الإنسان كائن اجتماعي رغما عنه؛ إذ لا يمكن له أن ينشأ منفردا بل في هيئة اجتماعية. داخل إطار المجتمع تتشكل شخصية كل فرد. ويتفاوت الأفراد بتفاوت القدرات والملكات الفطرية إضافة إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي ينشأ داخلها، وغيرها من العوامل الأخرى التي تسهم بقدر ما في تشكيل الشخصية. فلنحلل طبيعة الشخصية بصورة عامة. كل إنسان يمتلك رؤية معينة عن نفسه. فقد يرى في نفسه بطلا أو بليدا، شجاعا أو جبانا، محبوبا أو مكروها، إلى آخره. هذه الصورة الذاتية للمرء عن نفسه سنسميها «العالم الداخلي» . ولكن هذا لا يكفي لوصف طبيعة الشخصية، فهناك إذن «عالم خارجي» وهو تصور الآخرين عن المرء. إذا اختلت العلاقة بين العالمين فإنها تفضي إلى وجود أزمة أو مشكلة نفسية. فإذا تصور المرء نفسه مكروها بينما الآخرون لا يرونه كذلك فإن سوء فهم قد حدث بالفعل، وهذا يؤدي إلى جعل الشخصية «غير واثقة» مثلا، أو «انطوائية». إن العالم الداخلي للمرء أكثر خطورة لأنه ينطوي في داخله على نسخة من العالم الخارجي. أقصد إن المرء يتصور نفسه ويتصور «تصور الآخرين» عنه. فإذا فسر تصور الآخرين له بشكل خاطئ حدثت المشكلة. من هنا فإن لدينا ثلاثة أركان أو ضروب من التصور تسهم في تشكيل الشخصية وأيضا تحليلها؛ تصور المرء لنفسه، وتفسيره لتصورات الآخرين عنه، وأخيرا تصور الآخرين الفعلي عنه. إن المرء لا يستطيع الخروج من نفسه وأن يرى بعيون الآخرين، فكيف إذن للمرء أن يحصل على تصور صحيح له عن نفسه؟ لنجيب عن السؤال دعونا نوضح طبيعة العلاقة بين الأركان الثلاثة المذكورة آنفا؛ إنها في الأصل علاقة جدلية. كلمة «جدلية» تعني في الفلسفة التفاعل المستمر. فالمرء كما يفترض ينبغي عليه أن لا يتسمر عند تصوره لنفسه كما حصل لدون كيشوت بل عليه أن يذهب إلى الآخرين لكي يرى تصورهم عنه، فيعود مرة أخرى إلى تصوره الذاتي ويعدل فيه لكي ينسجم مع تصورات الآخرين الذين هم «المجتمع ذاته» . هنا يتحقق الانسجام الشخصي ويقدر المرء على أن يعيش بسلاسة في مجتمعه. أود أن أضع فرقا سريعا يميز المجتمع المنغلق من المجتمع المنفتح. في الأول تسود المجاملات ويسود النفاق وعدم الصراحة وعدم تقبل النقد. لذا فإن المرء الذي يريد الانسجام مع المجتمع سيضطر للتخلي عن كثير من مبادئه فيصبح نسخة مماثلة للآخرين، صحيح إنه حقق الانسجام ولكنه فقد حريته. ومن أجل ذلك أيضا تجد أن الشخصيات المبدعة أو المتمردة تمتاز بالقلق لأن العالمين غير منسجمين؛ لقد فضلوا شقاء الحرية على نعيم الانسجام. في المجتمع المنفتح والحر لا يجبر الناس الفرد على أن يتمثل لهم ولتصوراتهم وأفكارهم، بل فقط أن يحقق القدر المطلوب للتواصل الصحيح مع الآخرين. فالتواصل السليم هو هدف الحوار هنا. بينما الهدف منه في المجتمع المنغلق هو إقناع الآخرين ليصبحوا مثل بعض تماما، وفي الحقيقة فإنه ليس إقناعا بقدر ما هو إكراه مبطن؛ فإذا لم تنسجم مع المجتمع ومبادئه حرفيا فإنك ستعرض وجودك الاجتماعي للخطر.. إن المشكل العميق على كل حال ليس هو الأفكار التي يكون المرء واعيا بإمكانية صحتها من عدم صحتها، بل في التصورات اللاشعورية التي قد تفلت من محاكمة الوعي، هذه التصورات ستظهر على السطح حينما يدخل المرء في حوار صريح يجعل كافة الأركان الثلاثة تتفاعل مع بعضها بعضا، عندئذ ستنجلي الأوهام ويتحقق السلام الداخلي. للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة