الاعتزاز بالقبيلة أمر محمود إذا كان في حدوده المعقولة، والرسول الكريم فاخر بنسبه في معركة حنين كما ورد في صحيح البخاري، رغم أن المعركة كانت ضد قبيلته، وأعتقد وقد أكون مخطئا أن هذه المفاخرة جاءت في ظروف خاصة ومن باب التحفيز، فقد أكدت معظم الأحاديث النبوية أن التفاخر بالأنساب من نعرات الجاهلية، ورفضت الأخذ به كأساس للمفاضلة بين الأشخاص، وهذا لا يعني أن الممارسة توقفت فالعادة تغلب العبادة في بعض الأحيان، والدليل أن دور شاعر القبيلة القديم تطور في الوقت الحالي، وأصبحت المحطات الفضائية والمواقع الإلكترونية والمجلات الشعبية تتكلم باسمها، وتعيد إنتاج بطولاتها في قوالب جديدة. منافسات القبائل في رصد مناسبات المجد والرفعة مستمرة، واستدعاء الماضي لتوثيق الإنجازات التراثية وإظهار تفوقات مرحلية، لا يزال موضوعا مفضلا في مجالس أبناء القبائل، ويفوت هؤلاء أن الدولة الوطنية حلت محل القبيلة بكل تعقيداتها، ولا حاجة بالتالي لشيخ قبيلة يحكم ويحاكم أو يؤمن حماية أو يطلب جاهية أو يجهز جيشا أو هكذا يفترض، ومن يراقب سيلاحظ أن المجتمع السعودي لم يخرج تماما من جلباب القبيلة، ومن الشواهد، قضايا تكافؤ النسب، وزواج الأقارب من الدرجة الأولى وما يترتب عليه من أمراض وراثية خطيرة، وحملات جمع ديات الرقاب، وطقوس الامتناع عن تناول فنجان القهوة، أو حذف عقال الرأس لقضاء الحاجات العامة والشخصية، وعلى طريقة مدير الشؤون الصحية في منطقة مكة مع شركة سعودي أوجيه. لعل المظهر الحاضر وربما الأبرز لمتلازمة القبيلة، يبدو في حادثة وقعت قبل أيام في مهرجان مزاين الإبل الذي يحمل اسم الملك المؤسس، يرحمه الله، في أم رقيبة، ويحسب للمهرجان أنه استطاع توحيد مهرجانات القبائل في بوتقة واحدة، وحيد التحزبات والمماحكات، وحرر القبيلة من شياطينها ونعراتها نسبيا، ولكن المشاهد المنقولة أخيرا بالصوت والصورة، والمنشورة في شبكات التواصل الاجتماعي، كشفت عن تصرفات غاية في البدائية، أبطالها مجموعة من الملثمين يصرخون ويهتفون أمام لجنة التحكيم، وفي أيديهم رايات لقبائل تتنافس على جوائز المهرجان، ويجوز أن المشاهد مفبركة والتفاصيل غير دقيقة، إلا أن تسويقها في حد ذاته يشير إلى مشكلة تحتاج لعلاج نفساني واجتماعي فاعل، خصوصا أن دراسة حديثة أشارت لاهتمام غالبية السعوديين في مواقع التواصل بنشر الفضائح والنميمة الاجتماعية كيفما اتفق ولأغراض التسلية ولفت الأنظار، وهذا النوع من الأخبار يناسب هوى المتصيدين، ومن يحاولون حرف الأحداث لخدمة مصالحهم الضيقة والمتحاملة. بجانب أن الأرقام المليونية في صفقات بيع وشراء الإبل ليست مريحة، فإعاشة الإبل مرهقة لأي جيب وخسائرها أكبر وأقرب من مكاسبها، ولم أفهم كيف أن سعر الرأس الواحد قد يصل إلى ثلاثين مليون ريال، وبدون عوائد أو أرباح محتملة في المستقبل، مثلما هو الحال في عمليات شراء الخيول لأغراض المنافسة في السباقات المحلية والدولية، ثم إن تجارة الخيل تخضع لرقابة وضوابط غير موجودة في مزاين الإبل، ولم تخصص لها مناسبات لقياس الجمال مشابهة لمعايير المزاين، وأستغرب شراء حيوانات للمفاخرة لا أكثر، بافتراض عدم وجود أسباب إضافية. وغياب المتنافسين على شراء الإبل عن مزادات الخيول والإمكانية المادية متوفرة، القبيلة لن تتخلص من عيوبها ما دامت متمسكة بكماليات تضر ولا تنفع، والمطلوب هو الاستفادة منها كوحدة اجتماعية دستورها الانتماء العرقي، وتحويلها إلى مؤسسة مدنية منتجة ومتحركة ومتفاعلة مع واقعها، وبأسلوب يمكنها من المساهمة في تنمية المجتمع والاستثمار، على الأقل، في عقول ومشاريع شباب القبيلة العاجز ماليا، ولا بأس عندها من المنافسات المعقولة والنظيفة في الحيوانات.