لقيادة اللا وعي لأنها مسجلة ومحفوظة بشكل جيد . وكذلك كل من أتقن قيادة السيارة يستطيع التكلم ومناقشة مرافقيه , أو القيام بأعمال أخرى وهو يقود سيارته . وكذلك من يقوم بالترجمة الفورية من لغة إلى أخرى , فيقوم الوعي و اللا وعي بالقيام بعدة أعمال في نفس الوقت . وهناك الكثير من الأمثلة وفي كافة المجالات . والمهارات تكون في كافة مجالات حياتنا . تعلم الكلام – المشي – السباحة – قيادة دراجة أو سيارة القراءة أو الكتابة – الصيد أو القنص -العزف على آلة موسيقية – الرقص – الألعاب الرياضة الشطرنج الدق على الآلة الكاتبة – الشعر أو الخطابة – المهارات المهنية . . . الخ كيف يكتسب الخبراء ( في أي مجال كان ) مهاراتهم وخبرتهم ؟ كم هي الحصة التي تنسب للموهبة الفطرية الموروثة , وكم هي حصة التعلم والتدريب والممارسة المكثفة في ذلك ؟ كيف يتم اكتساب الخبرة ؟ وما هي العناصر والعوامل اللازمة لاكتساب خبرة ما ؟ وكيف نقيس ونقيم الخبرة. لقد بحث المختصون في علم النفس عن أجوبة لهذه الأسئلة في دراسات أجريت على أساتذة الشطرنج , لقد اختاروا مهارات الشطرنج لأنها يمكن قياسها وتجزئتها إلى مكوناتها , وإخضاعها لتجارب يمكن متابعتها بسهولة في وسطها الطبيعي الذي هو قاعة المباريات , ولهذه الأسباب أفاد الشطرنج كأفضل ميدان اختبار لنظريات التفكير واكتساب الخبرة . لقد جرى اعتماد قياس المهارة في لعبة الشطرنج التي تعتمد على القدرات البصرية الفكرية والتفكير والتحليل , لأنها أفضل وأدق من نشاط آخر أكان نشاطاً رياضياً أم مهنياً أم موسيقياً . . , ويمكن قياسها ومقارنتها بدقة نظراً لوجود سجلات تصنيف دقيقة لعدد هائل من اللاعبين . والسبب الآخر لاختيار لعبة الشطرنج كنموذج للدراسة كيفية تشكل ونمو الخبرة والمهارة , وليس لعبة البلياردو أو البريدج هو شهرة وأهمية هذه اللعبة وانتشارها الواسع في العالم . وأفضت النتائج التي تجمعت لديهم على مدى قرن من الزمن إلى نظريات جديدة توضح كيف ينظم الدماغ المعلومات ويسترجعها , وكيف تكتسب المهارات الفكرية والمهارات العملية ويصبح أداءها سهل وبكفاءة عالية . إن هذه الأبحاث ذات فائدة كبيرة للمربين وغيرهم . فمعرفة كيف يكتسب أساتذة الشطرنج مهارتهم وخبرتهم يمكن أن تطبق في تعليم القراءة والكتابة والرياضيات وغيرها من الأعمال الفكرية . والمتفق عليه في موضوع اكتساب الخبرة هو أن تشكل هذه البنى في الدماغ يستغرق جهداً ووقتاً كبيراً ويقول " أريكسون " أن المهم في اكتساب الخبرة المثابرة وبزل الجهد باستمرار لموجهة تحديات تتجاوز إمكانات المرء . يبدأ تاريخ المهارات البشرية بتعلم التعرف على الوجوه , وجه الأم والأهل وتمييزها عن وجوه الغرباء , ثم والتعرف على الأصوات . ثم تعلم التحكم بحركات أعضاء الجسم , ثم الكلام والمشي وباقي المهارات الفكرية والعملية كافة . وبالنسبة لأسلافنا الأوائل كان اكتساب مهارة الصيد , وهي مهارة حاسمة لبقائه على قيد الحياة . فالصياد الماهر والخبير يعرف أين توجد الطرائد وكيف يتتبعها , وكيف يباغتها أو يتحايل عليها ليصطادها . فهو كان يكتسب هذه المهارات ويتعلمها من جماعته بشكل متدرج ومتصاعد منذ طفولته , وتنمو خبرته ومهاراته وفق علاقة خطية وذلك حتى أواسط الثلاثينيات من العمر حيث تبلغ الأوج . ويتم اكتساب المهارات والخبرات , أو التعلم لأي شكل من مهارات أكانت فكرية أم عملية , عن طريق بناء برامج دماغية , وهذا لا يتم إلا بمشاركة الدماغ القديم . التعلم يختلف عن تسجيل الأفكار والحوادث وغيرها في الذاكرة , من ناحية تنوعه وحجمه فهو اكتساب طرق تصرف واستجابات وتفكير ( أو برامج ) متكاملة ومتطورة , في مجال ما , أكان تعلم الحكي أو تعلم المشي أو تعلم قيادة دراجة أو سيارة أو تعلم رياضة معينة أو تعلم مهنة ……. إلخ . وبالنسبة لنا هناك برامج تصرف أو مهارات واستجابات نرثها بيولوجياً كالدوافع والانفعالات وغيرها وهناك برامج تصرفات نكتسبها أو نتعلمها نتيجة حياتنا الاجتماعية الثقافية والحضارية , كاكتساب اللغة الأم والقراءة والكتابة والمهن الزراعية والصناعية والتجارية والكثير الكثير غيرها . فالمهارات المكتسبة نتيجة التعلم تكون نتيجة عمل ومشاركة غالبية بنيات الدماغ , الدماغ الحوفي واللحاء والمخيخ وبشكل خاص الدماغ القديم , ويحدث تنسيق وتعاون بينهم , ولا يتم هذا الاكتساب بسرعة أو بسهولة , فيلزمه تكرار وممارسة لفترات طويلة كي يتم . فالخبرة والمهارة هي مجموعة برامج فكرية وعملية ( أي تصرفات واستجابات ومعالجات فكرية ) تم اكتسابها نتيجة عمل وتفكير وجهد موجه ولفترات طويلة . ويجب أن تكون البنيات التحتية لهذه المهارات متوفرة . واكتساب المهارة والخبرة لا يعتمد كثيراً على التحليل , بل على المعرفة المنسقة والممارسة المتكررة . إن غالبية أنظمة التعليم الأساسي والثانوي والجامعي تهتم بالدرجة الأولى بتعليم مهارات القراءة والكتابة والحساب . ., و بالبنيات التحتية اللازمة لغالبية المهارات , وهي لا تكسب المتعلمين الخبرة بل تعلمهم البنيات التحتية التي سوف تلزمهم عندما يريدوا ممارسة أعملهم مستقبلاً ويصبحوا ماهرين أو خبراء فيها إن أي مهارة لا يمكن أن تكتسب دون توفر البنيات التحتية اللازمة لها , فتعلم الكلام يلزمه توفر كافة القدرات الضرورية فمثلاً إذا كان الطفل لا يسمع لا يمكنه تعلم الكلام , وكل مهنة أو خبرة يلزمها بنياتها التحتية . وتشير الأدلة إلى رجحان أن الخبراء يصنعون ولا يولدون . يظهر أن التحفيز والممارسة يشكل عاملا أكثر أهمية من المقدرة الفطرية الموروثة , في تشكل الخبرة ونمائها , وليس عرضاَ أن المهارة والخبرة في الموسيقى والشطرنج وأصناف الرياضة . . . الخ جميعها تتحدد الخبرة فيها بالأداء والممارسة والتنافس ( وليس بالشهادة الأكاديمية ) . إضافة إلى ذلك فإن النجاح يبنى على النجاح , لأن كل نجاح يقوي ويعزز التحفيز والممارسة وبالتالي نمو ونضوج الخبرة . الخبرة هي التقليد والنسخ والتكرار , وهذا يمكن أن يعيق الإبداع الذي هو تجديد والخروج عن المألوف والمنسوخ , فالخبرة لازمة ولكنها غير كافية , فيجب أن يملك المبدع الخبرة بالإضافة إلى دوافع وقدرات التجديد والتطوير, وأن يكون لديه ميل للإطلاع والمعرفة والبحث عن المعلومات الجديدة , وامتلاكه قدرة عالية على اكتشاف الكثير من الحلول الملائمة للمشكلة , وإعادة بناء خبراته في صياغة جديدة أفضل . وعندها يصبح من العباقرة والعلماء المميزين . بقلم نبيل نايف