تأملت سرَّ «التوبة» التي يعرض الله لها مشاهد كثيرة في القرآن.. ما بين قصة لنبي، وصحابي، وحواريين، ورصد دقيق لنفسية الإنسان حال التوبة كما في قصة أبينا آدم وزوجه حواء عليهما السلام، وما ذكره الله في سورة محكمة تتلى إلى يوم القيامة سورة «التوبة» وعدّد الله فيها أصناف الناس، فمنهم المؤمنون الخلص، ومنهم المخلطون، ومنهم المنافقون.. لكن من الذي نجح منهم؟ إنهم «التائبون» «لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار».. وعلى «الثلاثة الذين خلفوا» ويستمر التأمل في قصص بعض الصحابة الذين تلبسوا بالخطأ كماعز والغامدية رضي الله عنهما.. وقصص التائبين وهم كثير من القديم والحاضر إلى قيام الساعة ويأتي التساؤل نفسه: ما سر التوبة؟! هل هو العلم النوراني الذي يكشف للبصيرة سوء العاقبة، أم هو الإيمان الذي يحرك القلب فيسمو للعلو والملأ الأعلى فيضيق بأوساخ الدنيا، أم هو استحضار الضعف البشري الذي يظهر بكل جزء من جسم الإنسان وتقلباته وأحواله، أم تصور عظمة الله وجلاله وهيبته وخشيته، أم هو تمثل الشفافية والوضوح الذي يظهر بسلوك الصدق، أم اجتمعت هذه العوامل كلها أو بعضها؟! من تأمل قصص التائبين وتفهم تفاصيلها علم فعلا أن مرحلة «الذنب» و«الخطأ» مرحلة «ضعف» ومرحلة «التوبة» مرحلة «قوة» ومثال ذلك قصة أبي البشر آدم وزوجه عليهما السلام، نجد أن السبب الأكبر لوقوع الخطأ هو «الضعف» الذي ظهر على صورة «النسيان» «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما» هنا بدأت مراحل العدو الأكبر بغزو النفس عن طريق شهوة الطعام وقدم القسم والحلف كذبا واحتيالا لإيقاع آدم بالذنب، فما إن وقعا في الذنب حتى ضجت نفسه إذ تحرك نور العلم، وإيمان القلب، وتبين لهما مدى ضعف الإنسان بلا ربه، وأن الملجأ إلى الله، وأن طريق الوصول لمغفرة الله ورضاه عبر الصدق معه والاعتراف والدعاء «قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» إنه العلم بالله المورث لخشيته، ولذا أتى قبل قصة أبينا آدم بسورة «طه» الأمر من الله بالزيادة من العلم، ولم يأمر الله بالزيادة من شيء سوى العلم «وقل رب زدني علما». ومثال آخر قصة كعب بن مالك رضي الله عنه؛ فلقد تخلف عن الغزوة بسبب التسويف حتى ألف الجلوس، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم تحرك إيمانه، وحضر علمه، وتذكر، ثم اعترف بلا احتيال، مواجها وسواس الشيطان في نفسه بالإيمان والخشية والصدق، فمن شدة تدفق الإيمان حين إقبال التوبة ضاقت عليهم الأرض، وأنفسهم، ولجأوا إلى الله فأتى الفرج، فلقد تاب الله على نبيه عليه السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم، «وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم». وسر التوبة النفسي الأعظم لكي ترى الحياة بوضوح وتبصر عظمة الله وجلاله، وضعف الإنسان وقلة حيلته هو «الصدق» مع الله ومع النفس ومع الناس، ولذا ختم الله قصة التائبين بسورة التوبة بقوله المؤثر مبتدئا بنداء قريب لطيف «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» وقال كعب رضي الله عنه «وإن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت».