كانت من أحلى الجلسات أيام الصغر هي جلسات السطوح، وكانت من أجمل الليالي، وأحلى النوم.. باستخدام «الناموسية» طبعا. وكانت لأسطح بيوتنا طابعها المعماري المميز شكلا وموضوعا، فكان السطوح هو «عمة» البيت إن صح التعبير باعتباره أعلى نقطة، وكانت مجموعات الأسطح تحدد خط الأفق للمدينة بأكملها بطريقتها الجميلة الفريدة. وفجأة تغير كل هذا فجاءت ضواغط المكيفات البشعة المزعجة وتربعت فوق الأسطح لتنافس البشر، بل ولتطردهم وتحجب عنهم جمال السماء. وبعدها جاءت الهوائيات البشعة المربطة بالأسلاك لتغطي المزيد من أسطح منازلنا وكأننا في حالة اتصالات فضائية نشطة مع الكواكب والمجرات المختلفة. وكل هذه التغيرات جاءت لتغير طبيعة منازلنا فحرمتنا من إحدى أهم الوظائف العمرانية الذكية التي كانت تضيف الكثير للمباني. وأشدد هنا على وصف المباني بصفة «الذكاء» في عدة أبعاد. وكانت الأسطح تتمتع بعدة مميزات وأولها أنها كانت تلم الشمل اجتماعيا. وثانيها أنها كانت جميلة ومزينة للمنازل، وثالثها أنها كانت غاية في الذكاء في استخدامها لقوانين الفيزياء لتطوع التيارات الهوائية بطرق تضمن تحقيق «الطراوة». وتحديدا كانت التصاميم آنذاك تؤكد على تكوين فروقات في الضغط الهوائي بين مناطق مختلفة من السطوح. وهو نفس المبدأ الذي يتسبب في رفع الأجنحة سواء كانت للبعوض أو الذباب أو «البوينج». عند مرور الهواء عبر الجناح يكون الضغط أعلى الجناح أقل بكثير مما هو أسفله مما يسحب الجناح إلى الأعلى. وأما في قمة المباني فكان الهدف هو سحب الهواء أفقيا للتبريد من خلال تكوين درجات حرارة منخفضة باستخدام الظل والتشجير.. واليوم نجد أن في بعض الدول المتقدمة بدأت العديد من المدن في تطبيق مبدأ الأسطح الخضراء من خلال الزراعة المكثفة لمساحات على السطوح يصل عمقها إلى حوالى ثلث متر. أنظر مثلا في سطوح مباني استكهولم بالسويد التي تغطى أسطح مبانيها بالزراعة منذ مئات السنين، وإلى قوانين البناء في طوكيو، ومونتريال، وشيكاغو وكلها تتطلب نسبة تغطية خضراء طبيعية للمباني الكبيرة، و لا يقتصر الموضوع على المنشآت السكنية فبعض من مباني مطار فرانكفورت تتمتع بالسقوف الخضراء المزروعة. ومزايا هذه التغطية الخضراء الطبيعية عديدة ومنها: عزل المبنى في الشتاء بسبب الغطاء فوقه، والاستفادة من مياه الأمطار وربما أيضا بعض من مياه الصرف الصحي «النظيفة» في الري، وتبريد الأسطح في الأجواء الحارة، وتوفير مساحات جميلة للاستخدام الخارجي في الأجواء المفتوحة. ولا ننسى طبعا البعد الجمالي لكل هذا فتخيل المباني المغطاة باللون الأخضر الطبيعي الجميل ضمن عناوين خطوط أفق المدن. وتأمل في الوضع الحالي غير اللائق لأسطح مدننا المغطاة بالهوائيات والضواغط بطريقة مزعجة. أذكر نفسي والمسؤولين عن البناء في وطننا بأن العمران ليس مجرد منشآت وفراغات مفتوحة فحسب، فهو يعكس إنجازات الحضارة، ومقدار نجاحها في خدمة الإنسان. أمنية يعيش وطننا اليوم مرحلة نشاط عمراني غير مسبوق في تاريخنا لبناء أعداد هائلة من المنشآت. أتمنى أن لا نغفل أهمية الجودة والاستدامة من التصميم الصحيح الذي يشمل الاهتمام بالأسطح كأحد المكونات العمرانية الأساسية لترشيد الطاقة، وتقليص الضجيج، وتجميل المدن. والله من وراء القصد. للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة