مفردة ( مؤسسات المجتمع المدني ) مغيبة تماما من الوعي الثقافي لدى كثيرين من القراء في مجتمعنا السعودي ؛ وذلك لغياب الثقافة السياسية ، من اهتمامات ثقافتنا المحلية فما المقصود ب( مؤسسات المجتمع المدني ) ؟ مؤسسات المجتمع المدني هي المؤسسات والمنظمات غير الربحية التي تنشأ مستقلة عن الحكومة ؛ كالمنظمات السياسية ، والثقافية ، والحقوقية، والاجتماعية ، والدعوية ، والفنية ، والإعلامية ، والصحية وتتمظهر في شكل ( نقابات ، و اتحادات ، ومنتديات ، ومؤسسات ، وجمعيات ) . ويعد وجودها ضروريا في تشكيلة الدولة الحديثة ، إذ هي مؤسسات أهلية موازية لمؤسسات الدولة الرسمية ، حيث يتفق مجموعة من المواطنين تجمعهم هواية ما، أو توجه ثقافي ، أو محبة العمل الاجتماعي أو الفني على إنشائها تحت ترخيص رسمي . ومن خلالها يعبر أفراد المجتمع عن وجودهم الإنساني بشكل سلمي بعيدا عن التشكيلات السرية ، أو استعمال العنف . وهي تساهم - حسب نوع المؤسسة - في احتضان المواهب ، وتفجير طاقات الإبداع ، وإشاعة جو التكافل في المجتمع ، وتنفيس الاحتقانات السياسية ، وتوفير الأجواء الآمنة لقضاء وقت الفراغ فيما فيه خدمة للمجتمع ، وتوفير فرص العمل لقطاع عريض من العاطلين ، وفي تشجيع انخراط الأجيال الشابة في خدمة المجتمع كل فيما يهواه ويتقنه ، وفي نشر الوعي الثقافي ، والسياسي ، والصحي .وفي احتضان الطاقات الفنية والإبداعية وتنميتها . ما الذي دفعني لكتابة هذه المقدمة عن ( مؤسسات المجتمع المدني ) ؟ ومع علاقة تلك المؤسسات ب( شباب بريدة ) ؟ قدر لي أن أكون شاهدا على عملين رائعين من إبداعات الشباب في مدينة بريدة . أول العملين أنني شهدت ولادة هذه الصحيفة المتميزة ( عاجل ) فقد استكتبني فيها رئيس تحريرها الأستاذ سلطان المهوس منذ بدايتها ، فظننت أنها ستكون كغيرها من مواقع الانترنت الكثيرة ؛ وهي في مجملها مواقع ولدت ميتة ؛ إذ تفتقر إلى عنصر التشويق ، والإبهار ، وتتسم بالبطء في ملاحقة الأخبار ، وتحمل نفسا أحاديا في توجهها الفكري؛ إذ تكون معبرة عن توجه فكري محدد ( إسلامي أو ليبرالي ) ، وترفض ما يختلف معها من أفكار . لكن الذي سرني أن ( عاجل ) قد نجت من مصيدة تلك العيوب ؛ إذ عبَّرت عن نشاط محموم في ملاحقة الأخبار ، وأفسحت المجال لكل التوجهات الفكرية لتعبر عن أطروحاتها ، كما أفسحت لجمهرة القراء في نشر مرئياتهم تجاه ما تنشر من أخبار ، وما فيها من مقالات ، مع رفع سقف الحرية لتلك الكتابات المعقبة ، وهذا ساعد في زيادة شعبيتها ؛ إذ تعدت نسبة الدخول عليها الألوف يوميا . ولا شك أن ( عاجل ) بسياستها المتفردة استطاعت وبفترة وجيزة أن تساهم في نشر الوعي لدى قطاع عريض من قرائها . وليس معنى هذا أن ( عاجل ) بلغت المرتبة المرجوة منها ، بل هي في حاجة للتطوير المستمر خاصة في صياغة الأخبار ، والتدقيق اللغوي ، وطرح القضايا الملحة على شكل ندوات ، وتحقيقات مصورة ، وأحسب أن الزملاء رئيس التحرير وأعضاء هيئة التحرير قد وضعوا كل هذا في خططهم المستقبلية . والعمل الثاني الذي كنت شاهدا عليه هو العمل الذي يعرض هذه الأيام في مهرجان بريدة الصيفي ، فقد دعاني الزميل الأستاذ محمد اليحي المخرج المتألق المعروف لرؤية عمله الإبداعي ( القرية الشامية) ، وقد بهرني العمل ، إذ جاء لوحة تمثيلية متكاملة من حيث الصوت والصورة والديكور ، والمؤثرات الصوتية ، وإتقان العمل التمثيلي . ولتدرك حجم الصعوبة التي واجهت المخرج القدير في هذا العمل يجب أن تعرف أن العمل مسرحي حي ، يشترك فيه أعداد ضخمة من الممثلين مع الخيول والسيارات ، والمفرقعات الصوتية ، وقد وفق المخرج اليحي في إدارة هذه الجموع باقتدار ؛ فالعاملون في الحقل الفني يتحدثون عن الصعوبة البالغة في إدارة الجموع في الإخراج ، خاصة في العمل المسرحي الذي لا يحتمل الإعادة ، كما هو العمل السينائي . وليس هذا هو العمل الأول للأستاذ اليحي إذ سبقه في السنة الماضية العمل المسرحي الرائع ( القرية النجدية ) ، وقبله ( الكاوبوي الأمريكي ) ، وكلها أعمال رائعة تشهد للأستاذ اليحي بالمقدرة والتمكن في الإحراج . ومما يبهج في هذا العمل وما قبله من أعمال أن الممثلين ، والمصورين كلهم من شبابنا السعودي الهاوي غير المحترف ، وكلهم يملكون طاقات إبداعية في التمثيل ، والتصوير . هذه المواهب والإبداعات التي كنت شاهدا عليها في بريدة ، هناك ما يماثلها في جميع مدن ومناطق المملكة في عنيزة والرس والرياض وجدة ومكة والمدينة وأبها وحائل والدمام والقطيف وغيرها من المدن السعودية ، وكلها بحاجة للاحتضان ، وإلى جو يتسم بحرية مزاولة العمل تحت مظلة مؤسسات ، وجمعيات ، ومنتديات . وحقيقة حينما اطلعت على هذين العملين للأخوين المبدعين الأستاذ سلطان المهوس ، والأستاذ محمد اليحي ، أدركت كم نحن بحاجة اليوم لتفعيل مشروع ( مؤسسات المجتمع المدنى ) الذي سبق أن طرح في مجلس الشورى تحت عنوان (نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ) وبلغت مواد النظام 51 مادة جاءت مقسمة على سبعة فصول تناولت الأهداف والتعريفات والتصنيفات، إضافة إلى إنشاء الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية وما يتعلق بمهامها وتنظيمها الإداري، وإنشاء الجمعيات الأهلية. وإذا كنا اليوم نملك بعض الجمعيات الأهلية غير الربحية التي تعمل في الحقل الاجتماعي خاصة كالجمعيات الخيرية ، وجمعيات رعاية أسر السجناء ، و جمعيات الأيتام ، وجمعيات مكافحة التدخين ، وجمعيات إصلاح ذات البين ؛ فإن الوقت قد حان للتوسع في الترخيص للجمعيات في المجالات الأخرى في مجالات الحقوق ، والثقافة ، والفنون ، والصحة ، والهوايات ، وغيرها من الجمعيات التي تشكل ضمانة للمجتمع من الوقوع في هوة التطرف ، أو العنف، أو الانحلال الأخلاقي ، وتضمن لأفراده التعبير عن أنفسهم ومواهبهم وإبداعاتهم في جو صحي يستنشق الحرية ، ويطرح التنافس الأخوي بين أولئك الموهوبين د سليمان الضحيان عضو هيئة التدريس في جامعة القصيم