عندما تحطّ رجلاك إحدى الطرق الرئيسة في منطقة الباحة؛ تجبرك عيناك قسرا على مشاهدة سيارة صُنعتْ من بلاط وحجارة تقف شامخة بجوار دائرة حكومية، وعجوز ارتسمت على ملامحها صلابة المرأة القروية، واتسمت ذاكرتها بقدرة حاسوبية ربانية، تحتفظ بما مرّ عليها في عمرها الطويل من ذكريات... حكايتها.. من قصة أمٍّ عانت لتربي ابنها الوحيد اليتيم إلى أن كبر أمام عينيها؛ وفي لحظة خاطفة دخل السجن، ولم يبق لها إلا النظر إلى سيارته القابعة بجوار منزلها، حيث لا تجد حيلة تنسيها بعض الفراق سوى تغطية سيارته بهذا الشكل الغريب أمام منزلها. “شمس” استمعت إلى القصة من لسان العجوز المفجوعة، التي ذهب ابنها الوحيد إلى السجن منذ عام ضحية لقضية مخدرات في منطقة الباحة، فلم تجد بدّا من الانتظار بأمل الإفراج عنه... وأمام دارها تقف سيارته (الجيب) مغلفة بالطوب والبلاط وبعض العشب الذي نبت في نواحيها، حتى لا تراها عند دخولها وخروجها فتذكرها بمأساته، وحتى لا تستطيع أيد عابثة أن تعبث بها حتى يخرج من سجنه. الأم الحزينة (ف، س) تروي قصتها غير عابئة بنظرات الاستغراب، وإن كان السواد الأعظم ممن يعرفونها يشاطرها مصابها، تقول لشمس” وهي محتضنة الصحيفة: “غادرت مسقط رأسي في قرية في تهامة (جنوب السعودية) منذ أن توفي زوجي ليعمل ابنها حارسا في إحدى الإدارات الحكومية في الباحة، وزوّجته بعد ذلك، ولكن لم تكتمل فرحتي عندما وقع ابني المسكين في شراك المخدرات عبر جلساء السوء، قاتلهم الله أجمعين”. وتذكر الأم المكلومة بدموع الأسى أنها أدت فريضة الحج مع ابنها مرتين، وأنه كان يؤدي الصلاة في جامع الملك فهد بالباحة، المجاور لهم. والآن فقدته الأم والزوجة وأبناؤه الثلاثة! وعن سيارة ابنها تقول: “غطيتها بواسطة أحد العمال بشراع من النايلون الأزرق، حيث جلبتها من إحدى ورش إصلاح السيارات بعد إيداع ابني السجن مقابل ألفي ريال أجرة إصلاحها”، وتشير إلى أنها وابنها اشتريا السيارة بقرابة ال40 ألف ريال، لذلك تحرص على الحفاظ عليها له، وتخاف على السيارة من عبث العابثين وأيدي السارقين، ولا تتحمل أن يلمسها أحد بيده؛ حتى كادت تُكسِّر الكاميرا لأنها رأت فلاشها يضيء سيارة ابنها، وبعد محاولات تم إقناعها بأنه لا ضرر عليها! وأوضحت الأم أنها لا تريد رؤيتها وولدها الوحيد في السجن، وأنها ستحتفل بخروجه وركوب السيارة معه لزيارة الأقارب. والغريب في الأمر أنها تحرس السيارة ليل نهار، ولا تحظى إلا بلحظات متقطعة من النوم، حيث تفزعها كوابيس الأحلام التي تدور حول منظر ابنها المسجون! ولم يفت العجوز أن تتقدم بالشكر للأمير محمد بن سعود ونائبه الأمير الدكتور فيصل بن محمد اللذين قدما لها مساعدة ومنحاها وابنها أرضا باعها ولدها ب40 ألف ريال استعان بها على تكاليف الزواج، كما شكرت خادم الحرمين الشريفين لما يقدم لها من ضمان اجتماعي يفي بحاجتها، مؤكدة أنها امتنعت من الصدقات بعد أن تم رفع مخصصاتها من الضمان الاجتماعي، وطالبت عبر “شمس” بإيجاد آلية لنقل السيارة في مكان آمن لا تراه حتى يتم إطلاق سراح ابنها، وهي ترفع شكواها إلى الله ثم المسؤولين بتحقيق رغبتها في مشاهدة ابنها بين أسرته، في الوقت الذي تؤكد استقامته في السجن من خلال لقاءاتها به. وعندما سألناها عن رضائها من وضع السيارة؟! بادرت بالقول إنها واقفة في الشارع، وإن ما قامت به غير صحيح، ولكن حرقتها على ولدها الوحيد أجبرتها على فعل ذلك العمل الغريب. ونحن نجري هذا التحقيق شاهدنا بأم أعيننا جالونا من الماء بقرب سيارة ابنها وكوبا تضعه في الماء وتغرق هذه السيارة ظنا منها أنها تبقيها نظيفة حتى عودة ابنها. وقد أوضح العقيد فراج العصيمي مدير السجن بالباحة لشمس” أن محكومية ابنها مدتها ست سنوات، بدأت من الشهر قبل الأخير من عام 1428ه قضى منها سنتين، وعلى الرغم من أن جميع السجناء يتمتعون ببرامج توعوية وحفظ القرآن الكريم وبرامج تدريب على الحاسب الآلي والقراءة في المكتبة وترفيه وانتساب للجامعة وفصول دراسية للطلاب الخاضعين لمحكوميات مختلفة؛ فإن هذا السجين، 54 سنة، سلوكياته في السجن جيدة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وربما يستفيد من برنامج حفظ القرآن الكريم لتخفيض المحكومية، وربما أميته تمنعه أحيانا من ذلك.