أعادت فتوى استخدام الرجل للمكياج الجدل مجددا في الأوساط الفقهية، مرجعة للأذهان العديد من الفتاوى المثيرة والتي ساهم الأمر الملكي بحصر الفتوى في هيئة كبار العلماء في الحد من المثير والغريب منها. لكن من الصعوبة بمكان السيطرة على الفتاوى التي تأتينا من الخارج، خصوصا إذا دعمت بأدلة شرعية رغم أن الإعلام يحاول أن يجعل من الفتوى مادة مثيرة للجدل وهو ما حصل مع فتوى استخدام المكياج للرجال، حيث جوز كبير المفتين في دبي مدير دائرة الإفتاء الدكتور أحمد الحداد، استخدام المكياج للرجال عند الضرورة الملحة من غير تمييع أو تشبه بالنساء، بل لإخفاء ما فيه من عيب حادث من بثور وهدوب ونحوها، أو ليتجمل لامرأته لتزداد به شغفا وحبا فإنه لا حرج فيه، مستشهدا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، يقول: «إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي المرأة»، وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما، قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد». لكن عضو هيئة كبار العلماء الدكتور يعقوب الباحسين قد بين ل «عكاظ»، أن استخدام المكياج للرجال أمر غير جائز ولا يليق بالرجال مها كان الأمر، داعيا الرجال لعدم اللجوء لمثل هذه المسائل، مشددا على أن الرجل يجب أن تظهر عليه مظاهرة الخوشنة وليست النعومة والليونة التي لا تليق إلا بالنساء، وبين الباحسين أن معنى حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي المرأة» يقصد به أن يأتي الرجل لزوجته نظيفا أنيق الثياب مرتبا متطيبا متعطرا دون استخدام المكياج، وشدد على أن مثل هذه المسائل يجب أن تسأل عنها اللجنة الدائمة، مؤكدا على أنه لا يجوز تغيير خلق الله بمكياج أو غيره إلا بضوابط وشروط شرعية. وبالعودة لحديث كبير المفتين في دبي أوضح ل «عكاظ» أن فتواه جاءت في سياق الرد على سؤال حول حكم استخدام الرجل للمكياج، وأفاد بقوله: المكياج أنواع؛ فمنه ما يكون للنساء اللاتي ينشأن في الحلية وحاجتهن إلى التجمل والتزين للزوج أو ابتغاء فضل الله في التماس الأزواج، فهذا النوع لا بأس به وهو من مقتضيات حياتهن وحاجتهن إليه ماسة، والشارع يندبهن إلى التزين لأزواجهن، «فقد روى الطبراني مرسلا أن امرأة جاءت تريد أن تبايع النبي صلى الله عليه وسلم كأن يدها يد الرجل، فأبى أن يبايعها حتى ذهبت فغيرت يدها بصفرة»؛ وذلك لأن هذا هو شأن المرأة كما قال الله تعالى:{أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين}. مضيفا «أما الرجال فإن الأولى لهم تركه إذ لا فائدة منه، فإنه مهما تظاهر بالفتوة فإن قواه لا تساعده على ذلك، كما قال الزهري رحمه الله تعالى «كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه»، ولكمال خلقتهم، ففيهم من كمال الرجولة ما يغنيهم عن التصنع بالمكياج ونحوه. ومع ذلك فإن فعله لحاجته إليه من غير تمييع أو تشبه بالنساء لا بأس به فالإسلام لا يحرم زينة الله التي أخرجت لعباده والطيبات من الرزق، بل يندب إلى التجمل وإظهار الكمال ما استطاع المرء، وخلص الحداد إلى أن العلماء اتفقوا على جواز الخضاب للجند؛ لما فيه من إظهار المهابة وقوة الشكيمة. مشددا على أنه «لو وصل وضع المكياج إلى حد التشبه بالنساء كما يكون من بعض المهزومين خلقيا فيشابهون النساء في كل شيء، فإنه يحرم عليهم، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، كما في الصحيح. وحالات التشبه معروفة لا تخفى، كمن يفعل أحمر الشفاه أو حمرة الوجنتين أو وضع الأقراط أو نحو ذلك». مضيفا «مثل هذه المسألة لا تخفى على أهل العلم وطلابه، فلا ينبغي لمن لا يعلمها أن يستغرب، بل أن يتفقه ويسأل أهل العلم».